mental health

Image: Lia Kantrowitz

صحة نفسية

جدل حول العلاج بالصدمات الكهربائية في مصر

يجادل البعض أن العلاج بالصدمة الكهربائية أكثر فعالية من الأدوية ومضادات الاكتئاب
نسمة فرج
إعداد نسمة فرج
4.2.20

داخل غرفة في إحدى مستشفيات الأمراض العقلية والعصبية، يصرخ مريض إثر تلقيه جلسة علاج بالصدمات الكهرباء ويقوم ممرضون بتقييده بالسرير بلا رحمة. هذا المشهد تكرر كثيرًا في الأعمال الفنية العربية والعالمية. ولكن هذه المشاهد قد تعكس صورة تحمل جزءً مغلوطًا عن العلاج بالصدمات الكهربائية ومنها أنه يٌستخدم كعقاب للمرضى، أو أنه يتم إعطاء المريض جلسات صدمات كهربائية دون موافقته.

في مصر، يناقش المجلس النواب المصري منذ نوفمبر تعديلات لبعض أحكام القانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسية، تشمل جوانب صحية ومادية وتنظيمية، وكان هناك جدل حول المادة التي تناقش العلاج بالصدمات الكهربائية بين مؤيد ومعارض. الرافضين للتعديلات المقترحة يرون أن استخدام مصطلح "ضبط إيقاع المخ" بدلًا من العلاج الكهربائي أو العلاج بالصدمات الكهربائية، هو مضلل، وربما الغرض منه يهدف إلى تمرير التعديلات بسهولة. فيما يشير الطرف الآخر إلى أن مشروع القانون سيوفر مزيد من الضمانات لحقوق المريض وحمايته ضد سوء المعاملة والاستغلال.

يبدو الموضوع معقداً، لهذا قررت الحديث مع عدد من الأطباء والنشطاء والحقوقيين لمعرفة المزيد عن العلاج بالصدمات الكهربائية، بعيدًا عن الصور النمطية المرتبطة به. البداية كانت مع الدكتور أحمد حسين، طبيب نفسي في مستشفى العباسية في العاصمة المصرية القاهرة، والذي تحدث مفصلاً عن أهمية العلاج بالصدمات الكهربائية: "لقد تم تشويه العلاج بالصدمة الكهربائية في الكثير من الأعمال الفنية رغم أهميته وفاعليته لعلاج بعض الأمراض مثل الاكتئاب وخاصة الحالات المستعصية أو المقاومة لكل العلاجات الدوائية والسلوكية. كما أن هذا العلاج أثبت نجاعته مع الذين يعانون من اضطراب ثنائي القطب والذين لديهم أفكار انتحارية والمرضى الذين لا يتحملون الآثار الجانبية لبعض الأدوية النفسية مثل الحوامل ومرضى الكبد."

لابد من موافقة المريض على هذا الإجراء، كما يتم تخدير المريض كليًا ولا يشعر بأي ألم -عكس ما تظهر الكثير من الأعمال الفنية

يؤكد الدكتور حسين على أن هناك معايير دولية تم وضعها حتى لا يتم استغلال هذا نوع من العلاجات ضد المريض ويضيف: "هذا النوع من العلاج يندرج تحت مسمى "الجراحات النفسية" Psychosurgery ويجب أن يسبقه بعض الإجراءات قبل الشروع في العلاج. أولاً طبعاً، لابد من موافقة المريض على هذا الإجراء، كما يتم تخدير المريض كليًا ولا يشعر بأي ألم -عكس ما تظهر الكثير من الأعمال الفنية."

وقد بدأ استخدام الصدمات الكهربائية Electroconvulsive Therapy في عام 1938 على يدٍ عدد من الأطباء النفسيين الذين كانوا يبحثون عن بديلٍ أكثر أمانًا وإنسانيةً للمواد الكيميائية التي كان يتم استخدامها لعلاج الأمراض العقلية والتي كان لديها الكثير من الآثار الجانبية. يقوم هذا العلاج على تحفيزً كهربائي موجز للدماغ، بهدف تعديل بنية الدماغ وخلاياه العصبية ونواقله الكيميائية، بينما يكون المريض تحت تأثير التخدير بشكلٍ كليّ وكامل. ولكن هناك عدد من الآثار الجانبية المرتبطة العلاج بالصدمات الكهربائية والتي قد تشمل الصداع، ألم عضلي، غثيان وفقدان مؤقت للذاكرة. وقد يتسبب في الوفاة ولكن هذه الحالات نادرة جدًا فهي تمثل حوالي 1 من كل 10،000 شخص يتعرض للعلاج بالصدمات الكهربائية.

إعلان

يقول المعترضون على استخدام هذا العلاج ومنهم البروفسور جون ريد، من جامعة شرق لندن، إن العلاج بالصدمة الكهربائية ليس له أي فوائد على المدى الطويل للمرضى ويمكن أن يتسبب في تلف دائم للدماغ وفقدان للذاكرة. ولكن على الجانب الآخر، تشير الدراسات إلى العلاج بالصدمات الكهربائية أثبت فعاليته في علاج أمراض نفسية حادة وحقق نسبة نجاح تتراوح بين 70 و90 في المئة بالمقارنة مع نسبة نجاح لأولئك الذين يتناولون الأدوية، والتي تتراوح بين 50 و60 في المئة. كما يؤكد أطباء ومنهم الدكتور البروفيسور ديكلان ماكلوغلين، من كلية ترينيتي في دبلن الذي يقول إنه بعد عدة مراجعات بالمملكة المتحدة بأن العلاج بالصدمة الكهربائية كان أكثر فعالية من مضادات الاكتئاب.

بإختصار 12 جلسة خلال في ثلاثة شهور جاءت بنتائج أكبر من الأدوية التي تناولتها خلال سنين. كان الأمر أشبه بنقلة كُبرى في حياتي

في مقابلة معه، يصف علي شاهين، 29 عاماً، العلاج بالكهرباء كطوق نجاة له من الهوس الاكتئابي بعد معركة مع الأدوية المضادة للهوس الاكتئابي. بدأ الشاب في إجراءات ما قبل العلاج بالصدمات الكهربائية، وهو تحليل الدم والقلب، وبعد ذلك، تمت أولى جلساته والتي وصل عددها إلى 12 جلسة خلال ثلاث شهور. داخل إحدى المستشفيات للعلاج النفسي- رفض ذكر اسمها- ذهب علي بعد صيام 6 ساعات ليتلقى حقنة المخدر على إحدى الأسرة ويتم توصيل قطب كهربائي، في كل جهة من الدماغ، لتمرير تيار كهربائي خفيف لمدة دقيقتين.

"قبل التجربة الأولى، كانت أكبر مخاوفي الحقنة المخدرة، كانت الممرضة ودكتور التخدير يعانون في تهدئتي، فقد كانت ضربات قلبي سريعة وشعرت بالقلق،" يقول علي ويضيف: "بعد الجلسات الأولى بدأت أشعر بتحسن ملحوظ، أصبحت حياتي أفضل وتركيزي أعلى، وأصبحت أكثر نشاطًا وطاقة. عدت للحديث مع أصدقائي بعد أن كنت في الفترة السابقة متقلب المزاج ومنطوي على نفسي. بإختصار 12 جلسة خلال في ثلاثة شهور جاءت بنتائج أكبر من الأدوية التي تناولتها خلال سنين. كان الأمر أشبه بنقلة كُبرى في حياتي."

إعلان

ماذا عن الآثار الجانبية سألت علي؟ "ليس هناك أي أعراض جانبية للعلاج، بعد الجلسات كنت أرتاح لمدة نصف ساعة للإفاقة من البنج ومن ثم أذهب إلى أقرب مقهى، وأتناول كوب قهوة وأنطلق في يومي."

بعض الأشخاص يعانون من صداع وبعض الأوجاع العضلية مباشرة بعد الجلسة، وربما يشعرون بالدوار الغثيان وفقدان مؤقت للذاكرة. هذه التأثيرات غالبًا ما تزول خلال ساعات قليلة

في لقاء مع الدكتور فادي صفوت، أخصائي الطب النفسي ومدير المكتب الإعلامي لمستشفى العباسية، يخبرني أن جلسة العلاج بالصدمات الكهربائية في مستشفى العباسية لا تأخذ أكثر من 5 دقائق فقط: "في الجلسة الواحدة، يُعطى المريض 5 ملي فولت من الكهرباء أي ما يعادل بطارية كهرباء صغيرة. بعد الجلسة يستريح المريض قليلاً بعد البنج، ويخرج في نفس اليوم. يجب طبعاً، عمل بعض التحاليل للمريض قبل العلاج، وخاصة قبل البنج. وهذه التحاليل والجلسة جميعها مجانية للمريض الإلزامي أو الداخلي وتُجرى داخل المستشفى."

أما عن الأعراض الجانبية، فيوضح الدكتور صفوت: "بعض الأشخاص يعانون من صداع وبعض الأوجاع العضلية مباشرة بعد الجلسة، وربما يشعرون بالدوار الغثيان وفقدان مؤقت للذاكرة وذلك خلال وقت الجلسة فقط، وهذه التأثيرات غالبًا ما تزول خلال ساعات قليلة خاصة بتناول المسكنات وبعض السوائل المنعشة."

في أبريل 2018، أجرت وزارة الصحة المصرية مسحًا على مستوى الجمهورية، من أبرز نتائجه أن 25% من المصريين يعانون من الاضطرابات النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب بواقع 43.7%، وأن هذه الاضطرابات النفسية أكثر انتشارًا في المناطق الريفية مقارنة بالحضرية. في كثير من الحالات قد يكون العلاج بالصدمة الكهربائية علاجاً أفضل من الأدوية، ولكن الحصول على موافقة من المريض هو أهم جزء بكل هذا النقاش، حيث يتفق الجميع بأن القانون يجب أن يكون واضحاً ومحدداً في هذه الجزئية الأساسية.

إعلان

حسب ما نُشر على موقع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن التعديلات المقترحة على القانون في مصر لا يُلزم إخبار المرضى بأنهم سيحصلون على العلاج الكهربائي، ويسمح باستخدام العلاج الكهربي دون تسجيل موافقة المريض الكتابية، فيما ينص القانون الحالي بعدم إجازة إعطاء المريض النفسي أي علاج لحالته سواء كان هذا العلاج دوائياً أو نفسياً أو سلوكياً أو كهربائياً أو أي من العلاجات المستخدمة في الطب النفسي دون إحاطته علماً بطبيعة هذا العلاج والآثار التي قد تنجم عنه والبدائل العلاجية له.

ولكن توضح المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون أن هذه التعديلات ستقوم بسد الثغرات التي أسفر عنها التطبيق للقانون الحالي والتأكيد على أهمية التخصص الأكاديمي والإكلينيكي عند ممارسة العلاج النفسي، أي أن لا أحد يستطيع تقديم أي علاجات نفسية بدون تخصص ودراسة وتدريب، وسيتم محاسبة المخالفين. وقد وافقت لجنة الشؤون الصحية بالمجلس في ديسمبر، على التعديلات المقترحة، لتصبح في انتظار الموافقة النهائية في جلسة عامة.

تقول الدكتور راجية الجرزاوي طبيبة وناشطة حقوقية ومسؤولة ملف الصحة والبيئة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن تعديلات القانون المقترحة "تفتح باب إساءة استخدام العلاج الكهربائي وضد مصلحة المريض" وتضيف: "إعطاء المريض جلسة من العلاج الكهربائي، لابد أن يسبقه بعض الإجراءات حتى تتجنب الأعراض الجانبية للمريض، مثل عرض المريض على اختصاصي الأمراض الباطنية، واستدعاء طبيب التخدير ومنع المريض من الطعام لمدة 6 ساعات على الأقل كما يجب قبل الجلسات. لابد من شرح ومناقشة العلاج بشكل كامل، بما في ذلك آثاره الجانبية المحتملة ويجب الحصول على موافقة المريض قبل إجراء العلاج، وفي حالة عدم موافقة المريض يؤخذ برأي لجنة محايدة." وقد اشترطت منظمة الصحة العالمية عام 2005، الحصول على موافقة مسبقة من المريض قبل إخضاعه لجلسات العلاج بالكهرباء. وهي الموافقة التي يُشترط على نطاق دولي أن تكون موافقة مكتوبة من المريض.

إعطاء جلسة دون موافقة المريض غير وارد، لأنه يعرض المريض لصدمة نفسية من خلال إجبار المريض على طريقة علاج لم يوافق عليها

يشير الدكتور حسين إلى أنه في حالات معينة، إذا رفض المريض الموافقة على هذا العلاج وهو بحاجته، فيتم أخذ رأي طبيب مستقل آخر، ولكن الأهم موافقة المريض: "إعطاء جلسة دون موافقة المريض غير وارد أبدًا، لأنه يعرض المريض لصدمة نفسية من خلال إجبار المريض على طريقة علاج لم يوافق عليها."

رغم فعالية هذا العلاج بحسب ما تحدثنا معهم، لا يزال هناك بعض الجوانب المجهولة، ما نعرفه أن التيار الكهربائي يعيد تعديل بنية المخ الكيميائية، وموصلاته العصبية، فيساعد في السيطرة على الأعراض النفسية المتفاقمة. ولكن هناك من يرى أن استخدام استخدام الصدمة الكهربائية هي طريقة علاج غير حضارية وأن الأدوية هي الحل الأفضل. سواء كان علاجاً أفضل أم لا، لا يزال عدد كبير يتخوف من تجربة الصدمة الكهربائية، حيث أشار استفتاء نُشر حديثًا أن 48% من المشاركين رفضوا العلاج بالصدمة الكهربائية، حسب ما نشر الدكتور محمد الشامي استشاري الأمراض النفسية في القصر العيني ومؤسس قسم الطب النفسي بمستشفى 57357 في كتابه "الكلب الأسود- رحلة التعافي من الاكتئاب."