رأي

الترحم على مبارك.. حول سيكولوجية القهر

العديد من المصريين لا يرون أنفسهم ضحايا​ للقهر، بل يتعاملون بعاطفية شديدة مع القاهر الذي صنع جزءًا كبيرًا من عالمهم
2.3.20
egypt

Khaled Elfiqi/EPA

في عام 1973 مدينة ستوكهولم بالسويد، احتجز أربعة أشخاص في أحد البنوك السويدية أثناء عملية سطو من شخص يُدعى يان-إيريك أولسون. بعد مرور ستة أيام، تم القبض على أولسون وشريكه، وأطلق سراح الرهائن الأربع. الغريب في الحكاية أن الرهائن أبدوا تعاطفًا مع مختطفيهم، بل رفضوا الشهادة ضدهم في المحكمة، بل أن أحد المختطفين قام بتمويل الدفاع عن المتهمين، وأشارت تقارير حينها أن واحدة من المختطفات تزوجت أحد الخاطفين. أثارت هذه الواقعة اهتمام علماء النفس، فوضعوا بعض السمات التي تتعلق بمثل هذه الحوادث، وأطلقوا عليها (متلازمة ستوكهولم أو Stockholm Syndrome). اعتبر البعض أن هذه الظاهرة ترتبط فقط بالرهائن أو المختطفين، إلا أن علماء النفس والاجتماع وسعوا دائرة استخدام هذه المتلازمة، وأشاروا إلى أنها ترتبط بالأساس بوجود خلل في توازنات القوى بين الطرفين (قاهر-مقهور)، مما يجعلها تشمل النساء اللاتي تعرضن لتعذيب جسدي أو جنسي، أو الأطفال، كذلك مساجين الحرب والإرهاب، والعبيد والعاملات في مجال الجنس التجاري.

إعلان

يمكن تعريف متلازمة ستوكهولم أنها "حالة تنتج عن مجموعة من المواقف الشخصية المباشرة بين الخاطف/القاهر والمخطوف/المقهور، حيث يقوم الخاطف بإرهاب وإخافة ضحاياهم حتى يفقدوا أي قدرة على مساعدة أنفسهم ويصبحون خاضعين تمامًا لخاطفيهم، ولا يجدون أي معنى للهروب أو الخوف على حياتهم. وبالتالي، في ظل مثل هذه الظروف أي فعل حسن/طيب يقوم به الخاطف، أو حتى غياب الفعل السئ/الضار تجاه المخطوف مثل عدم الضرب يجعل الخاطف شخصـًا جيدًا في نظر المخطوف."

هذه المقدمة هي محاولة لفهم أو تفسير ظاهرة لطالما تكررت مع قطاع من شعوب دول المنطقة العربية. فعندما تم إعدام الرئيس العراقي صدام حسين ترحم عليه الكثيرون، ونسوا أنه ديكتاتور قتل وعذب الكثيرين في العراق. وخلال الأيام الماضية تكررت نفس الحكاية بعد وفاة حسني مبارك عن عمر يناهز الـ 91 عامـًا، وكأن الرجل كان نبيـًا لا كرامة له في وطنه، فحق القول على الناس أن يعيدوا له كرامته بعد وفاته. ونسى أو أنكر كثير من هؤلاء الداعين له بالرحمة أن الرجل الذي حكم مصر لمدة ثلاثة عقود كان سببـًا مباشرًا في موت وتعذيب وإفقار الآلاف من المصريين. لماذا تناسى عدد من المصريين خاصة، والعرب بشكل عام، ما فعله مبارك؟ هل لأننا قوم متدينون بطبعنا، ونحب ذكر محاسن موتانا، ولأن الشماتة في الميت حرام؟

غسيل دماغ في منتهى البراعة رسم صورة خرافية لرجل عسكري عادي جدًا محدود القدرات، فصار قائدًا للحرب والسلام. وباتت الجموع تراه منقذًا

يمكنني أن أفهم الحزن الذي ارتسم على صور الشخصيات العامة التي حضرت جنازة مبارك وعزاءه، وكيف أنهم يبكون رجلًا كانوا جزءًا من منظومته، وانتفعوا من الفساد الذي كان مكونـًا أصيلًا من مكونات حكمه. هؤلاء المنتفعون متسقون مع ذواتهم، فولاؤهم نبع من مصلحة خُلقت بين الطرفين، لكن أين المصلحة التي نشأت بين مبارك وقطاعات متنوعة من الشعب تم إفقارها وإذلالها؟

إذا حاولنا تطبيق خصائص متلازمة ستوكهولم على من ترحموا على مبارك واعتبروه رجلًا طيبًا خدم مصر بكل وطنية، فهذه أولى الخصائص المتوفرة لديهم، فقد صار طيبًا.. لماذا؟ من بين الأسباب التي ستتردد دومًا على ألسنة بعضهم: أنه جنب مصر الحروب وعمل على تحقيق التنمية، وسبب مثل هذا يتشابه بالضبط مع الخاصية التي تتعلق بالقاهر عندما لا يقوم بفعل مسئ للمقهور. فمجرد عدم دخوله في حروب مثل السادات وعبد الناصر وضعه في خانة الأخيار.

في فيلم عمارة يعقوبيان ظهرت شخصية (كمال الفولي) التي كانت تجسيدًا لشخصية كمال الشاذلي، وفي أحد المشاهد قال الفولي "إحنا دارسين نفسية الشعب المصري، الشعب المصري كله ماسك في ديل الحكومة كأنها أمه اللي خلفته حتى لو الحكومة ماشية على حل شعرها". هذه الجمل معبرة جدًا عن الصورة التي استطاع نظام مبارك أن يرسمها عن نفسه، حيث قدرته على فهم نفسية الشعب، وبالتالي أصبح كثير من هذا الشعب مقتنعـًا بأن النظام الحاكم يعرف مصلحة المواطنين أكثر من أنفسهم، وبالتالي أي قرارات تُتخذ من قبل الحاكم نابعة من أنه أكثر الناس علمًا بنا نحن الشعب الساذج الغلبان.

بعض الآراء تحدثت عن وجود صلة بين متلازمة ستوكهولم وغسيل الدماغ - Brainwashing، وهو أسلوب متبع من قبل النظم السياسية مع أسرى الحروب والمعتقلين من أجل تغيير أفكارهم، وظهر هذا المصطلح عام 1950 مع بداية الحرب الكورية. وغسيل الدماغ ليس سحرًا أسود، بل عملية ممنهجة من تغيير الأفكار والمعتقدات الخاصة بفرد أو جماعة ما، وأدوات هذه العملية قد تتم عبر أساليب الإقناع أو الإكراه.

إعلان

اتبع مبارك نظام الإقناع والإكراه خلال فترة حكمه. إما الإقناع فقد ظهر من خلال الأعمال العادية تقدمها أي حكومة تتولى السلطة فتصير إنجازًا يهلل له الكثيرون، فأصبحت الكباري ثورة في المدنية، والمدن الجديدة مثل توشكى (الوهم) أصبحت نقلة لدول العالم الأول، وصار موت الآلاف في القطارات المتفحمة والعبارات الغارقة قضاءًا وقدرًا. غسيل دماغ في منتهى البراعة رسم صورة خرافية لرجل عسكري عادي جدًا محدود القدرات، فصار قائدًا للحرب والسلام. وباتت الجموع تراه منقذًا ولا تريد أي تغيير للوضع القائم لأنه وقاهم ويلات حروب تضرب المنطقة ووعدهم بمستقبل وتنمية عظيمة.

إن القاهر لا يرغب فقط في قمع المقهور على مستوى الفعل، بل مستوى الأفكار، فيسعى لتغيير منظومة القيم والأفكار الخاصة بالمقهورين، وهذا بالضبط ماحدث على مدار حكم مبارك، فالرجل لم يأل جهدًا في جعل المصريين يحلمون بكل شيء متوسط الجودة، أن يكون حلمهم هو "العادية"

العديد من المصريين لا يرون أنفسهم ضحايا للقهر، بل يتعاملون بعاطفية شديدة مع القاهر الذي صنع جزءًا كبيرًا من عالمهم، ويرون التغيير الجديد الذي قد يطرأ شرًا. بل أن بعض ضحايا القهر قد يتبنون نفس الطريقة التي يتعامل بها قاهروهم، فيتحدث المقهور مثل القاهر، بل تصل لدرجة الإيمان بالأفكار التي يؤمن بها القاهر. إن القاهر لا يرغب فقط في قمع المقهور على مستوى الفعل، بل مستوى الأفكار، فيسعى لتغيير منظومة القيم والأفكار الخاصة بالمقهورين، وهذا بالضبط ماحدث على مدار حكم مبارك، فالرجل لم يأل جهدًا في جعل المصريين يحلمون بكل شيء متوسط الجودة، أن يكون حلمهم هو (العادية | Mediocrity)، ليس جيدًا وليس سيئًا، مثل الأشياء التي ليس لها مذاق. وبالطبع كان هذا التغيير في الأفكار والأحلام ممتدًا لثلاثة عقود وهي مدة كفيلة لتغيير ثقافة مجتمع. فصرنا نرضى بالقليل من كل شيء حتى في تحقيق العدل واسترداد الحقوق.

قد يقول البعض أن من ترحموا على مبارك مجموعة متفرقة من الأفراد، وليس جمهورًا واحدًا، ولا يملك قناعات واحدة، وهذا صحيح إلى حد كبير، إلا أن هذا الجمهور في النهاية اجتمع على شيء واحد، وقد يكون هذا الجمهور وراء الشاشات أو الشارع لكنه اجتمع على فكرة واحدة تتعلق بشخص. وهذا سيحيلنا إلى مسألة تتعلق بنفسية الجماهير، والتي تحدث عنها جوستاف لوبون، مؤسس علم نفس الجماهير. لوبون يرى أن الجمهور هو "مجموع انصهار أفراده في روح واحدة وعاطفة مشتركة تقضي على التمايزات الشخصية وتخفض من مستوى الملكات العقلية" ويضيف أن داخل الجمهور "يتبع كل شخص شبيهه المجاور له، والحشد الكبير يجرف الفرد معه مثلما يجرف السيل الحجارة المفردة التي تعترض طريقه" وذلك بغض النظر عن ثقافة الشخص أو معرفته أو خلفيته الاجتماعية أو الطبقية التي جاء منها.

غياب العقل وطغيان العاطفة والشعور الجارف بالقوة جميعها مشاعر مُعدية على المستوى الجماهيري. وبالتالي يلعب ذلك دورًا في سرعة تأثر الجماهير بما يقال وتصديقها لأي شيء، فيصبح مبارك بطلًا طول الوقت. هذا الشعور بالقوة أيضًا يخلق قدرًا لابأس به من الاستبداد والتعصب لدى الجماهير، وهنا يشير لوبون إلى أن هذا الجماهير "تحترم القوة ولا تميل إلى احترام الطيبة التي تعتبرها شكلًا من أشكال الضعف. وما كانت عواطفها متجهة أبدًا نحو الزعماء الرحيمين والطيبي القلب، وإنما نحو المستبدين الذين سيطروا عليها بقوة وبأس. وهي لا تقيم تلك النصب التذكارية إلا لهم. وإذا كانت تدعس بأقدامها الديكتاتور المخلوع فذلك لأنه قد فقد قوته ودخل بالتالي في خانة الضعفاء المحتقرين وغير المهابين."

وفقـًا لمثلث ماسلو للاحتياجات الإنسانية، فإن الشعوب المتخلفة تحلم بتحقيق الحاجات الفسيولوجية مثل المأكل والمشرب والمسكن والإنجاب، والحاجات المتعلقة بتحقيق الأمن سواء أمن شخصي أو أمن اجتماعي مثل الوظيفة والحماية من الخطر والحقوق الصحية. هذان المستويان يصعب على الكثير من الشعوب تخطيهما، فتظل قابعة في قاعدة هذا الهرم ولا ترقى لمستوى يصل لمرحلة الانتماء أو مرحلة إدراك الذات وتقديرها.

خلال الثلاثين عامًا الماضية، كان حديث كثير من المصريين لا يخرج عن هذين المستويين، حتى جاءت ثورة 25 يناير فصار الحديث عن الحرية والعدالة باعتبارها قيمـًا أهم من الطعام والأمن الشخصي للتهديد في أي لحظة. هذه اللحظات التي عاشها كثير من المصريين كانت أكثر اللحظات حقيقة، إذ خرجوا من حالة غسيل الدماغ بشكل جماعي، إلا أن ذلك لم يستمر كثيرًا، فعدنا إلى سيرتنا الأولى.