سياسة

مواليد الحروب يدخلون العمل السياسي في العراق

مشاكل الماضي أنتجها الجيل السابق ولا يمكن أن ننتظر حلاً ممن صنعوا المشكلة
26.3.18
العراق
RNW.org

في مدينة الموصل التي خرجت من الحرب قبل سبعة أشهر ومازالت حتى الآن تعيش تداعيات الآثار التي خلفها تنظيم "داعش" بعدما كان يُسيطر عليها لثلاث سنوات وما تلا ذلك من مأساة أثناء المعارك بين تنظيم أبي بكر البغدادي والقوات العراقية المسنودة بطيران التحالف الدولي، يعمل مجموعة من الشباب على دخول العمل السياسي والترشح للانتخابات البرلمانية المقبلة التي ستجري في 12 مايو 2018، وكذلك انتخابات الحكومات المحلية في 16 من سبتمبر المقبل. الشباب الذين كانوا يُساندون مدينتهم أثناء فترة النزوح والعمليات العسكرية من خلال الأعمال الإغاثية التي قدموها، يسعون الآن إلى الوصول لقبة البرلمان العراقي والحكومة المحلية لطرح قضايا مدينتهم بشكل عام وقضايا الشباب بشكل خاص. هؤلاء الشباب الذين لم يكونوا سوى أطفالاً عندما دخلت القوات الأميركية للعراق عام 2003، أصبحوا شهوداً على الحرب الأهلية والصراعات السياسية، لذا قرروا خوض تجربة سياسية لم يخوضوها سابقاً لا على مستوى التنظيمات الحزبية ولا حتى الإنتماء لجهة ما فهم يرفضون الدخول في "الأحزاب التي تتبنى خطابات قومية أو طائفية أو دينية."

إعلان

فهد يوسف، 30، من مدينة الموصل، ناشط في المجتمع المدني، يقول أنه قرر الترشح إلى مجالس المحافظات المزمع إجراؤها في سبتمبر المقبل بهدف "إيصال" صوت من حوله إلى مراكز القرار الأساسية في محافظة نينوى. إنتخابات مجالس المحافظات هي الإنتخابات المحلية التي تنتج تشكيل حكومة لكل محافظة، وتكون دورتها أربع سنوات، والحكومة المحلية الممثلة بمجلس المحافظة، لديها صلاحية إقالة المحافظ وسلطتها تشريعية ورقابية. "أعتقد ان المرحلة المقبلة تتطلب حضوراً شبابياً فاعلاً في جميع المجالات، وأهمها السياسي، ونعتقد أن مشاركتنا في العمل السياسي هي حاجة مرحلية ومستقبلية مثل ما كان العمل بإغاثة النازحين حاجة مرحلية، ثم اقتضت الحاجة أن نعمل في مساعدة القوات الأمنية العراقية وفعلا ساعدناهم كثيراً، ثم دعتنا الحاجة للعمل بعد وأثناء التحرير على إعادة الحياة للمدينة، لذا نعتبر الآن دخولنا العمل السياسي ضرورة قصوى."

نشط العمل الشبابي في العراق بعد 10 يونيو 2014 وبدء عمليات النزوح من محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى، حيث تركز العمل طيلة السنوات الأربع الماضية على تقديم الإغاثة الإنسانية ومساعدة الجرحى والمرضى

يوسف يرى أن العراق بشكل عام والموصل على وجه التحديد بحاجة كبيرة لتواجد شبابي فاعل في العمل السياسي لعدة أسباب: "أهمها حيويتهم ونشاطهم وطرق تفكيرهم الحديثة وسرعة إندماجهم وتكيفهم مع ما هو جديد." يوسف يوضح أن مشاكل الماضي أنتجها الجيل السابق "ولا يمكن أن ننتظر حلاً ممن صنعوا المشكلة." وهو يرى أن جزءاً مهماً من أسباب سقوط الموصل تحت سيطرة داعش هو "انعزال الشباب وابتعادهم عن قضايا نينوى السياسية والإجتماعية، حتى أصبح كل ما يتعلق بالسياسة مشيطن من وجهة نظرهم وهذا خطأ كبير."

وقد نشط العمل الشبابي في العراق بعد 10 يونيو 2014 وبدء عمليات النزوح من محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى، حيث تركز العمل طيلة السنوات الأربع الماضية على تقديم الإغاثة الإنسانية ومساعدة الجرحى والمرضى في جمع التبرعات لهم والحصول على فرص علاج داخل وخارج البلاد. قبل ذلك التاريخ لم تكن هُناك نشاطات شبابية بشكل ممنهج ومنظم، بل كانت تقتصر على جهود فردية أو ضعيفة الإمكانيات البشرية والمادية، لكنها تطورت فيما بعد وصارت هُناك مئات الفرق الشبابية التطوعية في العراق.

إعلان

زيد الطائي، 33، موظف في مجلس النواب العراقي، أسس ومجموعة الشباب الآخرين في يناير 2018 ملتقى أسموه ملتقى شباب نينوى السياسي الذي يضم 30 شاباً من محافظة نينوى، شمال العراق ومركزها مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، الذين قرروا المشاركة في العمل السياسي ومحاولة الضغط على أصحاب القرار لاتخاذ إجراءات تخدم الناس هناك، منها تشريع القوانين الخاصة بالصحة والتعليم، على إعتبارهما أهم ملفين في حياة الإنسان ويُعانيان في المحافظة من "تراجع" كبير قبل وأثناء وبعد سيطرة تنظيم داعش على المدينة. زيد يشير الى أن هدف الملتقى لم شمل الشباب وتوحيد صفوفهم بغية تحقيق الأهداف التي يسعون إليها وتركز على الاهتمام بالجانب العلمي والعملي والصحي والخدمي، ويشدد على أنه "ليس هناك أي نية لتحويل الملتقى إلى حزب، بل هو صالون يُناقش القضايا السياسية التي تتعلق بالبلاد والموصل تحديداً."

من جهته، يقول علي أغوان، 30، استاذ العلوم السياسية في جامعة بيان في اربيل، والذي يستعد ايضاً لخوض انتخابات مجالس المحافظات في سبتمبر المقبل، أن صعود الشباب في العمل السياسي "ظاهرة عالمية" بإعتبارهم رقماً صعباً في كافة المجالات ويضيف: "أالشباب هم رقم عالمي صعب وكبير على مستوى المعادلة البشرية العالمية حيث وصف قاموس اوكسفورد الشباب عام 2017 وتسلقهم للسلطة بالزلزال الشبابي ووصفنا نحن تجربتنا الشبابية في نينوى بـ هاشتاغ ووسم تحت عنوان #تسونامي_الشباب." #تسونامي_الشباب هو هاشتاغ أطلقه النشطاء في محافظة نينوى بعد إنتهاء عمليات التحرير وبدء عملهم في حملات إزالة الأنقاض ومساعدة السُكان على العودة للمدينة وتقديم الخدمات للجرحى. كان الهدف منه الإشارة إلى أن الشباب قادمين بقوة لدخول العمل السياسي في العراق، حيث تُعد تجربة شباب نينوى هي الأولى في العراق.

نسعى لدخول الشباب للعمل السياسي في كل العراق وتواصل شباب كل المحافظات مع بعضها لكسر حواجز الطائفية والقومية التي سيطرت على العمل السياسي و احتكرت كل شيء لجيل غير الشباب

ويشير علي إلى أنه يوجد أكثر من 62% تقريباً من سكان محافظة نينوى البالغ اربعة ملايين نسمة هم من الشباب، وهذا معطى مهم يدفع الشباب لتثبيت وجودهم في السلطة داخل المحافظة وتمثيلها في بغداد (البرلمان)، ويؤكد "أن الطبقة السياسية السابقة طبقة تعرضت للسحق والتدمير بشكل كبير بالرغم من محاولات عودتها اليوم للسلطة ببوابا أخرى." وعن هدفه لدخول السياسة، يقول علي: "نحن لا نطمح اليوم لاكتساح المناصب والمقاعد في مجالس المحافظات بقدر ما نحاول أن نضع قدم في الطريق الصحيح لكي نؤسس لشيء مستقبلي قادم قد يكون هو المعطى الإستراتيجي الأكبر للتغيير داخل المحافظة والعراق إن تم تعميمه. نسعى لدخول الشباب للعمل السياسي في كل العراق وتواصل شباب كل المحافظات مع بعضها لكسر حواجز الطائفية والقومية التي سيطرت على العمل السياسي و احتكرت كل شيء لجيل غير الشباب. أن العمل السياسي في نينوى اليوم أسهل بكثير بالنسبة لشباب المحافظة من باقي شباب المحافظات نتيجة الإنتكاسة التي تعرضت لها نينوى وأدت إلى تدمير مقومات العمل السياسي للكتل السياسية السابقة وفسح المجال للشباب كي يجربوا حظهم في هذا الوسط."

أحمد اللهيبي، ،32، الذي يعمل في مجال القانون، قرر دخول العمل السياسي بعد انتهاء عمليات تحرير الموصل من سيطرة تنظيم داعش قبل سبعة أشهر، وعن ذلك يقول: "لم تكن لدينا أي نية في الدخول والولوج في عالم السياسة، لكن بعد إنتهاء معارك الموصل وتحريرها من داعش رأينا أنه لابد أن يكون هناك دورا للشباب في قيادة المجتمع بعد أن تكللت جهودنا وخطواتنا بالنجاح في مجال عملنا الإنساني، لذا كان لابد ان يكون لنا دور على الصعيد السياسي من أجل إثبات حق الشباب ومواصلة عمله في خدمة المدينة. "سندخل الإنتخابات المقبلة تلبية لإرادة بعض سكان الموصل الذين شجعونا وكانوا على إطلاع تام بما قدمناه من جهد إنساني أثناء الحملات الإغاثية التي قمنا بها أثناء فترات النزوح، وكذلك حملات رفع الأنقاض والمساعدة في جمع التبرعات للمرضى والجرحى. ستكون خططنا المستقبلية خلال السنوات الأربع هي الشروع بإعادة إعمار المدينة وتعويض الضحايا."

في العراق هُناك من يُشجع الشباب على خوض مثل هكذا تجارب، وهؤلاء عادة ما يكونوا من أبناء جيلهم، فالشباب يعتقدون أنهم قادرين على إحداث تغيير في مجالات عدة يعملون عليها في العراق، ومع ذلك هُناك من يجدهم متسرعين وغير قادرين على تقديم أي شيء نتيجة "قلة" خبرتهم، لكن بالمحصلة، سيثبت شباب الموصل الذين دخلوا العملية السياسية أي من الفرضيتين، الداعمة أو المثبطة.