رأي

هل خذلني يسري فودة؟

حاجز الخوف الذي تحدث عنه فودة بعد جمعة الغضب انكسر في وجهه هذه المرة
18.9.18

يسري فودة (فليكر). 

"إلى غير رجعة حاجز الخوف انكسر، ونحن لا نزال في المنتصف، هذه أيام مجيدة من أيام مصر والعرب، هذه أيام الغضب."

كانت هذه هي المقدمة التي بدأ بها الصحفي المصري المعروف يسري فودة حلقته بعد جمعة الغضب في 28 يناير 2011 في مصر. كلمات علقت في أذهان الكثيرين من أبناء جيلي الذي رأي في فودة إعلامياً نزيهاً ثورياً يعبر بكلماته عن جيل لم يجد بارقة أمل في مصر سوى مع شرارة ثورة الخامس والعشرين من يناير. هل قدم يسري فودة نفسه ممثلًا للثورة؟ هل قال لنا إنه شخص أفضل؟ هكذا دار حديث مع صديقة لي ترى أن فودة لم يفعل ذلك، فهو لم يقدم نفسه رجلًا مِثالًا، بعض مشاهديه هم من وضعوه في هذه المساحة ورسموا حوله هالة التنزه عن الخطأ.

مريدو فودة لم يصيبهم الشك لحظة وارجعوا جُل الأمر للصراع مع السلطة السياسية في مصر

الإعلامي المصري المرموق صاحب جولات برنامج "سري للغاية" على شبكة الجزيرة الإخبارية، التي صنعت له اسماً لامعاً وسط الجمهور العربي، جذب جمهورًا أكبر عندما بدأ في الإعلام المصري قبل الثورة المصرية بعامين تقريباً، فتحول من مجرد إعلامي إلى رمز لدى بعض من الجمهور، تحول بعضهم لمريدين، فيما رآه آخرون شيطاناً مأجورًا، إذ اعتبروا فودة إعلاميًا غير وطني ممول بأجندات خارجية. وككثيرين غيري، تعاطفت بشدة مع فودة عندما تم وقف برنامجه (آخر كلام) في مصر، على خلفية أحداث العام 2013، وسعدت للغاية عندما علمت أنه سيعود للشاشة مرة أخرى من خلال برنامج (السلطة الخامسة) على قناة دويتش فيلله الألمانية، حيث كان فودة واحدًا من بين الإعلاميين الذي توقفت مسيرتهم في -المحروسة - مثل باسم يوسف، وريم ماجد، وليليان داوود.. وغيرهم نتيجة للمتغيرات السياسية التي أعقبت أحداث 30 يونيو.

خلال الأيام القليلة الماضية ظهرت بعض الأخبار التي تتهم يسري فودة بالتحرش، وقامت واحدة من "الضحايا" بسرد تفاصيل واقعة التحرش، وأصبح الأمر حديث السوشيال ميديا. مريدو فودة لم يصيبهم الشك لحظة، ولم يطرحوا السؤال: هل يمكن أن يفعل ذلك؟ وكأن فودة منزه عن الخطأ، فارجعوا جُل الأمر للصراع مع السلطة السياسية في مصر، لاسيما، أن واقعة تحرش مشابهة في إحدى الجرائد المصرية الموالية القريبة من السلطات الحكومية، فاعتبر بعض محبي فودة (رجالاً ونساءً) أن تشويه صورته ماهي إلا محاولة للتشويش على واقعة تحرش تمس إحدى القيادات التحريرية في هذه الجريدة. بل ذهب بعضهم الى أبعد من ذلك، ورأى أن فتاة "مثل هذه" لماذا سينظر إليها يسري الذي يمكنه أن يحصل على أي امرأة يريد؟ وبعض آخر لم عليها بمنطق "إيه اللي وداها هناك" نفس المنطق الذي استخدمه بعض المصريين في واقعة اعتداء جندي على إحدى المتظاهرات ما أدى إلى تعريتها عام 2011، فكان تعليق عدد ليس بالقليل على مواقع التواصل: "إيه اللي وداها هناك؟ الآن، مؤيدو يسري فودة أصبحوا في نفس السلة مع منتقدي حادثة فتاة التحرير.

أما كارهو فودة (رجالاً ونساءً أيضاً)، فقد وجدوا في الأمر عزاءً كافياً للشماتة في كل ما يمت لثورة يناير بصلة، على اعتبار أن فودة تجسيد للثوريين والثورة. لكن دعوني أقول لكم لا، لم يكن يسري فودة أو أي شخص ممثلًا للثورة ولقيم الثورة، وثبوت واقعة تحرش يسري فودة- إن حدث- هي وصمة على جبينه هو، وليس جبين الثورة. ولكن ربما تتلخص صدمتي في يسري فودة من خلال هذه الكلمة "القيم." لقد ظننت أن رجلًا يتحدث عن قيم العدل والحرية والمساواة، لن يكون في مساحة الاتهام التي تضعه في أسوأ منزلة يمكن تصورها، التحرش بامرأة.

التحرش في الوسط الإعلامي والفني، ليس بالأمر الغريب على من يعمل/ تعمل فيه، وهذا ليس في المنطقة العربية فقط، ولعل واقعة تحرش المنتج الهوليوودي هارفي واينستاين بأكثر من فنانة، مثال بسيط على ذلك. فالصراع بين الذكور والإناث يحمل في طياته عنصر القوة/ السلطة/ التحكم/السيطرة. الذكور في هذا الوسط بشكل خاص، وبيئة العمل بشكل عام، يمتلكون ميزات أكبر من النساء، هذه المميزات قد تغريهم أن يحققوا بعضًا من رغباتهم المكبوتة، أو محاولة علاج عُقد نقصهم على نساء أقل منهم سلطة. التحرش بالنسبة لي لا يتعلق باللمسة أو القول الذي قد يقوم به رجل فيؤذي امرأة، الأمر أبعد من ذلك. الأمر يتعلق بالإرادة التي يحاول الرجل كسرها في المرأة، الرغبة التي يتجاهلها ولا يحاول احترامها، الخصوصية التي يخرقها دون لحظة تفكير، ظنـًا منه أن رجل لا يُقاوم.

الفعل المتهم به فودة هنا لا يفرق بين رجل ثوري وآخر مؤيد للسلطة، كلاهما في نفس السلة

نحن الرجال نظن، بل نعتقد أحيانًا، أننا نمتلك من القوة ما يكفي لجعل النساء مهووسات بنا، هل أصاب المرض فودة؟ في مجتمع شرقي ذكوري، تحكمه أفكار سلطوية أبوية، ليس سهلًا على عديد من النساء مواجهة سطوة ذكور يملكون من السلطة والقوة ما يقمع شعوباً؟ نفى فودة الاتهام عن نفسه خلال الأيام الماضية، وطالب مُتهميه باللجوء للقضاء وقال نصاً: "… أشجع المدعين على اللجوء إلى القضاء في ألمانيا أو غيرها من الدول المحترمة لرفع ما يرونه من قضايا، وسيسعدني الإجابة على أي سؤال أمام المحكمة."

لكن السؤال الأكثر تعقيدًا، هل القضاء دوماً عادل، أيا كانت الدولة؟ هل تبرئتك من التهمة يعني أنك لم تفعلها؟ وهل إثباتها يعني أنك ارتكبتها؟ ما قد يواجهه فودة حالياً أكبر من تبرئة القضاء أو اتهامه، إنها صورته التي اهتزت، شرعيته التي صارت محل تشكيك، مصداقيته التي انهارت. لقد صار الرجل في محط التساؤل، في كل مرة قد أشاهده بعد ذلك حال تبرئته، لن يكون هو نفس الرجل الذي شاهدته بعد جمعة الغضب.

حاجز الخوف الذي تحدث عنه فودة بعد جمعة الغضب، قد انكسر في وجهه هذه المرة عندما تحدثت إحدى النساء عن واقعة التحرش بها. إذا ثبتت واقعة التحرش، فلا يهمني إذا كان الأمر هو تصفية حسابات بين الدولة المصرية ويسري فودة، كما يقول البعض، أو محاولة من للتعتيم على تفاصيل واقعة التحرش في جريدة اليوم السابع، كما يقول البعض الآخر، فالفعل هنا لا يفرق بين رجل ثوري وآخر يؤيد النظام، كلاهما في نفس السلة.