فيروس كورونا

كيف أثرت أزمة فيروس كورونا على الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة

نحس بالذعر إذا ما اضطررنا للخروج والتبضع، نخاف من نقل العدوى لشقيقي عند التسوق لأنه مناعته ضعيفة. كما أننا لا ندع أي شخص لا ينتمي للعائلة من دخول المنزل
12.5.20
سماء

سماء الخطيب. الصورة مقدمة منها.

"عندما تكون مضطرًا للعيش مع إعاقة جسدية طوال حياتك وتعاني من مشاكل صحية معقدة، فإنك الوضع يفرض عليك عزل نفسك عن العالم من أجل صحتك، بدون فيروس كورونا،" تقول ريا الجادر، عراقية تقطن بالمملكة المتحدة وتعاني من حَثَل عضلي خُلقي وهو حالة هزال وضمور تصيب العضلات عند الولادة، مشيرة إلى أن فرض الإغلاق والحجر الصحي بسبب فيروس كورونا لم يؤثر كثيرًا على حياتها، إلا أنه أكد مخاوفها بخصوص تهميش الحكومات خلال تعاملها مع الفيروس لذوي الاحتياجات الخاصة.

إعلان

رايا التي تعمل كصحفية مستقلة وتحضر أطروحة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي وهي في نفس الوقت مؤسسة مجلة "آفاق الاحتياجات الخاصة"، تنتقد كيفية تعامل الحكومات ووسائل الإعلام مع ذوي الاحتياجات الخاصة، فهي ترى أن جميع الخطابات كانت تسعى إلى "طمأنة" الناس على حساب الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة وتمرير رسائل من قبيل "لا داعي للذعر، لا يؤثر الفيروس سوى على كبار السن والأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية." وتضيف: "جعل هذا الأمر أجراس التنبيه تدق في رأسي، ليس لأني كنت خائفة من الفيروس، ولكن لأني أحسست فجأة بعدم وجود أي قيمة لي. لقد تم استخدامي أنا وجميع الأشخاص الذين لديهم مشاكل صحية أو احتياجات خاصة، لجعل الآخرين يشعرون بـ "الأمان." أحقًا نحن غير مهمون إلى هذه الدرجة؟"

في ظل الظروف الصحية الراهنة التي فرضت على الجميع لزوم البيت وعدم الخروج إلّا عند الضرورة القصوى بسبب انتشار فيروس كورونا، فإن الاشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة يعانون الأمرّين بين تجاهل قد يكون تامًّا في بعض الأحيان خلال هذه الفترة الصحية الحرجة، وتغيير عاداتهم وروتينهم اليومي الذي أثّر سلبًا على نفسيتهم وسير حياتهم.

تشير ريا خلال مراسلتنا لها على البريد الإلكتروني: "تجعلني حالتي أعتمد بشكل كبير على التنفس الاصطناعي، لذلك فأنا أنتمي إلى مجموعة الأشخاص المعرضين أكثر للخطورة. يعني أنه علي بموجب الإرشادات الطبية عزل نفسي لمدة 12 أسبوعًا وعدم مغادرة المنزل. ولا يُسمح لي بلقاء أي شخص باستثناء أمي وممرضتي. لا استطيع مقابلة إخوتي وأبناء إخوتي أو أصدقائي، وهذا صعب للغاية."

الكفيفون مثلًا يلمسون أشياء متعددة أثناء تنقلهم ليلتمسوا طريقهم، وبهذا تكون احتمالية انتقال العدوى عالية نوعًا ما لدى هذه الشريحة. هنا سيصبح الكفيف بحاجة إلى مرافق أو إلى مساعدة المحيطين به وبالتالي تصبح استقلاليته محدودة

حياة محمد يحيى زَرّوق، 17 سنة من المغرب، أيضاً قُلبت رأسًا على عقب بعد فرض الحجر المنزلي وتوقف أنشطته اليومية. يعاني محمد يحيى من إعاقة حركية تشمل اضطرابات عصبية عضلية واستسقاء الرأس لازمته منذ ولادته. تحكي لنا شقيقته غيثة أن العائلة بأكملها كانت تساعده على المشاركة في أنشطة متنوعة خارج المنزل: "كانت أمي تصطحبه معها إلى ورشتها حيث تمكن من بناء علاقات اجتماعية مع العاملين هناك. وعلى الرغم من عدم قدرته على الكلام، إلا أن الجميع كان يستمتع برفقته وكان هو الآخر سعيدًا بربط علاقات بأشخاص من خارج محيطه الأسري. في الأيام الأولى من الحجر، لم تكن لدينا أي فكرة عن كيفية التعامل مع الوضع. كنّا نضعه أمام التلفاز ونشغّل له أفلام الكرتون طيلة اليوم، لكن أصبح جليًّا لنا أنه لم يكن يستمتع بوقته أبدًا، لذلك بدأنا بإشراكه في أي شيء نقوم به كالطبخ والغناء والرقص. نحن نقوم بكل ما في وسعنا لتجنب انجرافه نحو المشاعر السلبية والشعور بالوحدة."

وتعاني عائلة محمد يحيى من الذعر عند التفكير بضرورة الخروج واقتناء المستلزمات اللازمة للبيت خوفًا من التقاط العدوى. تقول شقيقته في حديثنا معها على فيسبوك: "نحس بالذعر إذا ما اضطررنا للخروج والتبضع لأن نظامه المناعي جد ضعيف، ونخاف من نقل العدوى عند التسوق، لهذا نحن لا ندع أي شخص لا ينتمي للعائلة من دخول المنزل."

إعلان

حالة محمد يحيى هي مثالّ واحدً عن التحديات التي تعيشها الأسر في الوطن العربي في ظل مواجهة فيروس كوفيد-19. بالإضافة إلى الخوف من نقل العدوى واتخاذ جميع التدابير اللازمة لعزل وحماية ذوي الاحتياجات الخاصة، تعاني الأسر أيضًا من إغلاق المدارس والمراكز المختصة. وقد سلطت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الضوء على هذا الجانب في تقرير لها، حيث قالت: "بعد إغلاق الحكومات للمدارس، أصبحت المواد الدراسية متاحة على الإنترنت. يمكن أن يُستبعد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة إذا لم يكن التعليم عبر الإنترنت متوفرًا لهم، بما في ذلك المواد واستراتيجيات التواصل الملائمة والمتاحة. بدون الدعم الحكومي، قد يعاني الآباء أو مقدمو الرعاية الصحية من أجل توفير الخدمات الكاملة التي يحصل عليها أطفالهم في المدارس."

إسراء أبو كشك، 30 عاماً، من الأردن، تعاني من فقدان رؤية كلي، وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه في علم النفس التربوي والقيام بمحاضرات على الصعيد المحلي والعالمي، وتعمل حاليًا مع بعض المنظمات على محاضرات وفيديوهات توعوية حول موضوع كوفيد-19 وآثاره النفسية على الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. تقول إسراء أن الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة يعانون من التهميش وعدم اهتمام المجتمعات بهم بشكل عام، لكنه تفاقم بعد أزمة فيروس كورونا. وتشير: "هناك خوف دائم من الإصابة بالمرض بسبب قلة المناعة لدى البعض منهم. الكفيفون مثلًا يلمسون أشياء متعددة أثناء تنقلهم ليلتمسوا طريقهم، وبهذا تكون احتمالية انتقال العدوى عالية نوعًا ما لدى هذه الشريحة. هنا سيصبح الكفيف بحاجة إلى مرافق أو إلى مساعدة المحيطين به وبالتالي تصبح استقلاليته محدودة وهذا أمر يؤثر عليه نفسيًا ويجعله دائمًا قلِقًا ومتوترًا."

إعلان

وتضيف إسراء عن التحديات التي تواجه ذوي الاحتياجات الخاصة: "هناك أيضاً مشكلة عدم القدرة على الوصول إلى المعلومة الصحيحة، حيث أن أغلب المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية لا تراعي لغة الإشارة في خطاباتها. ثم هناك الأشخاص الذين يعانون من مشاكل ذهنية والذين يصعب عليهم البقاء في البيت لفترات طويلة بسبب نشاطهم الزائد، وهكذا إذا تم كبح هذه الحركة سيتولد لديهم سلوكيات عدوانية وتنمر تجاه المحيطين بهم. ثم نجد أيضًا مشكلة عدم الحصول على المستلزمات الطبية الضرورية للاستمرار بالحياة، بسبب صعوبة الوصول إلى الأماكن المختصة ببيع هذه الأدوات."

هناك أيضاً مشكلة عدم القدرة على الوصول إلى المعلومة الصحيحة، حيث أن أغلب المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية لا تراعي لغة الإشارة في خطاباتها

رؤى حمزة، 27 عاماً، من سوريا، التي تعمل كمحررة إعلامية بالعديد من المواقع الإلكترونية ومُعِدَّة ومُقَدمة برنامج "مفاتيح الهِمم" على الانترنت، تقول رؤى عبر اتصال هاتفي أنها اضطرت للبقاء في المنزل خلال هذه الأزمة ولكنها لم تتوقف عن العمل: "أنا شخص اجتماعي بالفطرة أحب الخروج ولقاء الأصدقاء وزملاء العمل، لذا هذه الفترة صعبة جدًا لأنني لم اعتد على الجلوس بالبيت طيلة اليوم. ولكن أزمة كورونا علمتني قيمة الوقت وقيمة العمل وقيمة قضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء." وتضيف: "خلال فترة الحجر الصحي كان عَلي تصوير حلقتين من برنامجي "مفاتيح الهمم" يعني أنني لم أتوقف عن العمل بل استمريت بالتصوير. صادفت مشاكل بالتنقل وعدم الخروج من المنزل خلال أوقات التصوير، وكان هنالك صعوبات لإيجاد الأماكن والالتقاء بالضيوف. ولكننا تغلبنا على كل ذلك. المهم هو الاستمرار بالعمل."

سماء الخطيب، 19 عامًا، من الأردن والتي تعاني من ضعف سمع شديد يجعلها تعتمد على لغة الإشارة، لم تجعل هذه الأزمة توقفها عن دراستها. سماء في المرحلة الثانوية الأخيرة وتستعد لاجتياز الامتحانات النهائية والالتحاق بكلية الفنون بالجامعة. موهبتها في الرسم جعلتها تضع صوب عينيها هدفًا واحدًا وهي الآن تقضي وقتها كاملًا في البيت للدراسة مع تخصيص بعض الوقت للرسم، كما أخبرتنا والدة سماء التي تساعدها في دراستها منذ بداية تعليمها، في حديث لنا على فيسبوك: "بالنسبة للحجر، فقد أعطى أسماء مزيدًا من الوقت للدراسة، فهي تسعى للالتحاق بالجامعة خلال الأشهر القادمة بعد إعادة فتح الجامعات." تقول سماء، بعد تدخل والدتها للترجمة: "الفنان يشعر بالضيق إذا بقي في مكان واحد ولم يخرج منه ولو لساعات، هكذا أشعر. أنا بطبعي أحب الانطلاق والرسم في الطبيعة. الشيء الوحيد الذي يلهيني قليلًا في هذه الفترة هو الدراسة."

تنتظر إسراء انقضاء فترة الحجر الصحي للعودة إلى حياتها الطبيعية والسفر للقيام بمحاضرات في مجال تخصصها: "أكيد أريد العودة لعملي وإنجاز مهام لم يكن بالإمكان إنجازها من البيت. كما أنني أنوي البدء بمشروع مع منظمة جديدة. وأستعد للتقديم للعمل في أكثر من مكان مباشرة بعد رفع الحجر."

أما رؤى فأول شيء تود القيام به بعد انتهاء هذا الوباء هو النزول إلى الشارع: "اشتقت للشام وحواري الشام. أود الالتقاء بأصدقائي وقضاء أكبر وقت ممكن معهم واستغلال كل لحظة قضيتها بعيدًا عن عملي وعن أصدقائي وعن كل مكان أحبه."

وبالنسبة لريا، فعلى الرغم من كل التحديات، فهي لم تجعل هذا الوباء يغير من تفاصيل حياتها اليومية: "أنا مستمرة بإضافة محتوى جديد إلى مدوناتي، أو أدرس، أو أقرأ كتبًا، أو أصلي وأقرأ القرآن، أو أتابع بعض المسلسلات. في أوقات كثيرة أقوم بالتطريز واعتبر هذا النشاط علاجيًا وتمرينًا جيدًا لعضلات اليد."