صحة

أؤمن وبقية أخوتي أن أحدًا منا لن ينجو

تحدثنا إلى أشخاص معرضين للإصابة بالسرطان لأسباب وراثية عن كيفية تعاملهم مع هذا الميراث القاتل
15.10.18
cancer
Photo by Lauren Griffiths on Unsplash



حين يثور كما أحد والديه أو يجلس على طريقة جده أو ربما يتخذ وضعية خالته في النوم، يشار إلى "الوراثة" باعتبارها المسؤولة عن هذه السلوكيات التي تصدر عن طفل لم يبدأ رحلته مع الاكتساب بعد. يكبر هذا الصغير، بينما يكدّ والديه آملين في ترك ميراث لهذا الابن ينفعه بعد رحيلهما، لكن السمات الشخصية والأموال ليسا الميراث الوحيد الذي يمكن أن يتركه الأهل للأبناء، فخلايا الجسد قد تحمل لهم ميراثاً آخر، قد يورثهم المرض والألم.

إعلان

حين يسقط أحد الأبوين فريسة للسرطان، فيهرع الأبناء للطبيب بحديث سري للوقوف على حقيقة مرض الأب أو الأم، ربما يجدون مفاجأة أخرى غير سارة في انتظارهم، تخصهم هم الأبرياء عن المرض، والذين يعتبروا وجودهم مجرد مرافقة ورعاية، ناسين أن الوراثة قد تطول خلايا أجسادهم أيضاً. "اهتم بالفحص من فترة لأخرى،لأن هذا النوع بالأخص من السرطانات يورث، لذا فللأسف أنت معرض للإصابة" ، بهذه الجملة يحذر الطبيب الأبناء، وبخاصة في أنواع بعينها من الأورام الخبيثة، مثل سرطان الثدي، القولون، الرئة، والجلد، والغدد الليمفاوية. تحدثنا إلى أشخاص معرضين للإصابة بالسرطان لأسباب وراثية عن كيفية تعاملهم مع ميراث الألم القادم.

أخاف من الزواج
"توفت أمي بسرطان الثدي، وقتها نبهتني الطبيبة: ممنوع أي موانع للحمل وبخاصة التى تؤثر على الهرمونات. سبب تحذير الطبيبة أن هذه العقاقير قد تُنشّط الخلايا السرطانية النائمة. عندما تركتنا أمي ورحلت، وعلمت أنه مرض وراثي، أصبحت أخشى تكوين أسرة، حتى لا أتركها. أخاف من الزواج، لا أتمنى أن تعايش أسرتي ظروفاً مثل التي عايشناها نحن. حاولت كثيراً ألا أشغل نفسي بالأمر، وأن أنسى الموضوع وأخرجه من رأسي، لكنني لا أنسى أبداً أن إجراء الفحص المنزلي للتأكد من أن الأورام الظاهرية لم تجد طريقها إلى جسدي بعد؛ فأتذكر من جديد. مؤخراً لجأت لطبيبتي النفسية لأن الخوف يزداد باضطراد، وهي بدورها تطمئني بأن الأمر ليس منتشراَ كما أظن، خالتي أيضاً استأصلت أحد ثدييها، لكن عائلتي تؤكد أن المرض هاجمها لسبب آخر، لا أثق إن كان الأمر كذلك فعلاً أم لا." -ياسمين، 22 عاماً

الخوف يثنيني عن إجراء أية فحوصات طبية
"أصيب أخي بآلام مفاجئة بالعمود الفقري، وجع لا يمكن تحمله، فجأة توقفت بنا الحياة، تذكرت أمي التى رحلت قبل أربعين عامًا بسبب (المرض الوحش)، لم أنتظر نتائج التحاليل كنت أنا وأخوتي نتوقع نتائجها مسبقًا خاصة وأن لدى العائلة تاريخ أليم مع السرطان، كانت أختي آخر من استلم نصيبها من ميراث المرض وساعدتها دراستها بكلية العلوم على خوض رحلة بحث طبية في تاريخ العائلة مع هذا المرض اللعين، لسوء الحظ، أثبتت التحاليل والأشعة الكاذبة التى أجراها أخي وجود بؤر سرطانية أسفل الظهر، لم يشكك أحدنا في النتيجة، بل ربما كنا لنشكك في أي نتيجة مغايرة، لكن أشعات وتحاليل ومسوح ذرية تالية أثبتت كذب التشخيص، وأوضح لنا الطبيب أنها مجرد غدد على العمود الفقري وليست سرطاناً، ومنذ ذلك اليوم وأنا أؤمن وبقية أخوتي أن أحدًا منا لن ينجو وأننا جميعًا معرضون بأشكال مختلفة لذلك الجين الوراثي القاتل. فحتى إن لم يصيبنا خطره، قتلنا رعبه. في كل مرة أستجمع قوتي وأقرر أن أجري فحوصات للاطمئان من عدم وصوله إلى بعد، لكن الخوف يثنيني عن إجرائها." -إسلام، 45 عاماً

هاجس الموت
"اكتشفت أمي إصابتها بسرطان الثدي في المرحلة الرابعة، أي بعد فوات الأوان، ثم رحلت، ومنذ ذلك الحين اندلع بداخلي هاجس الموت. كنت أقول لنفسي بالتأكيد سوف أموت بهذا المرض، وأخذ هذا الهاجس من اهتمامي الكثير حتى شغلتني الهموم الآنية عن هم الشبح المرتقب. اكتشفت إصابتي بالروماتيزم وبعض أنواع الحساسية، فانشغلت بعلاجهما عن خوفي من وراثة مرض أمي، حتى عندما لجأت للطبيب النفسي لم يكن وراثة الموت هو همي الوحيد، فوراثة الأعباء والمسؤوليات أثقلا عاتقي إلى حد لم أعد أتحمله. ماتت أمي وتركتني وحيدة مع أخوتي وأبي، فحملت راية ربة الأسرة من بعدها، أبي يعطيني مصروف البيت وأنا بدوري أدير كل شئ، ساعدني الطبيب النفسي على تجاوز بعض تلك الهواجس والهموم، لكني الآن أساعد نفسي، انشغل بالعمل والمسؤوليات عن هذا التفكير المؤذي لي ولمن حولي، حتى أنني أتناسى إجراء فحوصات بشكل دوري كي لا أعزز الفوبيا بداخلي." -**أسماء، 26 **عاماً

لا أخاف على نفسي، أخاف على أخوتي وأولادي
"بدأ الأمر بأمي، عانت من ألم في البطن، تطور حتى تم تشخيصها بسرطان القولون في مرحلة متأخرة. أصابني شلل عصبي في يدي اليمنى عندما علمت وانقلبت حياتي منذ هذا اليوم، ألغيت حفلة خطوبتي وكافة أنشطتي الجامعية، وبدأت معها رحلة العذاب. جراحة ثم علاج كيماوي. وفي يوم لا أنساه، طلبت فيه أن تأكل حمام وحضرته لها، أكلت وجلست معنا تضحك وتحكي، ثم نامت ورحلت. شعرت يومها أن الدنيا تهدمت فوق رأسي، حتى عندما تزوجت لم ارتد فستان فرح، أبي أيضاً توفى بسرطان البنكرياس وخضنا معه - أنا وأسرتي الجديدة - رحلة عذاب لم تنتهي بوفاته، فالرعب من المرض الذي يحاوطني وراثياً من الجهتين. لا أخاف على نفسي، أخاف على أخوتي وأولادي، أثناء رحلة علاج والدي بالخارج نبهني الأطباء لضرورة إجراء فحوصات دورية أنا وأخوتي، اتفقنا على أننا لن نعيش في هذا التوتر، لكننا لم نستطع أن نمنع بعض من الخوف على بعضنا البعض. زوجي كلما اشتكي من شئ يصاب بالهلع ومؤخراً أصبت بورم في اللثة جن جنونه". -**إنجي، 36 **عاماً

الميراث اللعين
"تقاوم ابنتي الفوبيا، لكنني لا أستطيع المقاومة، أصبت بسرطان الثدي قبل عامين، ومنذ ذلك الحين وأنا أخشى أن أورثه لابنتي، لا أريدها أن تعيش ما عشته، خاصة بعد أن علمت من الأطباء أنه مرض وراثي، أتعمد بين الحين والآخر أن اتحسس ثدييها لأطمئن، وبالطبع حاولت أن أجري لها فحص ماموجرام (فحص بالأشعة يساعد على اكتشاف أورام الثدي مبكرًا قبل ظهور أعراضها) لكن الطبيب رفض لأنها لا تزال دون السن المسموح لإجراء هذا الفحص. أمي سبقتني وأورثتني المرض، لذلك أريد أن أفعل ما في وسعي حتى لا يصل لابنتي هذا الميراث اللعين." -**سلوى، 45 **عاماً