أطفال اللاجئين الأفارقة بالجزائر بين الحلم وقسوة الواقع
Albert Gonzalez Farran - UNAMID
مجتمع

أطفال اللاجئين الأفارقة بالجزائر بين الحلم وقسوة الواقع

أتمنى ألا أعود إلى بلادي أبداً، وأريد أن أذهب إلى المدرسة وأتعلم
7.5.18

كانوا عشرة أطفال أفارقة بوجوه جميلة مفعمة بالحماسة وبثياب بالية، أحدثوا ضجة كبيرة وهم يلحون على صاحب الباص أن يسمح لهم بالركوب مجاناً، صراخهم لفت انتباه كل الركاب، الذين تعاطف بعضهم معهم وانزعج بعضهم منهم، بل وصل الأمر بأحدهم أن طلب من السائق عدم السماح لهم بالركوب.

يشكل الأطفال عدداً كبيراً من اللاجئين والمهاجرين الأفارقة الذين لجؤوا إلى الجزائر قادمين من مالي و النيجر، تشاد، بوركينا فاسو، بنين وحتى الكاميرون وغينيا والذين يتراوح عددهم بحسب إحصاءات غير رسمية لمنظمة العفو الدولية ما بين 30 ألفا و100 ألف لاجئ أفريقي، يشكل الأطفال منهم ما نسبته 5 الى 6 الآف بحسب بعض الأرقام الغير رسمية. بسبب الحروب التي تمزق منطقة الساحل وبسبب المجاعة والفقر أيضاً، فر هؤلاء من بلدانهم متسللين عبر الحدود الجزائرية الشاسعة سالكين طرقاً صحراوية صعبة يخاطرون بحياتهم في رحلة مضنية من جنوب البلاد الى شمالها بحثا عن الأمن والمال والاستقرار. لكل منهم قصة، ولـ أطفالهم أيضا قصصهم، كما علمت من خلال حديثي إلى عدد منهم.

إعلان

يعيش آدم، مامادو، زولاي، سليمانو الذين لا تتراوح أعمارهم بين 6-8 سنوات الذين جمعتهم دروب الجزائر في مدينة شفة التي تبعد عن العاصمة 40 كم، يسكنون في أكواخ حيطانها من قصب وسقفها من بلاستيك على مقربة من أحد الأحياء العشوائية على جانب المدينة تفتقر إلى أدنى متطلبات الحياة العصرية، حيث يضطر سكان هذا الحي من المهاجرين واللاجئين الى التسول، فيما آخرون يعملون في ورشات البناء إن توفرت فرصة للعمل. ويسعى البعض إلى جمع المال الكافي لمواصلة رحلاتهم نحو أوروبا، فيما يريد آخرون البقاء في الجزائر بعيداً عن الحروب والمجاعات في بلدانهم الأصلية.

الكثير من هؤلاء الأطفال الأفارقة يخرجون صباحاً في مجموعات صغيرة يجوبون شوارع المدن القريبة من شفة كالبليدة، بوفاريك وبني مراد، تراهم في كل مكان، عند إشارات المرور، أمام المحلات، عند مداخل المساجد، في المقاهي والمطاعم، يفترشون الأرض أحياناً ويقفون تحت الجسور أحيانا أخرى بغرض التسول. تعلموا أبجدية الاستعطاف سريعاً كما تعلموا اللهجة الجزائرية، لا تمنعهم أمطار الشتاء ولا حرارة الصيف، فمن انكوى بنار القنابل ومن تعود على الهروب من وابل الرصاص وذاق قسوة الحرب لن تخيفه دوريات الشرطة ولن تثنيه قسوة البعض واستعلائهم من الإلحاح في طلب المال مرددين في كل مرة "صدكا صدكا (صدقة) ربي يدخلك الجنة."

المعظم دخلوا بطرق غير شرعية فلا يمكننا اثبات هويتهم ولا إلى أي بلد ينتمون ومعظمهم لم يدخل المدرسة ببلده الأصلي بسبب الحروب، ولهذا من الصعب إدخالهم في المدارس المحلية

بالقرب من أحد مقاهي مدينة البليدة التقيت زينب التي تبلغ الخامسة والتي قررت أن تمارس التسول لوحدها، تبدأ يومها صباحاً بأحد مقاهي مدينة البليدة تدخل تسلم على هذا وتمازح ذاك فالكل يعرفها هنا، ثم تجلس على الطاولة التي اعتادت الجلوس عليها كل مرة وكأنها في بيتها، فيحضر النادل قهوة وحبة كروسان ويعطيها بعض رواد المقهى الذين اعتادوا على الدردشة معها بعض النقود، ومن ثم تواصل جولتها الصباحية فتدخل كل المحلات التي تجاور المقهى وببسمة ساحرة تعرف كيف تدخل الجيوب قبل القلوب التي تعطف عليها. وفي حديث مع VICE عربية، يقول قايد رشيد صاحب مقهى العاشر: "لا مانع لدي في استقبال الفتاة الصغيرة، فأنا أب لأطفال صغار وقلبي ينفطر عليها ونحن كمسلمين يجب علينا مد يد المساعدة لكل محتاج،" ويضيف قايد أن العديد من الافارقة الذين يشتغلون في ورشات البناء بالجوار أصبحوا زبائن دائمين يرتادون المقهى كل مساء وكثيراً ما يتابعون مباريات كرة القدم التي تبث على التلفزيون هنا بالمقهى."

في شارع آخر، التقيت سمية، التي تبلغ من العمر حوالي ثمان سنوات، وكانت برفقة أخيها محمد الذي يصغرها سناً وأمها وثلاث نساء أخريات يحملن صغارهن على ظهورهن، والتي أجابت بكل عفوية على أسئلتنا. أخبرتنا أنها مالية الجنسية وأنها تسكن حالياً مدينة شفة وأنها يتيمة الأب، وقالت أنها تستقل القطار يومياً برفقة هؤلاء، حيث يختارون كل يوم مدينة للتسول بها ويعودون بعد العصر . "أتمنى ألا أعود إلى بلادي أبداً، وأريد أن أذهب إلى المدرسة وأتعلم،" تقول سمية.

سمية ومحمد. تصوير: زهراء براكة

تنفق الجزائر، بحسب إحصاءات غير رسمية، أكثر من 30 مليون دولار سنويًّا للتكفل باللاجئين الموجودين على أرضها، غير أن ملف التعليم لا يشكل الأولوية بالنسبة للدولة الجزائرية أو حتى المنظمات الغير حكومية. وكانت منظمة اليونسكو أشارت في عام 2016 الى أن الأطفال اللاجئين الملتحقين بالمدارس الابتدائية والثانوية بالعالم تقدر بـ 50 و25% على التوالي، وإن الفتيات أكثر عرضة للحرمان من التعليم. وتنص المادة 53 في الدستور الجزائري على أن "الحق في التعليم مضمون ومجاني حسب الشروط التي يحددها القانون" تشير المادة ذاتها إلى أن "التعليم الأساسي إجباري" ويعاقب القانون من يمنع أبناءه من الحصول على هذا الحق، فالطفل في الجزائر من حقه التعلم حتى السن 16 عامًا، ولكن هذا لا ينطبق على جميع اللاجئين، فالسلطات لا تسمح للأطفال النازحين الذين دخلوا البلاد بطرق غير شرعية بالتسجيل للمدرسة.

في مكالمة هاتفية مع رئيسة الهلال الأحمر الجزائري، تؤكد سعيدة بن حبيلس على تمسك بلادها بموقفها فيما يخص اللاجئين الذين يتعين عليهم العيش في الملاجىء تخصها لهم الدولة وتشير الى أن ظاهرة التسول ممنوعة حسب قوانين البلاد ومع ذلك فإن السلطات تغض البصر عن آلاف الأطفال الذين يجوبون الشوارع والمدن، وتضيف: "حق التعليم والعلاج المجاني مكفول لجميع اللاجئين وقد وفرت الدولة كل الإمكانيات لاحترام الجانب الإنساني لهم، والجزائر ملتزمة باحترام المعاهدات الدولية الخاصة باللاجئين." وعندما سألنا بن حبيلس عن سبب عدم تسجيل الأطفال في المدارس المحلية أجابت: "المعظم دخلوا بطرق غير شرعية فلا يمكننا إثبات هويتهم ولا إلى أي بلد ينتمون ومعظمهم لم يدخل المدرسة ببلده الأصلي بسبب الحروب، ولهذا من الصعب إدخالهم في المدارس المحلية، هذه هي المشكلة،" ذلك بالإضافة الى أن لغة التدريس هي العربية التي لا يفهمها أكثر اللاجئين الافارقة، كما تقول.

الجزائر هي منطقة عبور وليست منطقة استقرار لذلك فانطباع الجزائريين حولها مرتبط بكونها ظاهرة عابرة ومؤقتة مما يجعل الجزائريين لا يشعرون بالضيق والاستياء

وكانت منظمة العفو الدولية قد انتقدت تعامل السلطات الجزائرية مع المهاجرين واللاجئين الأفارقة العام الماضي، حيث أشارت المنظمة أن الجزائر قد شنت حملة قمعية قائمة على أساس تمييزي ضد المواطنين الأجانب، وقامت بترحيلهم قسراً ومن بينهم مئات من القصّر والأطفال غير المصحوبين بذويهم. وتشير بحوث منظمة العفو الدولية إلى أن عمليات القبض تمت بناء على استهداف عنصري نمطي، نظراً لأن السلطات لم تحاول التأكد مما إذا كان من حق هؤلاء المهاجرين الإقامة في البلاد أم لا، سواء عن طريق تفحص جوازات سفرهم أو سواها من الوثائق. وبينما كان بعض من قبض عليهم وتم ترحيلهم مهاجرين بلا وثائق، كان آخرون يملكون تأشيرات دخول سارية المفعول. هذه الحملات هي أكثر ما يخيف هؤلاء الاطفال وأهاليهم، حيث التقينا محمد وفاطيما الذين كانا برفقة أمهما بالقرب من أحد المحلات، وبصعوبة بالغة وافقا على الحديث معنا فقد كانت تبدو عليهما علامات الخوف، مما جعلنا نستنتج أنهما تعرضا للمضايقات. محمد يتكلم العربية بصعوبة لم نفهم منه إلا أنه من النيجر وأنه يحلم بالسفر الى أوروبا.

محمد وفاطيما. تصوير: زهراء براكة

وعن رأيه حول طريقة التعامل مع المهاجرين الأفارقة، يقول الدكتور يوسف حنطابلي، المحاضر بكلية علم الاجتماع في جامعة البليدة 2 في مقابلة معنا أن ظاهرة التسول المنتشرة حالياً يجب أن تُفهم في إطار سياقها السياسي والجغرافي ويضيف: "الجزائر هي منطقة عبور وليست منطقة استقرار لذلك فانطباع الجزائريين حولها مرتبط بكونها ظاهرة عابرة ومؤقتة مما يجعل الجزائريين لا يشعرون بالضيق والاستياء. كما أن هناك جانب إنساني يجعل الجزائري يعطف على الأفارقة خاصة الأطفال وكأنه يشعر أن هؤلاء يستحقون الصدقة والشفقة أكثر من غيرهم بكون الصورة الذهنية عنهم مرتبطة بمعاناتهم من الفقر والحروب."

هذا الكلام ليس صحيحاً تماماً، فلا يزال هناك خلاف كبير بين أطياف المجتمع الجزائري حول طريقة التعامل مع المهاجرين الافارقة، فقد أطلق مئات الناشطين العام الماضي حملة في مواقع التواصل الاجتماعي من أجل ترحيل الأفارقة إلى بلدانهم باعتبارهم "باتوا يشكلون خطرا أمنيا،" في حين رافع طرف ثان ضد أي محاولة لترحيلهم وأن على الدولة حمايتهم. وفي حين تقترح بعض المنظمات والجمعيات غير الحكومية في الجزائر البحث عن حلول جذرية للمهاجرين الأفارقة العالقين في أغلب المدن، من خلال دمجهم في الاقتصاد الجزائري وخاصة أن الكثير من الشباب الجزائري يرفض العمل الشاق كأعمال البناء، إلا أن آخرين يخافون من ذلك قد يتسبب برفع نسبة البطالة بين الشباب في الجزائر والتي تبلغ نحو 30 في المئة.

كل هذه التفاصيل لا تعني زينب أو سمية أو آدم، كل ما يهمهم هو أن يعيشوا في مكان آمن.

ملاحظة: حصلنا على موافقة الأهل لتصوير هذه الصور، ولكن على الرغم من الموافقة ترددنا في نشرهم، وفي النهاية تقرر أن الاهل هم الجهة المسؤولة عن أطفالهم وخياراتهم يجب أن تُحترم، لذا وجب التنويه.