"إسعى.. إسعى.. إسعى.. إسعى" كلمة تكررت في أوبريت "الليلة الكبيرة" للشاعر المصري الراحل صلاح جاهين، على لسان "مصوراتي" يدعو الناس إلى التقاط "صورة ستة في تسعة." تلك الكلمة كانت الأكثر ترديدًا بين جموع المصريين المحتفلين بمولد سيد شباب أهل الجنة، حفيد رسول الله، الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما. مَن اقترب من المشهد الاحتفالي، الذي أقيم في منتصف شهر يناير الجاري، يدرك أن لكلمة "إسعى" مفعول السحر في تنظيم حركة تلك الحشود الهائلة. كان "جاهين" يصف مشهد المولد قبل نحو 50 عامًا في مطلع الأوبريت بقوله: "الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كتيرة/ ماليين الشوادر يابا من الريف والبنادر،" لكنه لم يكن ليصف مشهد المولد الآن بكلمات مختلفة، حيث نفس الزحام ونماذج البشر "الساعين" حول مسجد الحسين بالقاهرة.
إعلان
مشاهد كثيرة من "ليلة جاهين" اختفى بعضها، وتغير حال بعضها الآخر في احتفالية الليلة الكبيرة بمولد الحسين، فلا وجود لـ"الأراجوز" أو "المراجيح" أو "السيرك" إلا أن "الحمص" يظل البطل في جميع الموالد: "اللي شاف حمص ولا كالش/ حب واتلوع ولا طالش" لكن لا تستطيع أن تشتري منه "حَبة بقرش" مثلما طلبت الفتاة من البائع في "الأوبريت" المكتوب في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، إذ يتراوح سعر الكيلو الآن ما بين 18 و30 جنيها للكيلو. هناك أيضًا باعةُ لُعب الأطفال المنتشرون على أرصفة ساحة المسجد، لكن لا تحاول أن تميل للبحث عن "فوريرة للعيل" أو "زمارة شخليلة" فلن تجد إلا ألعابًا مصنوعة من البلاستيك، صينية المنشأ. ولن تعثر على ذلك الرجل الذي يدعو الشباب للتصويب ببندقية، صائحًا: "فتح عينك تاكل ملبن.. فينك فينك.. تاكل ملبن" لكنك ستصادف أنواعًا رديئة من "الملبن" بجوار "الحمصية" و"الفولية" وأصنافًا أخرى من الحلويات. ولاحتفالية مولد الحسين مكانة خاصة لدى أحباب آل بيت رسول الله، فهو رئيس وزراء الحكومة الباطنية عندهم، يطلبون منه "المدد" ويسألونه "الغوث" ويعتبرونه "حامي الحمى" وإذا كان "المولد" بالنسبة لهم "فرح"، فهم يفرحون بطقوس مختلفة عن أي مولد.مولد النفحات
كاتب تلك السطور، وفي الصباح السابق لـ"الليلة الكبيرة" عثرَ في طريقه على خمسة عشر جنيهًا، ثلاث ورقات ملتفات على بعضها بطريقة تشير إلى أنها سقطت من يد طفل. ابتأسَ لحال ذلك الصغير وهو يتخيله يبكي أمام أمه أو أبيه، لكنه سرعان ما فَرحَ بالمبلغ الضئيل، واعتبره هدية من السماء، والتقى بعدها صديقه، فأخبره بقصة الورقات الثلاثة، فصاح به الأخير مستبشرًا بيقين: "دي نفحة مبعوتة لك من سيدنا الحسين." الصديق من أبناء الطريقة الجعفرية الأحمدية المحمدية، للشيخ صالح الجعفري، ذهب معي في "الليلة الصغيرة" وبعد وقت من التجوال، سأل أحدهم عن دورة مياه، فدلنا على منزل أمامنا، وبعد صعودنا اكتشفنا أنه مخصص لـ"الخدمة" وبه مجموعة من محبي آل بيت الرسول، جاءوا من إحدى قرى محافظة سوهاج بصعيد مصر، ليقدموا الطعام والشاي لرواد المولد. أصروا على تقديم اللحم والخضار لنا، وبرغم تناولنا عشاءنا قبلها بقليل، حثني الصديق على تناول ما قدموه باعتباره "نفحة" ففي مولد "الحسين" لا تُرد النفحات.
كاتب تلك السطور، وفي الصباح السابق لـ"الليلة الكبيرة" عثرَ في طريقه على خمسة عشر جنيهًا، ثلاث ورقات ملتفات على بعضها بطريقة تشير إلى أنها سقطت من يد طفل. ابتأسَ لحال ذلك الصغير وهو يتخيله يبكي أمام أمه أو أبيه، لكنه سرعان ما فَرحَ بالمبلغ الضئيل، واعتبره هدية من السماء، والتقى بعدها صديقه، فأخبره بقصة الورقات الثلاثة، فصاح به الأخير مستبشرًا بيقين: "دي نفحة مبعوتة لك من سيدنا الحسين." الصديق من أبناء الطريقة الجعفرية الأحمدية المحمدية، للشيخ صالح الجعفري، ذهب معي في "الليلة الصغيرة" وبعد وقت من التجوال، سأل أحدهم عن دورة مياه، فدلنا على منزل أمامنا، وبعد صعودنا اكتشفنا أنه مخصص لـ"الخدمة" وبه مجموعة من محبي آل بيت الرسول، جاءوا من إحدى قرى محافظة سوهاج بصعيد مصر، ليقدموا الطعام والشاي لرواد المولد. أصروا على تقديم اللحم والخضار لنا، وبرغم تناولنا عشاءنا قبلها بقليل، حثني الصديق على تناول ما قدموه باعتباره "نفحة" ففي مولد "الحسين" لا تُرد النفحات.
إعلان
طوال رحلتك حول مسجد الحسين أو بداخله، أثناء المولد، ستقابلك النفحات أينما وليت وجهك، فهذا يوزع عصائر، وذاك يلقي بالتمر، وثالث يناولك قطع مخبوزات محشوة بالعجوة أو الملبن، ورابع يوزع ساندوتشات "حلاوة طحينية" كلها نفحات بسيطة ينالها المحبون بفرحة، ويشكرون عليها حفيد نبيهم، ويعتبرونها علامة على رضاه عليهم. بدأ صلاح جاهين أوبريت "الليلة الكبيرة" بالمقدمة الشهيرة: "قبة سيدنا الولي دول نوّروها/ ما أحلى البيارق والناس بيزروها" والمُتابع لموالد أولياء الله في مصر، يجد ذلك المشهد يتكرر على مدار أيام قبل الليلة الختامية: مجموعة من الرجال وراؤهم نساؤهم، يرفع عدد منهم البيارق "الرايات الخضراء" ولافتات تعلن عن أي طريقة صوفية يتبعون. كان المشهد مبهجًا عند دخول إحدى تلك الطرق ساحة المسجد، ينشدون: "في حمى الله دخلنا."عند دخولهم "المشهد الحسيني" يوزع أتباع كل طريقة ما معهم من نفحات على الجالسين، غالبا ما تكون رغيف بداخله قطعة لحم أحدهم تناوله متلهفا صائحا: مدد يا سيدنا الحسين مدد. يبدو أنه كان جائعًا، ثم تتجه كل طريقة إلى المكان المخصص لإقامة سرادقاتهم. وهكذا، وعلى مدار أيام يتوافد أصحاب الطرق الصوفية من كل محافظات مصر: "دول فلاحين ودول صعايدة/ دول من البلد ودول رشايدة." لم يرصد "جاهين" وجودًا للأجانب في مولد السيدة زينب، لكنك حتما ستلاحظهم في احتفالات مولد الحسين، خاصة من باكستان وإندونيسيا والهند، ولأعضاء طائفة البهرة الهندية تواجد ملحوظ في المحال المجاورة للمسجد وضريح الحسين، ومنطقة امتداد شارع الأزهر.
وجوه من المولد
في مولد الحسين، ترى كل أصناف البشر وأحوالهم: المشتاقين، الهائمين، المحبين. الشباب الصغير والشيوخ، الفتيات الصغيرات والسيدات، الغني والفقير، المهندس والغفير. الجميع في واحد، يوحدون الواحد: "الله حي". يتمايلون على صوت المنشد: "الحبُّ في الله نورٌ يشرحُ الصدرَ/ الحبُّ في الله سرٌ يرفعُ القدرَ." وهي نفسها النماذج التي لعبت بطولة "ليلة جاهين الكبيرة"، مع مسحة مصرية لا تخلو من صفتي الفهلوة وخلفة الدم.
في مولد الحسين، ترى كل أصناف البشر وأحوالهم: المشتاقين، الهائمين، المحبين. الشباب الصغير والشيوخ، الفتيات الصغيرات والسيدات، الغني والفقير، المهندس والغفير. الجميع في واحد، يوحدون الواحد: "الله حي". يتمايلون على صوت المنشد: "الحبُّ في الله نورٌ يشرحُ الصدرَ/ الحبُّ في الله سرٌ يرفعُ القدرَ." وهي نفسها النماذج التي لعبت بطولة "ليلة جاهين الكبيرة"، مع مسحة مصرية لا تخلو من صفتي الفهلوة وخلفة الدم.
إعلان
في المولد، ستصادف رجالًا ذوي ملامح غليظة بشوارب كثيفة، يقفون مولين ظهورهم إلى الاحتفالات، ينظرون حولهم بترقب، هم من رجال الشرطة، يحافظون على النظام العام، متنكرين، فلا تنشغل بهم. ستجد أيضا عساكر الأمن المركزي يقفون مشدوهين، تخلو وجوهم من الكدر والجهامة المعتادة في أوقات خدمتهم. هناك أيضًا الملتصقات بجدران المسجد، تشاهدهن مرتديات عباءات وطُرحًا سوداء، سيدات بسيطات أتين من قرى بعيدة، تلمحُ في وجه إحداهن كدمات زرقاء حول عينيها، فتشفق عليها وعلى طفلها الرضيع، وتفكر في أنها لجأت إلى "الحسين" لينتقم من زوجها "المجرم"، ثم سريعا ما تتذكر أنك في "مقام حب"، وأنها ربما كانت تدعو للمعتدي عليها بالهداية، ولعلها تستغيث بحفيد الرسول حتى "يحنن قلب ذلك الغليظ."
حول مسجد الحسين مقاه يجلس عليها أسر تحيطها السعادة والرضا، وشباب يافعون، وبنات وصفهن صلاح جاهين في "ليلته الكبيرة" بـ"قمرات زي الشربات." المسجد نفسه يتحول في "الليلة الكبيرة" إلى لوحة كبيرة يشكلها المحبون بأوضاع مختلفة: مجموعات كبيرة جاءت من محافظات بعيدة، تفترش الأرض، مستسلمة للنوم والراحة، يبدون وكأنهم سكارى وما هم بسكارى، فقط، تحركت رؤوسهم كثيرًا على أنغام أناشيد المديح. آخرون يتحلقون حول خطيب المسجد، وهو ينشد المدائح تارة، ثم يرتجل تارة أخرى، متحدثًا عن مآثر الحسين وكراماته، معتبرا إياه "سيد الأحياء" وليس "الشهداء" وبعيدًا عن أولئك وهؤلاء، هناك من لا يزال يقف متضرعًا ممسكًا بقضبان نوافذ الضريح اللامعة، بعدما أُغلقت أبوابه.
كرامات "الحسين".. صدق أو "عنك ما صدقت
"صدق أو إن شالله عن أهلك ما صدقت" قالها منفعلًا الخطيب الذي كان يسرد كرامات "سيدنا الحسين" أثناء جلوسي في المسجد في حدود الساعة العاشرة مساء "الليلة الختامية"، بدا في انفعاله وكأنه يرد على التيار السلفي الذي ينكر وجود رأس الحسين من الأساس. كان يتحدث عن ظهور معجزاته على بشر يعيشون بيننا. ما قاله الخطيب سبق وسمعته أو قرأته، إذ يتداول مريدو "سيد شباب أهل الجنة" قصصًا عن ظهوره في دنيانا، منقذا من لجأ إليه من ورطات ومحن عظيمة. القصة الواحدة تُروى بتفاصيل وروايات مختلفة من شخص إلى آخر، حتى تبدو وكأنها أساطير.
"صدق أو إن شالله عن أهلك ما صدقت" قالها منفعلًا الخطيب الذي كان يسرد كرامات "سيدنا الحسين" أثناء جلوسي في المسجد في حدود الساعة العاشرة مساء "الليلة الختامية"، بدا في انفعاله وكأنه يرد على التيار السلفي الذي ينكر وجود رأس الحسين من الأساس. كان يتحدث عن ظهور معجزاته على بشر يعيشون بيننا. ما قاله الخطيب سبق وسمعته أو قرأته، إذ يتداول مريدو "سيد شباب أهل الجنة" قصصًا عن ظهوره في دنيانا، منقذا من لجأ إليه من ورطات ومحن عظيمة. القصة الواحدة تُروى بتفاصيل وروايات مختلفة من شخص إلى آخر، حتى تبدو وكأنها أساطير.
إعلان
القصص كثيرة، واحدة منها تحكي عن سيدة خرجت من قريتها في الصعيد هي وابنتها، قاصدة زيارة مقام الحسين، رضي الله عنه. وهي في الطريق، أوقف السائق سيارته في مكان مهجور، مدعيا أنها تعطلت، ثم ظهرت نواياه في فعل السوء بابنتها، فتوسلت إليه أن يتركها، ويفعل فيها ما يشاء، وكانت تبكي بحرقة وتناجي الحسين: "وا حسيناه، أترضى بمن قصدت بابك أن يُفعل فيها ذلك" فظهرت فجأة سيارة شرطة أتت إليهم مسرعة، ونزل منها ضابط برتبة كبيرة، بهي الطلعة، وقبض على السائق، وذهب به إلى القسم، وهناك، وبعد تحرير المحضر، وقع عليه بتلك الصيغة: "قبض عليه الحسين". القصة نفسها بتفاصيل مختلفة تُروى عن سيدة إندونيسية جاءت إلى مصر بصحبة ابنتها. وقصة أخرى عن عاجز كان يجلس على مقهى قريب من مسجد الحسين، وراح يبكي بحرقة ويناجيه: "يا بخت اللي جاي يزورك من كل حتة وانا بيني وبينك كام متر ومش قادر أجيلك" وفجأة وجد رجليه يتحركان وقام من كرسيه.
مولانا "الأمريكاني"
بعيدًا عن تلك القصص، فإن محبي آل بيت رسول الله والمريدين، عندما ينجون من محنة، يعتبرون الأمر كرامة من الحسين، أحدهم التقيته في نيويورك، كان شريكي في السكن لمدة ثلاثة شهور، سافر إلى أمريكا في بدايات الثمانينيات من القرن الماضي، وحصل على جنسيتها، ويطلق عليه أصدقاؤه من المصريين والعرب هناك "مولانا"."مولانا" حكى لي الكثير من كرامات الحسين معه، وكيف نجاه من الموت أكثر من مرة، في إحداها كنتُ شاهدًا بنفسي على ذلك. في أثناء إعدادي التقرير، اتصلت به أستأذنه في نشر تفاصيل ما حكاه لي، فرفض، مبررًا بأن "النفحات الشخصية والمدد من الله وآل بيت الحبيب لا نتكلم بها إلا مع الخواص وأهلها، وإذا نُشرت في الجريدة تصبح متاحة للعوام." رفض أيضًا ذكر اسمه، لكنه تراجع في لحظتها، قائلا: "اذكره.. عادي.. (محمد علي) منه كتير، وذلك له سر، وهو اسم مكون من 7 حروف، وكل شيء حولنا يتكون من 7، حتى طبقات الجلد لأي إنسان 7 والسموات والأرضي 7، وكذا القراءات المشهورة للقرآن 7."
بعيدًا عن تلك القصص، فإن محبي آل بيت رسول الله والمريدين، عندما ينجون من محنة، يعتبرون الأمر كرامة من الحسين، أحدهم التقيته في نيويورك، كان شريكي في السكن لمدة ثلاثة شهور، سافر إلى أمريكا في بدايات الثمانينيات من القرن الماضي، وحصل على جنسيتها، ويطلق عليه أصدقاؤه من المصريين والعرب هناك "مولانا"."مولانا" حكى لي الكثير من كرامات الحسين معه، وكيف نجاه من الموت أكثر من مرة، في إحداها كنتُ شاهدًا بنفسي على ذلك. في أثناء إعدادي التقرير، اتصلت به أستأذنه في نشر تفاصيل ما حكاه لي، فرفض، مبررًا بأن "النفحات الشخصية والمدد من الله وآل بيت الحبيب لا نتكلم بها إلا مع الخواص وأهلها، وإذا نُشرت في الجريدة تصبح متاحة للعوام." رفض أيضًا ذكر اسمه، لكنه تراجع في لحظتها، قائلا: "اذكره.. عادي.. (محمد علي) منه كتير، وذلك له سر، وهو اسم مكون من 7 حروف، وكل شيء حولنا يتكون من 7، حتى طبقات الجلد لأي إنسان 7 والسموات والأرضي 7، وكذا القراءات المشهورة للقرآن 7."
مولانا "محمد علي" يعتقد كثيرًا في الأرقام، وينحاز دائمًا إلى الرقم "78" فهو مجموع تكرار الحروف المقطعة في القرآن، وهو رقم المنزل الذي ولد فيه بالإسكندرية في العام 1964، ثم هو رقم العقار الذي اشتراه في التسعينيات وأنشأ فيه مسجد "أحباب آل بيت رسول الله، ولما علم أنني من مواليد 78، اعتبرني مبعوثا من "سيدنا الحسين" ودائما ما يوصيني بزيارته وقراءة الفاتحة، وتبليغه سلامه: "قول له محمد علي بتاع أمريكا بيسلم عليك."