صحة

قصة 5 شباب مع البهاق.. آلام الوصم والتنمر تفوق المرض

لن تُصاب بالعدوى إذا صافحتني
1.11.18
البهاق

"عفواً.. ما تعانين منه مرض ليس من السهل الشفاء منه، ويعمل على تغيير شكلك الخارجي كلياً"، كلمات مقتضبة لا تتفق بساطة اللهجة الروتينية التي يرددها بها الطبيب مع وقعها على من يتلقاها، تقع كالصاعقة على مسامع من يتلقاها، فما هذا المرض الذي يمتلك القدرة على تغيير شكل من يصاب به؟ بعد زيارة عدد من الأطباء - عادة - يدرك المريض المريض الإجابة؛ إنه مرض "البهاق- Vitiligo"، الذي يتسبب في تغيير اللون الطبيعي للجلد، لتتخلله بقع بيضاء واضحة، وقد يكون يغطي الجسم بأكمله كله في بعض الحالات.

إعلان

أسباب الإصابة بالبهاق ليست معروفة حتى الآن، لكن الإصابة به تُفسّر طبيًا على خلفية اجتماع عناصر العناصر مناعية ووراثية وعصبية، تؤدي في النهاية إلى فقدان الخلايا الملونة في الجسم (مسؤولة عن إنتاج مادة الميلانين)، والتي توجد بشكل طبيعي في الجلد، وحويصلات الشعر، وحتى شبكية العين.

وعلى عكس مرضى معظم الأمراض، لا تنتهي القصة بتشخيص المرض، ومعرفة سبب المشكلة الصحية لتبدأ رحلة العلاج، بل تبدأ رحلة مع أخرى مع نظرات الناس وهمساتهم، وتعليقاتهم المؤلمة في أحيان كثيرة، خوفًا من انتقال العدوى إليهم، على الرغم من أن المرض غير معدي، ما يتسبب في عزل جانب ليس بالقليل من المصابين عن العالم، سواء بقرار من المحيطين أو منهم أنفسهم، وهناك من يقرر المواجهة، ويستمد من البقع المنتشرة في أنحاء الجسد قوة الدفع لاستكمال الطريق الذي ربما لا يُعرف نهايته في محاولة لعلاج الزاحف الأبيض، والوصم الاجتماعي في الآن ذاته.

البهاق صديقي وأنتم الأعداء
"كنت فتاة عادية حتى ظهرت بقعة بيضاء صغيرة بجوار فمي. لم أعلم في البداية ماذا أصابني، وذات يوم توجهت إلى عملي مثل عاداتي، وجاءتني إحدى زميلاتي، وعندما اقتربت مني نظرت إلى تلك البقعة البيضاء، وفجأة تراجعت عن مصافحتي وسحبت يدها من يدي بطريقة سريعة وألقت تعليق حول إمكانية إصابتها بالعدوى ثم انصرفت وهي تتمتم بـ (ربنا يستر أكيد الفيروس اتنقلي منها). شعرت بالضيق وقررت استشارة طبيب فورًا. بالتأكيد تم تشخيص المرض، فيما بعد عرفت عنه أكثر، خاصة أنه (مرض مناعي) يتأثر في المقام الأول بالحالة النفسية، ولسوء حالتي النفسي انتشرت البقعة في وجهي ومنها إلى باقي أنحاء جسدي. بعد 4 سنوات أصبح البهاق (صديقي)، بينما بات الناس هم العدو الأكبر، فكلما تواجدت في تجمعات أو ارتدت المواصلات العامة، أواجه سيل من الأسئلة (هل هذا عيب خلقي؟ هل هو معدي؟) بالاضافة إلى نظرات الشفقة من المقربين وإلقاء عبارات التعاطف مثل (الله يكون في عونك، صغيرة على ما يحدث لك!)، فضلًا عن التنافس في تقديم عروض أشهر الأطباء لكبح جماح هذا الوباء - حسبما يصفونه - ولا يعلم أحد أنني سلكت جميع الطرق وأنفقت أموالاً طائلة دون فائدة، في النهاية قررت التعايش معه، رسمت وشم - تاتو - على يدي حتى أُخفي آثار البقع البيضاء، وتصالحت مع مرض البهاق المناعي (غير المعدي)، بينما لم أتصالح من يشوهونني نفسيًا." -إلهام، 31 عاماً

عذراً، لا أستطيع الزواج بمريضة البهاق
"من المعروف أن الشعر تاج المرأة، وكان شعري شديد التميز. أُصبت بالبهاق في مقتبل عمري، ودمر أهم شيء يميزني، لم أكن عن البهاق إلا أنه مرض من اللافتات المعلقة في الشوارع كدعاية لأطباء الأمراض الجلدية المتخصصين في علاجه، وكنت أتساءل أحيانًا ما هذا المرض؟ وبما يشعر مرضاه، حتى جاءتني الفرصة للتعرف عليه شخصياً، ذات يوماً استيقظت من نومي لأفاجأ بسقوط خصلة من شعري مع تغير لون جلد المنطقة المحيطة بالشعر إلى اللون الأبيض، بدأت رحلتي في العلاج، وذهبت إلى ما يقرب من 13 طبيبًا، حتى تم تشخيص الحالة. محاولات عديدة للعلاج دوائيًا وعن طريق الأعشاب انتهت جميعها بالفشل. نظرات وكلام المحيطين، كان الوحش الذي يلتهمني، رغم إخفائي خبر مرضي عن عائلتي لفترة كبيرة، هروبًا من نظرات الشفقة، وعند إعلاني الأمر كان أول من طعنني في ظهري، خطيبي الذي أنهى علاقتنا بعبارة واحدة (عذرًا لا أستطيع الزواج بمثلك مريضة بهاق). اعتدت الأمر وأصبحت متعايشة مع الأمر، لكن يؤلمني تعامل الناس معي، البهاق ليس مرض معدي، وليس مبررًا ليعامل المجتمع مصابيه كأقلية منبوذة لابد من عزلها في حجر صحي، رسالتي لهذا المجتمع (بدلًا من جهدكم المُهدر في منحنا النصائح الموجعة، اقرأوا عن المرض لكي تعرفون أنه مثل أي مرض عادي وليس وباء معدي)".- سارة، 30 عاماً

معجزة كافئني الله بها دون غيري
"الصف الثالث الابتدائي ذكرى ظهور أول بقع بيضاء اللون في وجهي وعنقي ويدي، بدأ أصدقائي التهرب من اللعب معي، ومعاملتي بحذر شديد بناء على توصية عائلاتهم. كان السبب الرئيسي لكرهي للـ"بهاق " هو تحكمه في حياتي، فمنعني من اللعب والسباحة والجري المتع الأساسية لمن في عمري، لتأثير أشعة الشمس المباشرة على الجلد. بدأت الأمر التفاقم عندما أنهيت دراستي وبات عليّ البحث عن وظيفة والانخراط في حياتي العملية، لم أكن أملك الشجاعة لمواجهة العالم، لكن أهلي وأصدقائي المقربين كانوا خير عون لي، ساعدوني في اتخاذ هذه الخطوة. وبالفعل قررت العمل، في وظيفة (نادلة) بإحد المطاعم، اتعامل مع الناس طوال اليوم، واستقبل الزبائن، والبهاق يكسو ملامحي، في البداية كانت نظراتهم تحمل الكثير من الأسئلة والحيرة والاستفسار عن هذا المرض، وكنت أقوم بالرد على أي سؤال بكل ثقة. بدأت اقرأ عن المرض بتركيز، وعرفت أن الشمس عدوه الأكبر، وتساعد على انتشاره، وبما إنه يصعب الشفاء منه، قررت مساعدته على الانتشار في جسمي بشكل سريع، وبدأت اتعرض للشمس يوميًا، حتي انتشر البهاق في جسدي وأصبح لون بقعه المميز هو لون بشرتي غير المعتاد بين البشر. أصبحت أنظر للبهاق باعتباره معجزتي الخاصة ومنحة ربانية ميزني الله بها عن الآخرين". -محمد، 24 عاماً

البهاق لا يهز الثقة بالنفس، الآخرين يفعلون
"نظرات الناس وعيونهم المتجه دائمًا إلى يدي ووجهي، وحذرهم الشديد في التعامل معي ومحاولات تجنب مصافحتي كان أكثر ما يتكرر معي منذ كنت في عمر 12 عامًا، وفي ضوء ذلك التنمر وسوء معاملة البعض، كان أهلي وأصدقائي خير داعم لي، ساعدوني في مواجهة العالم الخارجي بكل ثقة، وكنت حريص على التواجد في جميع التجمعات والمناسبات العائلية وغيرها، لكن ذلك لم يستمر طويلًا، تعرضت لكبوات عدة، عندما كان يتم رفضي في الوظائف التي اتقدم لها لمجرد إني مريض بهاق والمظهر الخارجي شرط أساسي لدى كثير من الشركات، لذا قررت العمل في الأعمال الخاصة حتى لا أكون تحت سيطرة أحد، ورسالتي لأصحاب العمل (عاملونا كأشخاص طبيعيين البهاق لا ينقص منا)". -شرف الدين، 33 عاماً

مواقف لا تُنسى
"زارني البهاق في السابعة من عمري ، وكان على هيئة نقطة بيضاء صغيرة الحجم في وجهي، لم امنحه أي اهتمام وقتها، بدأ ينتشر بشكل ملحوظ، أصبح الشغل الشاغل لوالدتي، وتحولت حياتنا إلى القلق والتوتر الدائم، وأصبح "البهاق" محور حديثنا طوال الوقت، خوفًا من أن يُدمر حياتي ويمنعني من الزواج وكأنني أصبحت وصمة عار على المجتمع، لم تترك عائلتي باباً دون أن تطرقه، وتحولت جميع تحركاتنا إلى الأطباء، فكان هذا الاهتمام المبالغ الضاغط الأكبر على نفسيتي. أكثر موقف لازال عالق بذهني عندما قامت قريبتي، في حصة العلوم ورغم أنها تعلم كل شىء عن مرضي، بإحراجي أمام الجميع، بطرحها سؤال على المعلمة حول البهاق وهل هو مرض معدي، ثم أشارت تجاهي حتى ينتبه الجميع لي، بينما المدرسة أنقذت الموقف، ولم تكترث لحديثها. موقف آخر لا أنساه عندما كنت في إحدى جلسات العلاج الثقيلة على قلبي بشكل عام، ليس فقط لما تسببه من آلام، وإنما لأنني في هذه الحالة فقط أكون وحدي دون عائلتي حولي، نزفت بغزارة، وخلال عودتي للمنزل بكيت بشدة في سيارتي، وسألت نفسي لماذا أنا مجبرة على تحمل كل هذا الألم وحدي دون أن يشعر بي أحد؟ لماذا لا أتقبل شكلي هكذا وأنا لست بالفتاة القبيحة؟ ومنذ هذه اللحظة قررت أن أتقبل نفسي وأحبها كما هي، ومنذ ذلك اليوم لم ألجأ لطبيب أو علاج مرة أخرى للتخلص من المرض". -منة الله، 31 عاماً