مرأة

القيم الأسرية: مَن يبنيها ومَن يهدمها؟

لو أراد المشرعون المصريون سنّ قوانين لتعريف قيم ومبادئ الأسرة، فعليهم البدء بتجريم العنف الأسري والاغتصاب الزوجي المُمارس على عشرات الآلاف من النساء
3.6.20
مصر

الصورة: حنين حسام

شهدنا على مدار الأسابيع الماضية القبض على عدة نساء مؤثرات مصريات هن: حنين حسام (تظهر بالصورة)، مودة الأدهم، ومؤخرًا منّة عبد العزيز بتهم وصفتها النيابة العامة "بالتعدي على قيم ومبادئ أسرية." هذه التهم تأتي كواحدة من تهم تخص الإخلال بالآداب العامة والتحريض على الفسق والفجور. في بياناتها الصادرة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، لم تُحدد النيابة العامة المصرية ما هي الأفعال التي تقع تحت بند هدم قيم ومبادئ الأسرة وقامت بها هؤلاء النساء. على الأقل لنتجنّب مخالفتها والتعرّض للملاحقات القانونية.

إعلان

ما هي القيم الأسرية؟
تُعرّف القيم الأسرية حسب قاموس كامبريدج بأنها "الأسس والمعتقدات التي تُبنى عليها الأسرة التقليدية والمكونة من أب وأم وأطفال يعيشون معًا." بدأ مصطلح القيم الأسرية في الانتشار مع بدايات القرن العشرين والواحد والعشرين بعد الحرب العالمية الثانية حيثُ أُعتقد آنذاك أن قيمة الأسرة في تراجع لحساب الفرديّة والحريات الشخصية. يُرمز للعائلية (Familyism) في قواميس أخرى بأنها أيدولوجيا مرتبطة بالقيم المحافظة وما يُعرف بالعادات والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال.

القيم الأسريّة أيضًا هي مجموعة الأخلاقيات والمعايير الاجتماعية التي يتم نقلها للأطفال عن طريق التربية، كالصدق، والأمانة، وحب الخير وعدم إيذاء الآخرين/ات. تأخذ التربية نفسها عدة مناهج. هناك أسر تتبع السياسة في إرساء تلك القيم لدى الأطفال. وأسر أخرى تلجأ للعنف والعقاب أو تجمع بين المنهجين. لا تهتم القوانين، خاصة في البلدان العربية، بوسائل إرساء هذه القيم. ويمكننا الاستدلال على ذلك بعدم تفعيل قوانين تُجرم العنف الأسري على سبيل المثال لا الحصر. ما تهتم به القوانين هو أن تستمر الأسرة ككيان وحيد يُمكن قبول الأشخاص فيه اجتماعيًا، وتعريفهم بالنسبة إليه. فأي خروج عن الدور المتوقع من الأسرة في تربية أشخاص صالحين/ات اجتماعيًا- أي ملتزمون/ات بما يتم تحديده لهم/ن سلفًا من هويات وأدوار اجتماعية- هو بمثابة صدع في بنية المجتمع. صدع يحتاج إلى حزم في التعامل معه حتى ولو على حساب الحريات الشخصية.

العنف كأساس للقيم الأسريّة
القاسم المشترك بين هؤلاء الإنفلونسرز هو استخدامهنّ لمواقع التواصل الاجتماعي، ونشر فيديوهات راقصة وصورًا لهنّ. شيءٌ تفعله الملايين من النساء حول العالم وفي مصر نفسها، ومع ذلك هناك نساء اتُهمنّ بالتعدّي عليها. بُنيّ هذا الاتهام على المحتوى الرقمي الذي يقومنّ بنشره على حساباتهنّ الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي وبالأخص تطبيق "تيك توك". أما المحتوى نفسه فهو عبارة عن فيديوهات راقصة على خلفية أغانٍ شعبية، أو صورًا بملابس يراها البعض "غير محترمة." أعتقد أن هذا المحتوى جاء مغايرًا للسلوكيات المتوقعة من الشابات الثلاثة؛ لأنها تتجاوز حدود المقبول اجتماعيًا من الشابات والذي هو قائم على اعتبار أجسامهنّ ملك للأسرة وللمجتمع ولا يحق لهنّ الظهور بها إلا بشروطهما وتحت اشرافهما. هذه الشروط يُشكلّها عدة أركان، منها الخطاب الأبوي الذي يُملّك أجسام النساء للمجتمع، ومنها خطاب التفريق والتمييز بين نساء "محترمات" لأنهن يتصرفن وفقًا لهذه الشروط، وأخريات "غير محترمات" لأنهنّ لا يلتزمنّ بها. وفي ذلك التفريق درجة من العنف المسموح به. فمثًلا، يتساهل المجتمع مع العنف الواقع على النساء ويباركه ويعتبره مستحقًا إن كان يصنفهنّ "غير محترمات" ويعتبرهنّ سببًا في أي انتهاك يحدث لهنّ. تُعرف هذه التركيبة بوصمة الفسق (Slut-Shaming).

لا نسمع عن أب أو أم عنّفوا أبناءهما وتم اتهامهما بالتعدّي على قيم أسرية. لكن أغلب مَن يتم اتهامهم بالتعدّي على القيم الأسرية هنّ نساء وشابات وفتيات. يرجع ذلك إلى الاعتقاد السائد بأن النساء هنّ شرف العائلة ومن خلالهنّ يتم الحفاظ على الأسرة، ومن ثَم المجتمع والدولة

لنسأل: ما هي الأسرة؟ الأسرة في القانون المصري كما في الوعي الجمعي هي كيان اجتماعي ينتمي له الأفراد وتختلف مواقعهم/ن فيه. الأسرة أيضًا هي الكيان الاجتماعي الأول الذي نعرفه منذ الطفولة. هي الحب والدعم غير المشروط الذي نحتاجه لنبني أنفسنا، هوياتنا، وشخصياتنا. من الأسرة ننطلق نحو المجتمع تملؤنا الثقة بالنفس والانطلاق. الأسرة مفهوم ترابطي بين الأفراد، يتجاوز صلة القرابة والدم. نشير إلى أصدقائنا وصديقاتنا بالأخوة والأخوات لنقول أننا نحمّل داخلنا حبًا وترابطًا معهم/ن. تلك هي قيمة الأسرة التي أؤمن بها. الأسرة التي تقبل وتحب أبناءها بلا شروط وبلا ضمانات. تقبلهم/ن كما هم/ن. تدعمهم/ن. ما أن تتحوّل الأسرة إلى كيان رافض أو مُعنّف أو مُحكَم السيطرة، تصبح علاقتنا بها مشوّشة ومحاولات هروب والبحث عن بدائل أخرى تعوّض ما نفتقده داخلها. إن فقدت الأسرة الحب، الأمان، الدعم، تتحول لكيان سام ومؤذٍ، قد لا نكتفي بالهروب منه ويدفعنا الغضب لمحاربته بكل قوتنا.

لكن الأسرة ليست فقط الأم والأب والأخوة/ات وليست العائلة الممتدة بأفرادها وفروعها. فالأسرة كما تتكون من أشخاص، تتكون أيضًا من مُركبّات اجتماعية ورسوم وخطوط يرعاها المجتمع الأكبر والقانون والدستور. فالأسرة أساس المجتمع كما هو مذكور في الدستور المصري مادة (10). لذا، القيم الأسرية في سياق المجتمع المصري، لا تُحددها الأسرة، بل هي محددة بالقانون والدستور اللذان يتم استدعائهما في سياق النساء غير المُنصاعات للأعراف الاجتماعية السائدة أو التي يتم وصمهنّ بالفسق (Slut-Shaming)، كما حدث مع حنين حسام، مودة الأدهم، ومنّة عبد العزيز.

عندما نقول "قيم" لا نعني العنف والعقاب، ولا نعني فرضها بالقوة إن لم يتم الاعتداء بشكل مباشر على آخرين/ات. إنما نعني أسس واضحة للتعامل بين الأفراد دون المساس بحقوقهم/ن المدنية وحرياتهم/ن الشخصية

في الحقيقة المجتمع والقانون هما أساس الأسرة وليس العكس. لو تخيّلنا علاقة الأسرة ممثلة في أفرادها مع علاقة الأسرة بالمجتمع الأكبر، لوجدنا معايير موضوعة لكيف تكون الأسرة. هذه المعايير قد تكون نصيحة لزوج خائن، أو زوجته التي يتم لومها على خيانته لها واتهامها بالتقصير. وقد تكون نصيحة بعدم ضرب الأبناء، أو بضربهم. وقد تكون عقاب اجتماعي إن خلعت ابنة أحدهم الحجاب، فيوبّخه أصدقائه لأنه "راجل البيت." وقد تكون بتبرؤ من ابن مثلي أو ابنة عابرة جندريًا. أو بالقبض على نساء يُعتقد مخالفتهنّ للآداب العامة. جميعها أفعال مد وجزر بين أفراد الأسرة ومجتمعاتهم المحيطة، وجميعها تتفق على شكل وحيد للأسرة: كيان سلطوي يُهيمن فيه الآباء والأمهات على الأبناء برعاية الدولة. ماذا عن الحب؟ عن الدعم؟ عن الأمان؟ لا شيء يُذكر. قلة قليلة من الأسر تدعم أبناءها وبناتها في مواجهة المجتمع ويتعرضون للنبذ الاجتماعي تبعًا لذلك. أما الأغلبية فتقدمهم قرابين طاعة للمجتمع، علّه يقبلهم "كأسرة."

لا نسمع عن أب أو أم عنّفوا أبناءهما وتم اتهامهما بالتعدّي على قيم أسرية. لكن أغلب مَن يتم اتهامهم بالتعدّي على القيم الأسرية هنّ نساء وشابات وفتيات. يرجع ذلك إلى الاعتقاد السائد بأن النساء هنّ شرف العائلة ومن خلالهنّ يتم الحفاظ على الأسرة، ومن ثَم المجتمع والدولة. لذلك، فإحكام السيطرة على النساء ضروري في هذا الصدد.

نحو تعريف واضح للقيم الأسريّة
ما هي القيم الأسرية بالضبط؟ الطاعة العمياء؟ التحكم المطلق؟ العنف والأذى؟ الرفض؟ نستنتج من وقائع القبض الأخيرة أن هذا هو مفهوم القيم والمبادئ الأسرية بالفعل. فما حدث مع أسر هؤلاء الشابات، هو رفض مجتمعي وقانوني للدعم الذي قدمته الأسرة، أو بالأحرى للعنف الذي لم تمارسه الأسرة عليهنّ. مُعاقبون لأن أهلهن لم يمنعوهنّ بالقوة والإجبار عن الرقص ونشر الفيديوهات على الإنترنت. ولا أعرف لماذا يُهدد قيم الأسرة المصرية لو نشرت فيديو أرقص فيه. لا أجدها جريمة يجب عقابي وعقاب أسرتي عليها.

لو أراد المشرعون المصريون سنّ قوانين لتعريف ماهيّة قيم ومبادئ الأسرة المصرية، فعليهم بالبدء في السماع لمطالب المؤسسات النسوية بضرورة تجريم العنف الأسري الذي تُزهق أرواح الفتيات بسببه والاغتصاب الزوجي المُمارس على عشرات الآلاف من النساء.

إن كانت القيم الأسرية موجودة، والتعدّي عليها يعتبره القانون جريمة، فهيّا بنا نضع لها تعريفًا واضحًا غير قائم على شرعنة العنف وتقنينه. هيّا بنا نُعيد تعريف الأسرة ككيان داعم وليس كأساس للمجتمع؛ لأن المجتمع أساسه الأفراد والقيم التي تحكم علاقتهم ببعضهم البعض. وعندما نقول "قيم" لا نعني العنف والعقاب، ولا نعني فرضها بالقوة إن لم يتم الاعتداء بشكل مباشر على آخرين/ات. إنما نعني أسس واضحة للتعامل بين الأفراد دون المساس بحقوقهم/ن المدنية وحرياتهم/ن الشخصية. ما حدث ويستمر في الحدوث هو اعتداء على حريات هؤلاء الشابات، وعلى حقهنّ في الظهور بما شئن طالما لم يجبرنّ أحدًا على شيء. اعتداء باسم الحفاظ على القيم الأسريّة، وترسيخ للعنف ضد النساء اللاتي يُعتقد أنهنّ المسؤولات عن صلاح وفساد المجتمعات.