ملاحظات على مقابلة نادين لبكي

كنت أفضل أن تكون الدموع مصطنعة، وفي الواقع لا أريد أن أعرف إذا كانت مصطنعة أم لا
-
إعداد -
20.9.18
​نادين لبكي

نادين لبكي/فليكر

قرأت مقابلة المخرجة اللبنانية نادين لبكي على موقعكم. المقابلة لطيفة مع صور جميلة. ولكن ماذا بخصوص الأجوبة؟ من الجيد جداً أنه تم وضع إجابتها في المقال كما هي بدون تذويق. وبدون محاولة من الكاتب لوضع كلام في فمها، أو تفسير ما تقوله أو لجعله أجمل أو أسوأ. لندخل في الموضوع، ولنبدأ بالإجوبة التي لدي "مشكلة" أو ملاحظة عليها، ولنر كم منكم سيتفق معي، ومن سيتفق معها؟

"كنا في فترة التحضير للفيلم عندما قررنا كتابة كل المواضيع التي نريد مناقشتها في السيناريو على لوح كبير: الفقر، اللجوء، العاملات الأجنبيات، البطالة، السجون، زواج القاصرات، الاتجار بالبشر... بعدها نظرت إلى اللوح وقلت: هذا كفرناحوم إنه الجحيم"

جميل. قد يبدو لك هذا الجواب منطقياً، مجرد تفكير بمواضيع ممكنة للفيلم. سمعت هذه الإجابة في عدة مقابلات قامت بها نادين ولا يبدو أن أحداً من فريقها الإعلامي (لا أعلم إذا كان لديها فريق ولكن أتوقع) رأى مشكلة في هذا الجواب. وهو موضوع عام يتكرر عند سماع الكثير من الفنانين العرب خصوصاً (عدد منهم على الأقل)، فلا يبدو أنهم مُطلعين على ما يجري في العالم، ولا يفكرون جديًا بما يقولون والصورة التي يقدمونها للجمهور، فتخرج أجوبتهم في معظمها عنصرية أو متحيزة أو غير واعية. ما يهمنا بالآخرين. انظر مجدداً الى جواب نادين، ما هو المشترك في هذه المواضيع؟ ولماذا قامت باختيارها؟ دائماً ما اعتقدت أن ما يحرك المخرج أو كاتب السيناريو هو إيمانه بموضوع أو قصة معينة. قصة تلخبط أحاسيسه وأفكاره وتجعله حياته تتمحور حول هذا "الشيء" الذي يود صنعه، وخَلقه من العدم. هذا ما يحصل معي ككاتبة، فأنا أعرف معنى أن تسيطر عليك فكرة. أن تضع عدة أفكار على لوح "كبير" والتفكير بماذا تختار وكأنها قائمة طعام .. هذا لا يبدو صحيحاً. ماذا عن اختيار المواضيع؟ فقر، عمالة، اتجار بالبشر.. ليه يا نادين؟ يعني قصص دراما وقهر ويا نهار أسود ومنيل، ليه؟ علشان الدراما بتبيع؟ لا أود أن أظلم نادين هنا، فقد تكون هذه مواضيع تهمها بشكل شخصي وحقيقي، ولكن أتساءل، هل تتحدث عن موضوع يهمك بهذه الطريقة؟ على لوح؟ وهل تهمك كل هذه المواضيع بنفس الدرجة؟ أنت كشخص بالغ عاقل حَساس، هل تهتم بالفقر والسجون واللجوء والبطالة و.. و.. و.. بنفس الدرجة؟ ولو.. كان بتطق وبتموت.

كل الدموع كانت حقيقية، لم يكن هناك دمعة مصطنعة واحدة في التصوير.

لا أعلم لماذا اعتبرت نادين أن عليها أن تتحدث عن ذلك وكأنه إنجاز شخصي.. أن الدموع كانت حقيقية. شخصياً، كنت أفضل أن تكون الدموع مصطنعة، وفي الواقع لا أريد أن أعرف إذا كانت مصطنعة أم لا؟ هذا فيلم بالنهاية. بنظرتي المحدودة جداً، لا أرى أن أحداً يجب أن يتباهى بأن لحظة إنهيار الآخرين أو بكائهم هي فرصة "جيدة" لتصويرهم. ونحن هنا نتحدث عن أطفال، فالموضوع أكثر تعقيداً. لا أعلم، ربما أكون على خطأ، فهذا خيار أخلاقي كبير، يتحدث عنه المصورون مثلاً طوال الوقت، ما هو الأهم الشخص أم الصورة؟ نادين ربما وجدت إجابتها.

صورته يوميًا لمدة 6 أشهر وعشت معه واستمعت إليه، لذلك استطعت الاقتراب منه وبمن يشبهه بما يكفي منه لإيصال صوته ورسالته.

ليس لدي مشكلة كبيرة في هذه الإجابة بالتحديد، ولكن لدي مشكلة في عدم وجود قليل من الشك بكلامها. نحن نرى صحافيين أجانب يغطون العالم العربي ويُدعون معرفتهم "الكاملة والشاملة" بالمنطقة وهم بمعظهم لا يتكلمون اللغة العربية، وأخبارهم تأتي من سائقي التاكسي. أنا لا أصدقهم، ولا أعتبرهم خبراء، حتى لو كانوا يعيشون في مدننا، ويأكلون من "تبولتنا" ويشربون "متتنا" (من متة) ويرقصون في أعراسنا. أن تعيش في البلد، لا يعني أنك تعرفه، فما تعرفه يعتمد على مكان سكنك ولونك وطبقتك ومدرستك واصدقائك...إلخ، هذا واحد. اثنان، أن تعيش مع اللاجئين أو المهمشين أو المسجونين لأشهر، لا يعني أنك أصبحت خبيراً في حياتهم وتستطيع الحديث بإسمهم -ولا أتحدث هنا عن نادين فقط. طبعاً أنت في وضع أفضل (وأشدد على أفضل) من غيرك ممن لم يختبر هذه الحياة، ولكن المهم أن لا تصدق أنك أصبحت واحداً منهم. فأنت بالنهاية، ستعود إلى بيتك أو بلدك أو فندقك، فيما هم سيبقون في الشارع أو في السجن. الحديث عنهم مهم، وضروري، وشكراً لـ نادين لإختيارها موضوع "مُعقد وغير شعبي" ولكن ربما بسبب اختيارها نفسه، كنت أتوقع منها أن تكون أكثر تشككًا بما تعرفه عن حياتهم وبقدرتها على إيصال "رسالتهم." وهنا أود مناقضة نفسي بالقول أنك كمخرج، أو ممثل، أو فنان، ليس عليك أصلاً أن تعيش مع أحدهم لتكتب قصته أو تقوم بدور عن حياته. هذا لا يُقلل منك أو من القصة وهذا هو جمال الفن، أنه يرمي الضوء على أمور معينة ليس لفهمها وتحليل أسبابها -هذا نتركه لعلماء النفس والاجتماع والتاريخ- ولكن لنقترب منها. الفن خيال، مع أن الحياة تقوم بتقليده أحياناً. والفن هو أنت، ويشبهك بدون الحاجة الى تبريرات. التبريرات تضعف موقفك ولا تقويه.

بالنهاية أتفق مع نادين في أمر واحد، وهو أن الشعور بالذنب لا يفيد، وخاصة إذا لم تكن أنت مسؤولاً مباشراً أو مشتركاً في ظلم أو مأساة شخص أو فئة معينة. الأهم ربما هو المحاولة، محاولة تغيير شيء وكما قالت نادين "محاولة أن تكون قطعة صغيرة من الحل."

فضلت الكاتبة عدم الكشف عن اسمها لاسباب تتعلق بمكان عملها.