فيروس كورونا

كيف نحافظ على صحتنا النفسية في الحجر المنزلي

عليك بالبداية أن لا تحاول كبح مشاعرك، فمن الطبيعي أن نشعر بالقلق، ما نعانيه هي ردة فعل طبيعية لحدث غير معروف ونهايته لا تزال مجهولة
13.4.20
sanity

يبدو أن فترة الحجر المنزلي ستطول قليلاً خلال مرحلة مكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). الروتين اليومي الذي نلزمه خلال فترة الحجر الصحي قد يفقدنا أعصابنا، وهناك حالة من الخوف من إمكانية مرض أو فقد أحباء وأصدقاء. المؤسسات الصحية العالمية تتوقع بأن تكون التدابير الوقائية كالحجر وإغلاق المدن وفرض حظر التجوال عواقب نفسية كبيرة على الجميع، ولكن بالنسبة للذين يعانون من أمراض نفسية قد يكون هذا الوضع أصعب بالنسبة لهم. لمعرفة تأثير هذه الأوضاع على صحتنا النفسية وكيف نتعامل مع من نحب، تحدثت للدكتور توفيق سلمان، استشاري أمراض نفسية وعصبية، ورئيس جمعية الاطباء النفسيين الفلسطينيين.

إعلان

VICE عربية: بعد أسابيع من الحجر في المنزل، بدأ البعض بالشعور بالملل والإحباط وليس هناك طريقة للتفريغ بالذهاب إلى نادي رياضي، أو كافيه. ما الذي يجب أن نفعله كي لا نفقد أعصابنا في الحجر المنزلي وتخفيف نوبات الهلع؟
الدكتور توفيق سلمان: الجميع بشكل عام يعانون من القلق والتوتر هذه الأيام، ولكن طبعاً تختلف الحدة، فهناك نوبات قلق بسيطة تتعلق بالوضع الذي نعيشه حالياً، والحجر المنزلي والإغلاق وتغير الروتين اليومي بشكل كامل. ولكن بالنسبة لبعض الأشخاص قد تشتد هذه النوبات لتصبح نوبات حالات هلع مرضي.

في البداية يجب التفريق بين نوبات القلق والهلع بشكل عام، فهي تختلف من شخص لآخر وهذا يعتمد على عمر الشخص وتجربته، ويعتمد ايضًا على مكان السكن، وإن كان بين أهله أو وحيداً. في نوبات القلق الغير مرضية يشعر الإنسان بفقدان القدرة على التركيز، وفقدان القدرة على الشعور بالسعادة والراحة. جميع هذه الأعراض قد تكون بسيطة ولا تستمر لوقت طويل، وعادة ما يشارك الشخص ما يشعر به مع المحيطين به، أو حتى التفريغ عن نفسه على مواقع التواصل الإجتماعي من خلال التغريد أو بوستات على فيسبوك أو انستغرام.

الشخص الذي يعاني من نوبات القلق المزمن، لا يكون قادراً على التعبير بما يشعر به. نوبات الفزع أو الهلع فهي عبارة عن اضطراب وحالة نفسية تبدأ بشعور متصاعد من الخوف الشديد والانزعاج والرغبة في العزلة، وقد يعاني الشخص من الآم شديدة لدرجة قد تفقده الوعي، وعليه الذهاب إلى المستشفى في هذه الحالة.

للمحافظة على صحتك النفسية، عليك بالبداية أن لا تحاول كبح مشاعرك، فمن الطبيعي أن نشعر بالقلق خلال هذه الأزمة الصحية، هذا ليس دليل على أي مشكلة نفسية، فما نعانيه هي ردة فعل طبيعية لحدث غير معروف ونهايته لا تزال مجهولة. من المهم بداية، توعية الناس بشكل عام والأشخاص القلقين بشكل خاص أنه في مثل هذه الظروف، تكثر الإشاعات والأخبار الكاذبة والتي عادة تحاول المبالغة وتهويل ما يحدث. لذلك عندما تريد قراءة أي خبر أو معرفة ما يحصل حولك عليك بالاطلاع على الأخبار الصحيحة من المصادر الموثوقة. أيضاً، من المهم البقاء على التواصل مع المحيط مع الأصدقاء أو مع العائلة أو مع الأشخاص الذين يشعروننا بالأمان، والحديث معهم عن المخاوف وأسباب القلق، فالحديث عما يقلقك أحياناً يساعد برؤية المشكلة أو سبب القلق من زاوية أخرى.

من المهم خلق روتين يومي حتى لو كنت في الحجر الصحي. الروتين سيشعرك بأنك قادر على التحكم في بيئتك القريبة

طبعاً، مطلوب من الجميع حالياً الالتزام بالمنزل وعدم الخروج، ولكن لا يجب أن يكون ذلك سببًا للانغلاق على نفسك. يجب عدم الاستسلام والشعور بالإحباط، هناك عدد من الأمور البسيطة التي يمكنك القيام بها للشعور بالتحسن. مثلاً، لا تبقوا في ملابس النوم طوال النوم، ارتدوا ملابس جميلة واهتموا بأنفسكم كما كنتم تفعلون عند الخروج من المنزل. من المهم تخصيص بعض الوقت لقراءة كتابك المفضل، حتى لو صفحة واحدة، أو مشاهدة برنامجك المفضل، ومارس بعض التمارين الرياضية أو اليوغا حسب استطاعتك. هذا يساعد على التخفيف من القلق والتوتر. من المهم خلق روتين يومي حتى لو كنت في الحجر الصحي. الروتين سيشعرك بأنك قادر على التحكم في بيئتك القريبة. أما بالنسبة للأشخاص المصابون بنوبات الهلع المرضية، ففي حال الإصابة بنوبة هلع، وفي ظل الحجر المنزلي وعدم قدرتهم على زيارة طبيبهم، أنصحكم بإغلاق العينين والتنفس بعمق، ومحاولة التركيز على أمر معين يشعرك بالراحة أو السعادة، وتكرار عبارة تحفيزية في داخلك أو بصوت عالي.

ماذا بخصوص الأشخاص الذين يعانون من الوسواس القهري، أتوقع أنهم يشعرون الآن بتحسن لأن أغلب التوصيات تحث الناس على التعقيم وغسل اليدين؟
الوسواس القهري هو نوع من الاضطرابات المرتبطة بالقلق، وتتميز بأفكار ومخاوف غير منطقية (وسواسية) تؤدي إلى تصرفات قهريّة، المريض بالعادة يدرك أن هذه السلوكيات غير صحيحة أو منطقية، ولكن لا يمكنه رفضها أو عدم التفكير بها بالرغم من معرفته بعدم واقعيتها، ويمكن أن يظهر الوسواس القهري بصور متعددة، منها وسواس النظافة والتعقيم أو الخوف من الفيروسات والجراثيم. في الغالب، يشعر مرضى الوسواس القهري بالخجل والإرهاق لأنهم يقومون بأمور لا يريدون القيام بها، ولكن لا يستطيعون إيقاف أنفسهم من القيام بها، لهذا يسمى بالقهري لأنه شيء قاهر، فعليه يقوم بهذه الأمور حتى يرتاح لأنه إن لم يقم بها سيشعر بالتوتر، لذلك بهذه الأيام قد يشعرون بالراحة، لأن الجميع أصبح "موسوساً بالنظافة" طبعاً هذا يختلف من شخص لآخر.

إعلان

ورداً على سؤالك. نعم، صحيح، حالة هؤلاء الأشخاص في هذه الأيام يطرأ عليها تحسن نسبي، لأنهم يشعرون أن مثلهم مثل من حولهم، فالجميع الآن يستخدم مواد التعقيم ويغسلون أيديهم باستمرار. ولكن من النصائح التي على المصابين بالوسواس القهري اتباعها، والتي تكون ضمن خطة العلاج السلوكي المعرفي هي مساعدة المريض على التعامل مع الأعراض مواجهتها ومنعها من السيطرة على مجريات حياته. مثلاً، غسل اليدين لتقليل خطر انتشار فيروس كورونا هو أمر عقلاني لتهديد حقيقي، ولكن إذا قمت بغسل يديك لفترات طويلة قد تسبب الإحمرار أو الإلتهاب فأنت تبالغ في تنظيفهم. حسب توصيات منظمة الصحة العالمية يجب تنظيف بين الأصابع بالماء والصابون لمدة 20 ثانية وهي مدة كافية لحمايتك من الفيروس.

على مرضى الوسواس القهري تفريغ الأفكار التي تأتيهم لغيرهم والأشخاص المحيطين بهم، أو يمكن أن يقوم بكتابتها. على المريض أن يردد بداخله أنه قوي وأنه قادر على طرد هذه الأفكار السلبية من رأسه. ومن المهم بالنسبة لمن حوله عدم السخرية منه أو التقليل من مخاوفه، أو التجادل معه. الأفضل التركيز على الأخبار الإيجابية، وخلق نشاطات عائلية معه. طبعاً، من المهم أن يستمر الشخص بأخذ الأدوية العلاجية حسب الموصى عليها من الطبيب، ويمكن عمل استشارة عبر الانترنت إذا لزم الأمر.

هل تتوقع ارتفاع حالات الاكتئاب بسبب المكوث طويلًا في البيت وخاصة للأشخاص الوحيدين؟
في الواقع، هناك العديد من الانتكاسات المرضية بالفترة الأخيرة، وخاصة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية، ليس هناك دراسة بعد عن حالات الاكتئاب منذ بدء انتشار فيروس كورونا، ولكن في ظل هذه الأزمة التي يبدو أنها ستستمر لبعض الوقت، أتوقع أن أعداد الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات القلق والتوتر البسيط الآن تضاعفت الأعراض لديهم، وأصبح اكتئاب نفسي شديد، ومن المتوقع أن هنالك العديد من الأشخاص سيدخلون بحالات اكتئاب وخصوصًا من كبار السن مثلاً عند سماعهم أن حالات الوفاة في الفيروس بمعظمها لكبار السن. كما أن الأشخاص الذين يعانون من ضائقة مالية والذين يعيشون لوحدهم من فاقدي الرعاية، جميع هذه الفئات قد يعانون من الاكتئاب. لدي حالة لمريضة تعاني من اكتئاب شديد حالياً مع أنها كانت تعاني من حالة قلق بسيطة بسبب تواجدها وحيدة في المنزل، وخوفها من أن تصاب بالعدوى أو تموت لوحدها في المنزل، وقد أغلقت على نفسها الأبواب والشبابيك اعتقاداً منها أن الفيروس موجود في الهواء، وأصبحت تراودها أفكار انتحارية اعتقادا منها أنها في كلتا الحالات ستموت "أنا ميتة ميتة، أموت وأنا مرتاحة ليش اموت وانا اتعذب." في هذه الحالة كان علينا أخذها من المنزل لتبقى عند أقاربها لأنها إن تركت لوحدها من المؤكد أنها ستشكل خطراً كبيراً على حياتها، وهي الآن في وضع نفسي مستقر. مؤخرًا، ارتفع عدد المراجعين الذين بدأوا يطلبون مني اعطائهم مهدئات لتخفف عنهم. بشكل عام، لا أنصح بالمهدئات الا للأشخاص الذين يعانون من نوبات هلع متوسطة أو شديدة، أما الحالات البسيطة فأنصحهم بإتباع تمارين التأمل والاسترخاء.

كل الأرقام والتقارير تشير إلى أن هذا الوضع سيستمر، كيف يمكن طمأنة الناس والتخفيف عليهم؟
للتخفيف من قلق الناس وتساؤلاتهم عن الفيروس، علينا بمتابعة الإرشادات الإعلامية التي تقدمها الجهات المحلية في كل بلد. هذا الإرشادات تخفف من القلق وخاصة عند الإشارة إلى الجوانب الإيجابية مثلاً إرتفاع أرقام المتعافين بدلاً من أعداد الموتى. ولكني أنصح بمتابعة مصدر واحد لكي لا يحدث تضارب بالمعلومات، وايضًا من الأفضل متابعة اخبار المنطقة الجغرافية التي يعيشون فيها، لأن ظروف البلدان تختلف عن بعضها البعض. أقترح أيضاً متابعة البرامج والنشاطات المنزلية على مواقع التواصل الاجتماعي، هناك العديد من المدربين الذين يقومون ببث تمارين رياضية يمكن القيام بها في المنزل، أو برامج الطبخ أو الترفيه. كل هذه الأمور تساعد بتخفيف قلق الناس وتطمئنهم. ولكن القاعدة التي علينا اتباعها لكي نحمي أنفسنا ومن نحب هي مكوثنا بالمنزل، إن لزمت منزلك لن تنتقل لك العدوى وستساعد في تسطيح المنحى.

ماذا بخصوص المتعافين من فيروس كورونا، كيف يجب التعامل معهم عند شفائهم وعودتهم إلى منازلهم؟
على أهل وأصدقاء الشخص المصاب أو المتعافين من فيروس كورونا أن يكونوا حذرين بالتعامل معه/ها، لأنه سيكون قلقاً وخائفاً حتى وإن لم يظهر عليه علامات التوتر والقلق، وقد يعاني من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة لما حصل لهم خلال فترة اصابتهم، فهم كانوا بحالة ترقب وخوف من تفاقم الأعراض، لذلك علينا التعامل معهم كأي شخص يعاني من الصدمة النفسية. الصدمة النفسية تعرف في علم النفس على أنها جرح نفسي، أو هزة نفسية، وهي عبارة عن حالة نفسية يدخل بها الشخص نتيجة التعرض لحادث أو واقعة مؤلمة، نفسياً أو جسدياً. من أهم العلاجات التي نستخدمها للأشخاص المصابون بالصدمة النفسية هو إعادة ترتيب الذاكرة، هذا التمرين يستخدم لمساعدة الشخص على رواية قصته، مثلاً في حالة شخص متعاف من الكورونا علينا سؤاله عن إصابته، الأعراض ومرحلة العلاج، عليه سرد ما مر به بالتفصيل الممل كنوع من التفريغ، وعليه بإعادة روي القصة لأكثر من مرة حتى يقتنع بصغر الحادثة، وقلة أهميتها، بهذه الطريقة يمكن أن يتخلصوا من جميع الأفكار السلبية المرتبطة بهذه التجربة والتي يمكن أن تؤثر على صحتهم النفسية بالمستقبل.