social media
رأي

السوشيال ميديا.. كيف عززت شعورنا بالعزلة والبؤس؟

تدريجياً بلغت قدرتنا على التواصل حدَّها الأدنى: نعرف فقط أننا على قيد الحياة
16.10.19

في مراهقتي لم يكن لديّ أصدقاء، ثم تغيَّر الوضع مع دخول الإنترنت حياتي، وتعرفي على منتديات تشاركني اهتمامي بالقصص والموسيقى والسينما. هناك قابلت أصدقاء رائعين انتقلت علاقتنا سريعًا إلى أرض الواقع، وأصبحوا شلَّتي وعائلتي على مدار ثلاثة عشر عامًا، ثم جاء فيسبوك ليمنحني أصدقاء أكثر، ويعزز قدرتي على التواصل مع الجميع، لكن مع تطور السوشيال ميديا إلى مفهومها الحالي وتغلغلها في حياتي وحياة رفاقي، تغيَّر الوضع مرة أخرى، إلى الأسوأ.

إعلان

من هنا بدأت الوحدة..
مع بداية استخدام السوشيال ميديا -فيسبوك خصوصًا- كان الأمر رائعًا، الكثير من الأصدقاء والمعارف، نلهو ونتفاعل معًا، دون أن يؤثر هذا على تواصلنا المباشر. كانت السوشيال ميديا وسيلة تواصل إضافية، نتقابل بالخارج ثم نعود إلى منازلنا لنكمل المرح عبر الإنترنت. ظل الحال هكذا حتى جاء الربيع العربي في 2011، وتبدلت الأحوال.

أيهما أصح، أن ننفتح على بعضنا وتشتبك الأفكار لينتصر الأفضل، أم النجاة الفردية والعيش بسلام، والتوقف عن محاولة تغيير العالم؟

مع انفجار الثورة في مصر، أصبحت السوشيال ميديا ساحة للمعارك الفكرية والسياسية، وبالتدريج تحولت إلى مواقع للتناحر الاجتماعي لا للتواصل، وبدأت موجات الـBlock والـUn-Friend تضيِّق دوائرنا وتُقصي أي مُختلف عنّا. شخصيًّا أجد هذا مريحًا، وعدد الأصدقاء الذين أضفتهم خلال السنوات الخمس الماضية يُعَدّ على الأصابع، لكن هذه الراحة لها وجه آخر قبيح هي قلة صبرنا على المختلفين عنّا في الواقع أيضًا. كم مرة قابلت شخصًا لطيفًا ومع أول بادرة اختلاف فكري (يتعلق غالبًا بحريات شخصية لا أتفاوض فيها) أهرب وأقطع أي طريق للتواصل المستقبلي؟ إنه موقفٌ يتكرر باستمرار، ويجعلني أفكر كثيرًا: أيهما أصح، أن ننفتح على بعضنا وتشتبك الأفكار لينتصر الأفضل، أم النجاة الفردية والعيش بسلام، والتوقف عن محاولة تغيير العالم؟

مع استمرار التناحر على الإنترنت، والمناخ المشتعل على أرض الواقع، صار بروفايلي هو قوقعتي السحرية الهادئة التي تضم أصدقائي المقربين، ومعارف يتقاربون معي فكريًّا، أو يختلفون دون أن يمزقوني. لم تعد لدينا طاقة لأي صراعات إضافية. ثم خرجنا من فئة الشباب الصغير المنطلق، إلى فئة الشباب الناضج الذي يكوِّن مستقبله ويحاول النجاة في واقع مرير اقتصاديًّا واجتماعيًّا، فتوقفنا عن اللقاء الفعلي، وأصبحت السوشيال ميديا هي وسيلة التواصل الوحيدة، التي نتكاسل في استخدامها أيضًا، ونفكر في أصحابنا دون مراسلتهم، وبلغت قدرتنا على التواصل حدَّها الأدنى: نعرف فقط أننا على قيد الحياة.

مئة عام من العزلة الافتراضية
اختلف فيسبوك خلال الأعوام السابقة. فمع تطور أدواته لتغرقنا بالإعلانات المدفوعة، لم تعد منشوراتنا تظهر كفايةً لغيرنا، وصارت تفاعلاتنا محدودة، كل منّا يغرد وحيدًا دون أن يسمعه أحد، وبدأ نفورنا من الجميع لشعورنا بأنهم يتجاهلوننا، ثم بدأنا نتجاهلهم بالمثل. بهدوء ولدت ثقافة الـScrolling دون نية للمشاركة، وسحب اللايك إذا كان صاحب البوست شخصًا لا نحبه، واستعمال اللايك بدلًا من القلب لنوحي بإعجابنا المحدود بدل الإعجاب الجارف. فرضنا على أنفسنا قواعد معقدة جدًّا لنبدو رائعين وCool بينما يعزز هذا التواصل المشوَّه شعورنا بالوحدة والبؤس. حتى الحياة الافتراضية ازدادت تعقيدًا، كأن هذا ينقصنا.

سابقًا، كان فيسبوك أفضل علاج لشعوري بالوحدة، كنت أجد كثيرين يمكنني التحدث معهم، ومناقشات ممتعة بلا نهاية، أمَّا الآن فقد صار مصدرًا لا ينضب للمشاعر السلبية، الوحدة والعزلة، والشعور بالإهمال والترك. لازمني هذا الشعور فترةً طويلة حتى دخلت في عزلة كتابية استمرت شهورًا، تواصلت فيها مع ثلاثة أصدقاء وحسب، ومع هذا لم أشعر بالوحدة التي ملأتني خلال تصفح فيسبوك وسط عشرات متاحين للدردشة.

أعتقد أن السوشيال ميديا عززت أنانيتنا بإتاحة خيارات كثيرة صوَّرت لنا حتمية أن يسير العالم على هوانا. نحن ننتقي معارفنا، المناسبات التي نحضرها، الإعلانات التي نراها، الصفحات التي نتابعها

أعتقد أن السوشيال ميديا عززت أنانيتنا بإتاحة خيارات كثيرة صوَّرت لنا حتمية أن يسير العالم على هوانا. نحن ننتقي معارفنا، المناسبات التي نحضرها، الإعلانات التي نراها، الصفحات التي نتابعها. ربما جعلنا هذا غير قادرين على تحمل الاختلاف. ربما صرنا راغبين في حلول سحرية بسهولة الضغط على زر، كذلك صرنا شديدي الحساسية لأي رفض.

مع تنامي هذه الثقافة التعسة، ازدهرت بوستات تسخر من التواصل الإنساني كله، تتهم من يتصلون هاتفيًّا بالسماجة، وتتعالى على البدء بالاتصال، وتسخر من الودودين الذين يلاطفوننا، بينما نسهر بانتظار شخصٍ ما يكلمنا لتتلاشى وحدتنا. شخص ربما لا نعرفه، لكننا نعرف أننا لا نطيق الآخرين "المتاحين." وعلى أرض الواقع حدث بلا حرج. نتهرَّب من اللقاءات تحت وطأة شعور عام بـ"الفرهدة" والإرهاق، ونحتفل بإلغاء خططنا، ونضيق بمن يحاول أن يجمعنا في مناسبة واقعية. نحن على السوشيال ميديا طوال الوقت، فما الداعي للتحرك لنلتقي فعلًا؟ نريد شيئًا جديدًا يُقصي عنا هذا الملل.. ما هو؟ لا نعرف طبعًا.

1571228892801-call-6-copy
1571228907911-call-8-copy

فلنهرب من الفخ
كما قلت، أصدقائي هم شلتي وعائلتي، لكن رغمًا عني تسرَّبت ثقافة السوشيال ميديا لتؤثر على علاقتي بهم. لم أعد أتصل قبل استئذانهم في الشات أولًا، كما صرت مترددة في عقد صداقاتٍ جديدة مع مناخ التنمر العام الذي يستهزئ بالدفء الإنساني، سواء مع الأسرة أو الأصدقاء أو الارتباط العاطفي، ما جعل كثيرين غاية في قلة الذوق والفظاظة، والتباهي بفظاظتهم هذه باعتبارها علامة جاذبية.

أعتقد أن الوقت قد حان للهروب من هذه المهزلة، ليس بهجر السوشيال ميديا التي قدمت لنا أدوات تواصل أفادتنا فعلًا، وإنما بإعادة التواصل البشري إلى الواقع. كان أهالينا يقولون إن "الدنيا تلاهي" لكنني أعتقد أن الأنسب لنا أن تكون "الدنيا تلاقي." تسيطر عليَّ غُصَّةٌ وانقباضٌ حين أرى منشورًا يُمجِّد العزلة ويسخر من التسكع مع الرفاق، ويرى الرسالة الباردة أفضل من مكالمة أسمع فيها صوت صديقي وأقرأ روحه. الكارثة أن هذا الهراء يلاقي رواجًا كبيرًا بين الشباب الصغار، بينما نحن، أهل الثلاثينيات، نحتمي ببعضنا، وندرك أن الصحبة أعظم انتصار في ظروفنا الحالية.

إلى أين ستمضي بنا السوشيال ميديا؟ لا أدري، لكنني لا أريد مستقبلًا نتقوقع فيه داخل غرفنا الباردة، نسخر من أنفسنا والآخرين، ونشكو الفراغ وحياتنا عديمة المعنى.. متجاورين، وكل منا يموت وحده.