شباب

مهرجان أفلام السعودية بدورة افتراضية استثنائية

"المشاكل التقنية بالبث حدّت من استمتاعي بمشاهدة بعض الأفلام"
9.9.20
السعودية أفلام
لقطة من فيلم عودة -imdb

في كل عام يستعد صنّاع الأفلام ومحبين الفن من كل المدن السعودية لحضور مهرجان أفلام السعودية لمشاهدة عروض سينمائية محلّية جديدة ولقاء المُخرجين والكتّاب. يُقام المهرجان سنوياً بإشراف من جمعية الثقافة والفنون بمدينة الدمام بالشراكة مع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) وبدعم من هيئة الأفلام. المهرجان له فضلٌ كبير على كل صناع الأفلام بالسعودية، فقد ساهم المهرجان في دوراته الخمس بتطوير الحِراك السينمائي وساعد بتأهيل جيل سينمائي سعودي وسلّط الضوء على نخبة جديدة من صناع الأفلام محليّاً.

إعلان

كان من المفترض أن يُقام المهرجان بدورته السادسة هذا العام في منتصف إبريل الماضي في مركز (إثراء)،  لكنّ جائحة كورونا حالت دون ذلك، فقررت رئاسة المهرجان خوض تجربة جديدة بإتمام الدورة افتراضياً ونقل العروض عبر منصّة اليوتيوب لأول مرة.  بدأ بثّ الأفلام على قناة المهرجان الرسمية من 1-6 سبتمبر الجاري، حيث تم عرض 54 فيلم على مدار 24 الساعة بالإضافة لورش عمل متخصصة بموسيقى الأفلام وكتابة السيناريو، وندوات مع فنيّين ومنتجين سعوديين ولقاءات حيّة مع كافة صنّاع الأفلام المشاركين.

أنا شخصياً، أفضّلُ الأفلام المستقلّة على التجارية لذا أحرص دائماً على حضور كافة المهرجانات السينمائية، وقد حضرتُ جميع الدورات السابقة للمهرجان، لا شيء يشبه مشاهدة الأفلام على الشاشة الكبيرة، لكن المهرجان الافتراضي لم يكن سيئاً، من سيعترض على مشاهدة أفلام جديدة على مدار الأسبوع؟ ولكن مُقارنةً بالأعوام الماضية، هناك تفاوتٌ كبير بمستوى الأفلام لهذا العام على صعيد التمثيل وجودة القصة، ولم يكن هناك أية مشاركة لفيلم بطابع كوميدي. غريب؟ أم متوقع نظراً للدراما التي نعيشها؟

ردّات الفعل على المهرجان تفاوتت على مواقع التواصل الإجتماعي، فالبعض كان سعيداً جداً كونه يحضر المهرجان لأول مرّة، لكن البعض كان غير راض عن التجربة لمستوى الأفلام المختارة.  حنان، 23 عاماً، التي حضرت جميع أفلام المهرجان تقول: "كان هناك اختلاف في نوعية الأفلام، هناك أفلام قويّة قُدّمت بجودة عالية وأفلام ضعيفة جداً لا تستحق التأهل بالمسابقة. المشاكل التقنية بالبث حدّت من استمتاعي بالمشاهدة، وشعرت أن معظم الأفلام تُعاني من مشاكل بالصوت وضعف بكتابة السيناريو. ولكن أتفهم الأسباب، فالعمل السينمائي لا يزال في بداياته بالسعودية. أعجبتني عدّة أفلام رسوم متحركة، أرى أن عدم تخصيص فئة لها هو ظلم لعدّة أفلام مُشاركة."

e678d5_a11174c089fc42beb2e9223006c5bc1b_mv2.jpg

لقطة من فيلم "لومييغ" - ورشة مخ

في الواقع، فاز فيلم الرسوم المتحركة "لومييغ"  للمخرجة ضي راشد بجائزة النخلة الذهبية لأفضل فيلم ثان ضمن مسابقة الأفلام الروائية. ويحكي الفيلم قصة ثلاثة نساء وثلاثة مدارس فلسفية وعلبة سجائر و قطة، يدور بينهّن حوار عميق عن الحياة في جو بطابع كئيب. أُعجب العديد من المشاهدين برسم وتحريك الشخصيات والموسيقى المعبّرة التي صنعت خصيصاً للفيلم وهي من تأليف عبدالله باعظيم. عبد الرحمن، 27 عاماً، والذي يحضر المهرجان لأول مرة يقول أنه سعيد بحضور المهرجان افتراضياً ويقول: "لم أحضر الدورات السابقة للمهرجان لكن كنت أتابع كل ما يتعلق بالمهرجان من خلال مواقع التواصل وشاركت بفئة السيناريو غير المنفّذ مسبقاً. هذه النسخة الافتراضية كانت ممتعة في الواقع، من جهة التفاعل وتبادل الآراء مع الجمهور عبر "الشات" واختلاف وجهات النظر، حيث يمكن لصنّاع الأفلام أيضاً قراءة  تعليقات وملاحظات الجمهور على أفلامهم." يرى عبد الرحمن أن أفكار الأفلام لهذا العام جميلة ولكن معالجة السيناريو فيها لم تكن جيّدة، كما أنّ أداء الممثلين فيها ضعيف: "أبهرني فيلم "12" و"عودة" ولفتني أداء الممثلين فيهم. أفلام هذا الموسم بها مجهود وشغف واضح من صناع الأفلام وأعجبني التنافس القوي في قسم الأفلام الوثائقية المليئة بمواضيع متنوعة ومختلفة وجديدة."

95426240_139315200998144_7785268657811655665_n copy.jpg

بوستر فيلم "12."

أتفق مع عبد الرحمن، فقد تم صناعة فيلم "12" كتابة وإخراج صالح محمد  بشكل رائع. الفيلم هو مقتبس من قصة حقيقية لسائق تاكسي يمر بحالة تخبّط بسبب وضعه النفسي والعائلي حيث تبدأ الأحداث المرعبة بعد الساعة الثانية عشر ليلاً، قوة الفيلم كانت بأداء الممثل نايف الظفيري والطفلة تالية السليماني التي تمّثل لأول مرّة.

كان هناك عدّة أفلام قدمّت محتوى مميز، لكنها لم تحظ بالفوز، فمثلاً من فئة الفيلم القصير أعجبني "عشت مرّة" للفنانة مروة المقيط والذي ارتكز على الفن المفاهيمي وتجسيد الحالة بلغة الجسد عبر حركات متسلسلة ومنظّمة استوحتها من وميض النحل ونبتة "الميموزا". ما يميز الفيلم هو الأداء الفني الصامت بمشاركة 14 مؤدّية بلغة جسد موحّدة من ابتكار مصممتي الرقص السعوديتين، لميس الصديق وجواهر الرفاعي. الفيلم باختصار هو دعوة للتصالح مع الطبيعة والتعلّم منها.

في فئة الأفلام الوثائقية أعجبني فيلم "شمس سلمى" للمخرجة فوزية أبو خالد الذي وثّق حياة الأديبة العالمية سلمى الجيوسي، وفيلم ثاد للمخرج معاذ العوفي والذي قدم صورة بصرية وإخراجية رائعة. الفيلم هو أرشيف صوّر لأعوام تم خلالها استكشاف وتوثيق روح الصحراء من خلال اكتشاف الذات، بحسب العوفي "الفيلم ليس وثائقًيا بل توثيق لمكان بطريقة مختلفة، حيث يعكس نفسه على المكان والعكس."

أما المخرج خالد فهد فقد سلط الضوء على حياة الممثل ومعاناته لتحقيق حلمه، بفيلمٍ روائي بعنوان سيجارة الصباح والذي يحكي قصّة شاب يذهب لمدينة نيويورك بحثاً عن فرصة تمثيل، الحبكة الدرامية للفيلم جميلة، بما في ذلك تكوين المشاهد. كما تطرّق السيناريو للممثل عمر الشريف كرمز فنّي عربي وقصيدة مسرحية ريتشارد الثالث لشكسبير والتي يرى خالد أنها مهمّة بمسيرة كل ممثل.

خصص المهرجان 13 جائزة لهذا العام لأربع فئات (الأفلام الروائية، القصيرة، الوثائقية والسيناريو غير المنفّذ) يقدّر مجموعها بنحو 280 ألف ريال سعودي.  فئة أفلام الطلبة هي أكثر الفئات اهتماماً كونها تبرز مواهب جديدة بالمهرجان سنوياً. هذا العام فاز بالمركز الأول  فيلم عودة  للمخرج أنس الحميد  والذي ترشحّ أيضاً ليعرض في مهرجان كان السينمائي، وهو من كتابة عبد الرحمن القرني وماجد الأهدل. الفيلم عاطفي هادئ ويعتمد بشكل أساسي على الحوار بين شخصيتين تنتمي لخلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة، تدور أحداثه حول الشاب القروي "عودة" الذي يضطر إلى الركوب مع سائقة التاكسي "رزان" فتبدأ بأسئلتها ويبدأ نقاش طويل بينهم حول الموت، الأقدار والإيمان بالصدف والسببية، والخوف من التغيير، الانتماء والتمسّك بالهوية. تجري كل أحداث الفيلم داخل السيارة على الطريق السريع. القصة رومنسية عفوية، قريبة للقلب وتُلامس الحياة لكنّ الحوار كان مُباشراً أكثر من اللازم. تصوير الفيلم والإضاءة وتصحيح الألوان كانت الأفضل، كما اتقن وائل غبيش  تجسيد شخصية عودة بتجربته الأولى سينمائياً.

إتمام المهرجان هو خطوة عظيمة، نحن ممتنون لمشاهدة هذه الأفلام السعودية بالرغم من الظروف الحالية التي حرمتنا العديد من المناسبات. مهما اختلفنا على جودة الأعمال هذا العام، فالأهم هو الاستمرارية بتقديم المحتوى وتطوير المهارات لرفع مستوى الإنتاج السينمائي المحلّي.