تقطع زغاريد حماسية ضجيج الاحتفال الصغير حول امرأة بدوية المظهر تزدان بالحناء بين صديقاتها وجاراتها في مشهد يبدو للوهلة عرسًا محليًا في انتظار حضور عريس لتسلم العروس لتتم المراسم على طريقة سكان المنطقة، لكن العريس لن يأتي لأن بطلة الحفل ليست عروسًا وإنما "مطلقة" عائدة إلى بيت عائلتها كما خرجت. المشهد السابق ليس جزءًا من فيلم هوليوودي وإنما طقس مألوف في ثقافة مجتمع "البيظان" الممتد بين جنوب المغرب (الصحراء الغربية)، وجنوب غرب الجزائر وموريتانيا وحتى شمال السنغال، فيما يعرف باسم "حفلات الطلاق" وهو الطقس الذي عايشت VICE عربية حالاته وبحثت عن جذوره.
إعلان
انتشار مجتمع "البيظان" عبر حدود أربعة دول إفريقية لم يمنع احتفاظ السكان المحليين على عاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم الخاصة في الاحتفالات، خاصة تلك المتعلقة بالاحتفالات الاجتماعية، ولا سيما حفلات الطلاق التي تعد طقسًا ضاربًا في عمق الثقافة البيظانية. وترجع جذور الطقس إلى مكانة المرأة الصحراوية المطلقة التي تصف تحركاتها بالمصطلح الدارج "مُعززة مُكرمة" إلى بيت زوجها، ومنها أيضًا حال استحالت الحياة بينهما أو كلل زواجهما بالطلاق لأي سبب، في تأكيد راسخ على أهمية تكريم المرأة.ويتحدث الدكتور بوزيد الغلى، الباحث في التراث الشعبي الحساني، في مركز علم و عمران للدراسات والأبحاث و إحياء التراث الصحراوي عن مفهوم "إبراز المطلقة" عند البيظان، ذلك أن مصطلح "إبراز" يُطلق في الأصل؛ عند أهل الصحراء، على الحفل الذي تبرز فيه الفتاة المتزوجة حديثًا؛ بحيث "تبرز" أي تحتفل معها صديقاتها وقريباتها من الفتيات المتطلعات إلى الزواج، ويشير إلى أن استخدام المفهوم ذاته مع المطلقة يؤكد أن وقوع الطلاق ليس نهاية المطاف وإنما مرحلة انتقالية يمكن أن تنتهي بزواج جديد. ويعود الباحث في التراث الحساني إلى زمن البداوة والترحال مشيراً الى أن أساس وجود هذا الطقس هو صعوبة انتقال الأخبار الصحيحة نظرًا لتباعد مجتمعات البدو وضعف وسائل الاتصال، الأمر الذي يبرر إعلان وإشهار انقضاء عدة طلاق المطلقة، واستعدادها لاستقبال زوج بديل.ينطبق على حالة السيدة "فاطمتو" ذات السبعين عامًا، وواحدة من اللائي عشن حالة الطلاق لسنتين قبل أن تكمل حياتها مع رجل ثان. تتذكر يوم عادت إلى أحضان عائلتها بعد زواج عمره سنتين ونيف، رزقت خلاله بـ "محمدو" و"فاطمة الزهراء." الطفل كبر وترعرع مع أخواله، فيما قررت فاطمتو ألا تفارق الصغيرة، باعتبار أن للأنثى في المجتمع الصحراوي اهتمامًا خاصًا. تقول "فاطمتو أن ما وقع معها قضاء وقدر، وأنها لا تزال تحتفظ بذكريات جميلة مع زوجها الأول، إلا أن تفاقم بعض المشاكل الأسرية بينهما عجل بطلاقها عن محض إرادة. "إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان،" هكذا تستشهد فاطمتو بالنص القرآني من سورة البقرة. وتتابع أنها بمجرد عودتها إلى فريك، حيث تعيش عائلتها ببادية مدينة السمارة المغربية، قادمة من مدينة الداخلة في أقصى الجنوب المغربي، حيث كانت تعيش رفقة زوجها، لم تشعر أبدًا بالوصم أو تُقابل بنظرة جارحة، كما هو الحال في عدد من المجتمعات الشرقية الاخرى.
إعلان
تصمت السيدة السبعينية للحظات ترجع خلالها بذاكرتها إلى ذلك الحدث البعيد: "حدث ذلك في صيف 1986 حيث استقبلتني صديقاتي وأخواتي بالزغاريد، بل أحيوا حفل عشاء على شرفي. هذا الاستقبال أزال الحزن الذي بداخلي ولو مؤقتًا، تداعيات هذا الحفل هي ما جعل زوجي الحالي يتقدم لخطبتي بعد انقضاء فترة العدة، آنذاك لم تكن هناك وسائل للتواصل كتلك المتعارف عليها اليوم."
حفل زواج لمطلقة تزامن مع الاحتفال بطلاقها في الصحراء الغربية
وتصف شمس، سيدة أربعينية تزوجت مرتين، أجواء احتفال الطلاق الذي أعقب زيجتها الأولى بأنه لم يختلف كثيرًا عن عرسها من حيث الاحتفاء والطقوس التي كان من بينها التزين بالحناء وسط أنغام أغنيات محلية تخللته عشرات الزغاريد. وقالت أنها شعرت بتقدير اعتبرته بمثابة رد اعتبار على تجربتها غير الموفقة في زواج لأسباب عزتها إلى اختلاف الطباع والزواج في سن مبكر قبل أن تبلغ عمر العشرين. وقالت السيدة الأربعينية إن نهاية زيجتها الأولى بالفشل لم يمنع زواجها مرة أخرى من زوج عوضها عن تجربتها الصعبة، وأوضحت أن "نظرة مجتمع الصحراء إلى المرأة المطلقة تتسم بالاحترام تقديرًا لمكانة أهلها من جانب، ولما تركته عليها تجربتها من نضج يؤهلها لتحمل المسؤولية ورعاية الزوج والأبناء."
وعلى عكس فاطمتو وشمس لم تبد حليمة التي لم تكمل عامها الثلاثين بعد، سعيدة بذلك الطقس الذي مرت به بعد طلاقها. وفي حين يعتبر جيل الآباء الطقس نوعًا من الدعم النفسي للمطلقة وتكريم مستحق للمرأة الصحراوية في جميع حالاتها، ترى حليمة أن هذه الاحتفالات تسيء إلى المرأة وتوضح: "ماذا يعني أن تُطلَق امرأة وتحتفل، هل تحتفل بفشلها؟ لا أعتقد أن للأمر علاقة بتكريمها، الاحتفاء بها يكون بالإحسان المستمر إليها لا بلحظات عابرة." وعن تجربة طلاقها، بعد أشهر قليلة من الزواج، أوضحت حليمة أن الأمر لم يكلفها سوى جلسة واحدة بالمحكمة، بعدها رجعت إلى بيت عائلتها التي استقبلتها بفرح شديد، سعادة رأيتها في عيون والديها وهي بين أحضانهم: "هذا وحده يكفي.. هذه هي الاحتفالية الصادقة بعيدًا عن أجواء البهرجة." وبكلمات مبعثرة، تظهر نوعًا من الارتباك تتهم حليمة رجال اليوم بأنهم ليسوا أهلا للمسؤولية، يعتبرون الزواج كعلاقات عابرة، حتى أنهم لا يرون في المطلقة اليوم إلا جسدا يباع ويشترى، وتتابع: "لم الاحتفالية إذن إذا كانت لمثل هؤلاء الرجال؟"نظرة مجتمع الصحراء إلى المرأة المطلقة تتسم بالاحترام تقديرًا لمكانة أهلها من جانب، ولما تركته عليها تجربتها من نضج يؤهلها لتحمل المسؤولية ورعاية الزوج والأبناء
إعلان
وعلى الرغم من حساسية مناقشة موضوع مثل "احتفالات الطلاق" مع شيوخ وكبار القبائل الصحراوية جنوبي المغرب لما تتصف به مؤسسة الشيوخ التقليدية بمدن الصحراء من مكانة، إلا أن سيد عبدي الإدريسي، شيخ قبيلة الرقيبات "العيايشة" واسعة الانتشار، تَقبل الحديث معنا بصدر رحب، متحديًا بذلك قاعدة قليلًا ما يتم تجاوزها. وألقى الإدريسي باللوم على العديد وسائل الإعلام تناولها لهذا الموضوع من زوايا لا تمت للواقع بأية صلة، على حد قوله: "كان الأولى بوسائل الإعلام التي تناولت موضوع احتفالية الطلاق بالصحراء أن تبعث موفدًا لها إلى عين المكان، وتستقصي الحقائق عن قرب، لا أن تأخذ بعض جمل أصبحت متجاوزة وتصنع منها موضوعًا للفت الانتباه، نعم كانت هناك احتفالات بالمطلقة، لكن ليس ذاك الذي تعالجه الصحافة اليوم. فليس من رأى كمن سمع؟"
جانب من الاحتفال بزواج مطلقة
ويروي الإدريسي وقائع ما يوصف بـ "احتفالات الطلاق" على حد قوله: "كان هناك تجمع خيام لقبيلة واحدة في فيافي الصحراء، تزوج أحد أبنائها سيدة من قبيلة اخرى، تقطن رفقة عائلتها بينهم، فكان أن تطلقت، فلم يجد أحد أقربائها العابر من هناك إلا أن يعلن رغبته في الزواج منها. جلب لها الجمال والحلي وكل ما تشتهيه، رغم أن هدفه الأساسي ليس الظفر بها والعيش معها تحت خيمة واحدة، وإنما إعادة الاعتبار لابنة عمه (قبليًا) أمام قبيلة أخرى تستوطن المكان." وعلق شيخ قبيلة الرقيبات على الأمر بقوله: "هنا تتجلى قيمة أخرى للمرأة الصحراوية، حتى وإن كلف الأمر تضحية من أحد الرجال في سبيلها."وتتجلى أسباب احتفاليات الطلاق في مجتمع الصحراء المغربية عند المخرج والسيناريست محمد فاضل الجماني في مشكلتين رئيسيتين: هما زواج القاصرات وتعدد الزوجات ويقول: "عندما يفرض على فتاة صغيرة الزواج من مسن دون الأخذ برأيها، وهي حالة منتشرة في المجتمعات البدوية، فغالبًا لا تستمر علاقة الاثنين، ما يدفع الزوجة في هذه الظروف للهرب إلى بيت أحد أفراد العائلة والذي يكون في الغالب رافضًا لهكذا زواج، وبعد أخذ ورد ينفصل الزوجان وتحتفل المطلقة بحريتها بعدما اغتصبت طفولتها أو كادت."ويتابع الجماني: "أما في حالة تعدد الزوجات، وإن كان يبيحه الشرع، إلا أن عدم رغبة الزوجة الأولى في أن تشاركها أخرى زوجها يدفعها للجوء إلى الطلاق كحل نهائي، بحيث تهجر بيته وتسمى في هذه الحالة (معلقة) إلى أن تنال ما تريد، وتحتفل بعدها بما تعتبره انتصارًا." هذا الانتصار ترى فيه الشاعرة المغربية الناهة العبيدي تجسيدًا حقيقيًا لإرادة المرأة، بأن تكون حرة في اتخاذ قراراتها. فبمجرد انقضاء أشهر العدة؛ "تغتسل وتتزين وتتطلب بأرقى العطور كأنها عروس في يوم زفافها،" متخلصة بذلك من عبء ماض ثقيل، وتقبل على عوالم أخرى، وربما أزواجا آخرين.