فيلم

كيف تخبرنا السينما عن مخاوفنا واضطراباتنا النفسية؟

يهتم كتاب الأفلام بالخلفيات النفسية لتفسير سلوكيات الأبطال، ويستعين بعضهم بمتخصصين نفسيين لإحكام الحبكة الدرامية على أسس علمية
دعاء رجب
إعداد دعاء رجب
10.9.18
الصورة من موقع IMDb

في كثير من الأحيان يكون المدخل لفهم أي شخصية وقراءة دوافعها وأفكارها وتعقيداتها، هو الرجوع للخلف قليلًا والتأمل في شكل طفولة ومراهقة هذه الشخصية، وما أحاط بهذه المراحل من ملابسات. صحيح أنه مع التقدم في العمر يمكننا اكتساب قناعات وآراء جديدة، والمرور بتغيرات كبيرة ومحورية في شخصياتنا، إلا أن ما مررنا به من حوادث وما تحمله ذاكرتنا من مشاهد يبقى معنا ويساهم بشكل أو آخر في مدى تقبلنا لهذه التغيرات، وهو ما يؤكد عليه جان بياجيه في نظريته للتطور المعرفي "النّمو عمليةٌ مُتتابعةٌ ومنظمةٌ تسير باضطراد من مرحلة لأخرى، فتكون المراحل السابقة جزءًا لا يتجزأ من المراحل التي تليها".

إعلان

ولأهمية ما تحمله فترة الطفولة والمراهقة من تفسير لكثير من المعاني، فإن السينما ركزت في كثير من الأفلام على هذه المراحل في حياة شخصية البطل، حتى وإن لم يكن ذلك المحور الأساسي للفيلم أو ما تدور حوله القصة العامة، ركزت كثير من الأفلام على الحوادث والخبرات التي شكلت فيما بعد شخص آخر، والذي ربما كانت ستتخذ شخصيته منحنيًا مختلفًا في حال لم تختبر تلك الحوادث، واستعان كتاب السيناريو في سبيل ذلك بنظريات علم النفس، من أجل تقديم مراحل الشخصية وتحولاتها بشكل منطقي يستند إلى أساس علمي.

وعلى صعيد ما نحمله معنا من طفولتنا، فيما يلي قراءة لما تخبرنا به مجموعة من أشهر وأهم أفلام السينما عن أنفسنا وشخصياتنا بالنظر إلى فترة الطفولة والمراهقة.

الشغف والحنين
الشغف، ينطلق فيلم Cinema Paradiso من هذه النقطة بالذات، حيث "توتو" الصغير يقف متلصصًا على أحد عروض السينما بقريته، والتي يشاهدها قس القرية وحيدًا في عرض مخصص له، ليقرر ما يتم حذفه من مشاهد، ليرى بعدها أهل القرية الفيلم محذوفًا منه مشاهد القبلات.

يتلقى "توتو" الصغير حبه وشغفه بالسينما، ليس فقط من الأفلام وإنما من المكان، سينما باراديسو، ومن ماكينة العرض، ومن طعم شريط السينما، ومن الكادرات الملقاة على الأرض بغير ترتيب، ومن الجمهور، الذي يصطف يومًا تلو الآخر لمشاهدة الأفلام، الوسيلة الوحيدة للترفيه في القرية، وأخيرًا من "ألفريدو"، عامل ماكينة العرض بالسينما. بعد سنين يصبح توتو مخرجًا شهيرًا، يعود إلى قريته، ليحضر جنازة "ألفريدو"، ويفاجأ بقرار هدم السينما، ومع وفاة "ألفريدو" وهدم دار العرض، يصبح الوضع وكأنه محو للأشياء الملموسة من ماضي "توتو"، لم يتبق فقط سوى صور لمشاهد مضت تدور داخل رأسه كشريط عرض قديم. "ألفريدو" وكأنه يعرف المستقبل، ترك ميراثه لـ"توتو"، شريط سينما، لمشاهد القبلات المحذوفة من الأفلام، كأنه أراد لشغف "توتو" أن يبقى، فأهداه شيئًا ملموسًا من جديد.

إعلان

يُعرّف علم النفس الشغف بأنه عملية تراكمية تنمو بمرور الوقت، يحفزه الفضول والرغبة في المعرفة إلى جانب وجود بيئة محيطة متعاونة وإيجابية، ويرى علم النفس أن كل إنسان يولد بقابليات واستعدادات ومواهب أولية يساعدهم الفضول، ويصنف عدد من علماء النفس الشغف بأنه أعظم هدية تساعد في اكتشاف النفس، ويمكن على أساسه تفسير كثير من سلوكياتنا وقراراتنا. وبالرجوع إلى تصنيف علم النفس للشخصيات، فإن الشخصية الشغوفة هي أحد أنماط الشخصية، والتي تجمع بين الانفعالية والحيوية، وتهتم بتحقيق رغباتها، والوصول إلى النجاح على الصعيد الاجتماعي.

الميول الجنسية
على المستوى الجنسي يحمل الكثير من الأشخاص فيتيشًا أو هوسًا قد يكون مرضيًا تجاه شيئًا محددًا، وإذا فتشنا قليلًا في ذاكرته ربما نجد أن السبب وراء ذلك، هو مجرد حادثة أو مشهد أو ذكرى ما مر بها الشخص بالتزامن مع فترة البلوغ. في فيلم The Hairdresser's Husband مثلًا يصور لنا المخرج باتريس لوكونت حياة البطل "أنطوان"، الذي يجد نفسه منذ سن المراهقة المبكرة، مغرمًا بصاحبة محل الحلاقة بالبلدة، يذهب إليها كلما واتته الفرصة، تصاحبه خيالاتها في لحظات استمنائه، لتصبح رغبته في الحياة شيء واحد مؤكد هو أن يتزوج في المستقبل من كوافيرة، تمر السنين ويصبح أنطوان في منتصف العمر تقريبًا قبل أن يقابل صاحبة محل حلاقة "ماتيلد"، يسألها وهي تصفف شعره إذا كانت تقبل الزواج منه، هكذا في أول لقاء بينهما. وكأن أمنيته في الطفولة أصبحت هاجسًا يخشى عليها من الضياع، يستغل أول فرصة تسنح له لتحقيقها.

ربما كان الأمر سيختلف كثيرًا إذا صادفت فترة بلوغه ملاقاة امرأة تعمل بمحل فطائر أو طبيبة أو غيرها، لكنه في هذا التوقيت تحديدًا من الزمن، كان من حظه أن يقابل مصففة الشعر بالبلدة، فتتلاقى رغباته مع هذا الشكل وهذه الهيئة. وتُرجع نظرية التحليل النفسي امتلاك الشخص فيتيشًا محددًا، إلى الآثر الباقي لانطباع جنسي شعر به المرء في أغلب الحالات خلال فترة الطفولة، رغم أن الشكل الواضح للفيتيش يظهر بشكل أقوى في فترة المراهقة. وتوصلت عدد من الأبحاث النفسية إلى أن الطفل يربط الإثارة الجنسية بالأشياء التي تخص شخصًا تجمعه به علاقة حميمية مثل الأم أو الأخت الكبرى، كما يُرجع بعض الباحثين أسباب امتلاك الأشخاص للفيتيش إلى مشاهدة هؤلاء لسلوك جنسي غير ملائم أو تعرضهم حتى لاعتداء جنسي في الصغر.

إعلان

رغبة الانتقام
نحمل أيضًا رغبتنا في الانتقام، فلن يفكر طفل يرى والده يُقتل أمام عينيه، سوى في رغبة أكيدة في الانتقام، يحفزها كراهية، وربما مشهد القتل الذي لا يفارق ذهنه، وهو ما يصوره فيلم Gangs of New York، حيث يسعى الطفل "أمستردام" للانتقام من "بيل الجزار"، قاتل أبيه، بعد أن شهد مقتله وهو لا يتعدى أعوامه الأربعة، في معركة وحشية بين عصابتي المواطنين أصحاب الأرض والأرانب الميتة ذوي الأصول الأيرلندية. ستة عشر عامًا تمر قبل أن يعود "أمستردام" لمنطقة الفايف بوينتس مرة جديدة، هذه المرة هو في العشرين من عمره، يسخر كل إمكانياته للوصول لهدف وحيد، هو قتل "بيل الجزار" رغم بعض الإعجاب بشخصيته ربما، ورغم الحرب الأهلية وأعمال الشغب الدائرة في خلفية المشهد.

يرى علماء النفس أن الإنسان يولد ومن ضمن غرائزه الطبيعية الدفاع عن النفس والتي تشتمل بدورها على فكرة الانتقام أو الثأر، وأظهرت دراسات عديدة مؤخرًا، أن الإنسان الباحث عن الانتقام يعاني من عدم توازن نفسي، لا يستقر سوى بتحقيقه للانتقام، إذ تكون مناطق الألم بالدماغ في أوج نشاطها في تلك الفترة، وبتحقيق الانتقام سرعان ما يكتسي الألم باللذة حيث يُنشط هذا الشعور منطقة في الدماغ تسمى "النواة المتكئة" المسؤولة عن المكافأة. كما رصدت عدد من التجارب أن الطفل عندما يتعرض لظلم أو قهر فأنه يشعر أن العالم عدائي وأنه ضحية هذا العداء، وفي ظل ذلك تؤثر هذه الفكرة على سلوك الطفل، ومنها تنبع الرغبة في الانتقام.

الوسواس القهري
اختار المخرج مارتن سكورسيزي أن يبدأ فيلمه The Aviator بمشهد للطفل "هاوارد هيوز"، والذي يحكي الفيلم سيرته الذاتية، وهو يستمع لوالدته التي تلقنه حروف كلمة "حجر صحي"، وتحدثه عن الأمراض المنتشرة في ذاك الوقت بولاية تكساس، الكوليرا والتيفوس، تزرع بداخله شعور عدم الأمان، هكذا علق في ذهن الفتى وسواسه القهري من الأمراض والجراثيم، ليصبح فيما بعد هاوارد هيوز الشهير، الذي عُرف بهوسه الشديد بالنظافة، وبخوفه وشكه الدائم في المحيطين به.

إعلان

هاوارد هيوز أصبح سجينًا بالمعنى الحرفي لطريقة تربيته، وللدروس التي تلقاها في صباه، والتي أثرت عليه بهذا الشكل. في واحد من أكثر مشاهد الفيلم كشفًا للمعاناة الغارق فيها هاوارد هيوز، يصوره سكورسيزي بعد أن علق داخل حمام الرجال مترددًا وخائفًا من مد يده ولمس مقبض الباب، يظل واقفًا بجانب الباب، منتظرًا أن يدخل شخص آخر ويفتح الباب، فلا يضطر هو لذلك. "كان أغنى رجل في العالم، وبملياراته اشترى لنفسه غرفة لم يغادرها قط." هكذا وصفه الناقد السينمائي روجر إيبرت.

يرى عدد من المحللين النفسيين أن الإنسان يصاب بالوسواس القهري في أحد مراحل النمو وتكوين الشخصية، وهي مرحلة الشرجية، وذلك بسبب قسوة رقابة الأنا العليا للفرد على نفسه، كما أن السيطرة المفرطة لأحد الأبوين ورغبته في الكمال تؤثر بشكل سلبي على سلوك الطفل، وتدفعه للبحث عن الكمال أيضًا بتأثير من نظرية التعلم الاجتماعي، والتي يحاكي فيها الفرد سلوك أفراد آخرين حوله. أطلق فرويد على الوسواس القهري اسم العصاب الوسواسي، وكان يصنفه على أنه وسيلة يلجأ لها الإنسان في محاولة للدفاع ضد المخاوف والقلق.

الشعور بعدم الأمان
عندما نتعرض للانتهاك الجسدي، فإننا نفقد ثقتنا بالآخرين، وعندما يأتي هذا الانتهاك من أقرب الأشخاص إليك، فأنك على الأغلب تفقد الإيمان والثقة بالجميع، بالعالم من حولك، وفوق ذلك تُحمل بندوب يصعب محوها، ومجموعة من العُقد النفسية التي تحتاج للكثير من أجل حلها. "جريس" مشرفة بمركز تأهيلي لرعاية المراهقين المضطربين نفسيًا، تسعى لتخطي آلامها من خلال مساعدة هؤلاء الأطفال، تحاول التعايش، لكن معرفتها بحملها، هدم كل محاولاتها للاستقرار، هي ترفض أن تأتي بطفل إلى هذا العالم غير الجدير بهذه الهدايا، هي لا تثق بهذا العالم، ولا تعرف حتى إذا ما كانت هي نفسها مؤهلة كفاية لتربية طفل سوي.

إعلان

فيلم Short Term 12، الذي أُنتج في عام 2009 كفيلم قصير، قبل أن يعود المخرج ديستين كريتون ويقدمه عام 2013 كفيلم طويل. أظهر معاناة شخصية "جريس" التي ترفض حتى أن تفصح لحبيبها عما مرت به، لكن أزماتها النفسية تبدأ في التفاقم عندما تحل وافدة جديدة إلى المركز، "جايدن" التي تتشارك مع "جريس" في معاناة مماثلة. يصل الأمر بـ"جريس" لمحاولة قتل والد "جايدن"، في انتقام ربما لنفسها قبل أن يكون للفتاة المراهقة.

ثمة آثار عديدة للاعتداء الجنسي على الأطفال، تستمر مع التقدم في العمر، وتترك أثرها الواضح على الشخص في مراحل لاحقة من حياته، وقد خلصت عدد من الدراسات النفسية إلى أن أبرز تلك الآثار تتلخص في عدم الثقة بالآخرين والغضب والشعور بعدم الأمان والشعور بالذنب والعار واللجوء إلى العزلة وإيذاء النفس، ويصل أحيانًا الأمر إلى الرغبة في الانتحار.

إدمان العنف
كثيرًا ما نتساءل عن شخصية أحدهم، نسأل مستغربين من أين جاء بهذه الحدة، أو لماذا تتسم ردود أفعاله بهذا القدر من العنف، يمكننا ببساطة العودة لطفولته ومعرفة السبب. يبدو أنه جزء من طبيعتنا البشرية نطلق أحكامًا على الأشخاص، دون رغبة مننا في معرفة الأسباب التي أوصلتهم إلى هنا. في أحد مشاهد فيلم We Never Really Here يُسئل "جو" يقولون إنك عنيف، فيجيب ببساطة "يمكنني أن أكون"، خلف هذه البساطة تأتي صور الفلاش باك طوال أحداث الفيلم لتكشف لنا كيف أصبح "جو" عنيفًا، ولماذا، كيف كان يتعرض في طفولته للعنف البدني من قِبل والده، وكيف كان يرى والدته وهي تتعرض لعنف مماثل أيضًا.

العنف الذي تتسم به شخصية "جو" له مقابل آخر خفي، لا يظهر غالبا سوى مع أمه، فنجد شخصية هشة حنونة، معاكسة تمامًا، لذلك الآخر العنيف، وهو ما يمكن تفسيره أيضًا من طفولته، حتى السلاح الذي اختار أن يستخدمه في عملياته، نفهم من مشاهد الفلاش باك سبب اختياره له.

وبالرجوع إلى الدراسات النفسية، نجد أن العديد منها قد أثبت أن الحد من التوتر والعمل على تحسين الصحة النفسية للأب أمران لهما أولوية قصوى، وتحديدًا، إذا كان أطفاله صغارًا. وذلك لما يلعبه الأب وحالته النفسية من دورٍ كبيرٍ في نمو وتطور شخصية الطفل. وهو ما يقودنا إلى نظرية العالم النفسي ألبرت باندورا عن التعلم الاجتماعي، والتي تؤكد أن التعلم يأتي عن طريق المحاكاة، إذ أثبت أن الأنماط السلوكية والاجتماعية للأشخاص البالغين والأطفال يتم اكتسابها من خلال المحاكاة والتعلم بالملاحظة. وبالقياس على أحداث الفيلم، نجد أن عنف "جو" لا يقتصر فقط على فكرة تعرضه لهذا العنف، لكن لرؤيته له، حيث تعلم الصغير من والده كيف يكون عنيفًا.

عقدة أوديب
في فيلم Spider يتابع المخرج ديفيد كروننبرج شخصية دينيس كليج، رجل في منتصف العمر تقريبًا، غادر لتوه مصحة عقلية، إذ يعاني من انفصام بالشخصية، هنا البطل يتحرك بتفاصيل وذكريات طفولته أينما ذهب. يتجول بينهم، تحديدًا الذكريات التي تقتصر على أمه، وكيف كان يحبها ويغير عليها من والده، يمر بنا على مشهد قتل والده لأمه، والذي تتضح حقيقته في نهاية الفيلم. يحول "كروننبج" كل النساء في مخيلة "كليج" إلى صورة مشابهة من أمه، وكأنها أصبحت تملأ أي جزء من عقله مخصص للنساء.

وتبعًا لنظرية التحليل النفسي لفرويد، فإن المرحلة القضيبية، يمر فيها الذكر بما يسمى عقدة أوديب، والتي تتمثل في تعلق الذكر بحب أمه، وكره والده والغيرة منه. وتبدأ هذه المرحلة مع تشكل الرغبة الجنسية لدى الطفل. وفي الظروف الطبيعية تنتهي عقدة أوديب بوصول الطفل مرحلة البلوغ وهنا تنعكس اتجاهات الطفل العاطفية فيبدأ بالتوحد مع والده، ويتحرر من مشاعره نحو أمه. وتتحول مشاعر كراهية الأب إلى حب واحترام وربما اتخاذه نموذجًا.

أما في الظروف غير الطبيعية، فيحدث ما يُعرف بالنكوص، وهو عودة الفرد إلى سلوك غير ناضج، كان يتبعه في مراحل سابقة من النمو. ويعرف فرويد هؤلاء باسم العصابيون، وهم من لا يتسطيعون الخروج من الحالة الأوديبية ما يؤثر عليهم ويسبب لهم اضطراب في الشخصية وفي الاتزان النفسي، وهو أقرب ما يكون لما حدث مع شخصية دينيس كليج.