رسوم

بهيج جارودي: أرسم كي لا أحكي

لا أحبّ المقاييس المثاليّة، من الممل أن يكون كلّ شيء متناسقاً
15.1.19
بهيج جارودي

رسوم بهيج جارودي

تبدأ الحكاية برجل ورديّ صغير، أنفه أكبر من جسمه تقريباً، يقف على طاولة، ويبيض. تفقس البيضة عن طائر بمنقار أصفر ضخم. بقطرة واحدة من سائل ورديّ، يكبر الطائر، فيركبه الرجل، ويطيران معاً في رحلة بين الغيوم. يصطدمان فوق بسمكة. حادث طير غريب. يغضب الطائر وينهر السمكة نابحاً. تبكي السمكة، فتنزل دموعها مطراً. أثّر الحادث على حالة السمكة النفسيّة بحدّة. تذهب إلى طبيبها النفسي، وعلى كنبته، تنوء وتنوء وتنوء. رجل يبيض؟ طائر ينبح؟ سمكة تنوء وتطير؟ كلّ ذلك يبدو ممكناً في حكاية بعنوان "الحلزونة التي تصل دوماً متأخرة" وهي الحلقة الخامسة والأخيرة من سلسلة "حكايات معقولة؟" التي ينشرها الرسّام والمصمّم اللبناني بهيج جارودي، 38 عاماً، على "فيميو." كلّ حكايات العمل، تنافي المعقول. في الحلقة الأولى بعنوان "النسيم" تتعقّب نسمة رجلاً ما أن يخرج من باب بيته. تتعقّبه هو، دون غيره من الرجال، كأنّها تتعمّد الأذى. وفي الحلقة الثالثة بعنوان "الدرس" يحاول رجل تعليم طفلة القفز فوق حاجز، لكنها تفشل مراراً، إلى أن تجد حلّاً على طريقتها. كلّ ذلك يدور في مساحات هندسيّة غير متناسقة، وبين خطوط وأشكال تنافي ما تتوقّعه العين أو تعهده.

1547032218786-1-bahij-jaroudi-pic

بهيج جارودي- الصورة مقدمة منه.

في أفلام جارودي التحريكيّة القصيرة، كما في تصاميمه التي ينشرها عبر "انستغرام" يتلاعب الرسّام بالأحجام، بالمقاييس، بالأشكال الهندسيّة. يشوّه الخطوط والعيون والأجساد والأفواه والألوان، ويخلق عالماً راضياً بتشوّهاته، بعناصر غير متناغمة، تجد تناسقها في رأس الرسام فقط. إن زرت حسابه الذي يحدّثه بشكل أسبوعي على إنستغرام، ستجد سلسلة رسوم لرجل وامرأة يحاولان مرّة بعد مرّة أن يتعانقا، ويفشلان، رغم لجوئهما إلى كلّ الوضعيّات الممكنة منها وغير الممكنة. ستجد نقاشات مستحيلة، حيوانات قلقة أو حزينة، وأجساداً محشورة بين قطع أثاث، كائنات هجينة تأكل نفسها، ورجالاً يكمّون أفواه بعضهم البعض… ينشغل جارودي بقولبة مقاييس الجمال والقبح على مزاجه، في أعمال تحطّم قواعد التصميم والرسم الكاريكاتوري في الشكل، وتقترب من بروحيّتها من تجهيزات الفنّ المعاصر وأعمال مدرسة الفنّ السرياليّ في آن.

1547031538538-hug-tired

أستاذ التحريك والرسم في "الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة" مقلّ في مقابلاته. وحين التقته "VICE عربيّة" في أحد مقاهي بيروت، قال لنا بصراحة أنّه لا يرتاح أبداً لإجراء الحوارات الصحافيّة، ولا للكلام من أساسه. "أرسم كي لا أحكي." حتى في رسومه، حضور الكلمة شبه منعدم. وفي أفلامه القصيرة، يستعيض عنها بأصوات صراخ، أو تنفّس، أو ضجيج، أو موسيقى، وتحديداً بعزف كلاسيكي منفرد على الغيتار.

لا تهمّني الواقعية، أبتعد عن كلّ ما هو حقيقي، لا أسعى لأن أكون وفيّاً للأشكال كما هي، بل إلى تنفيذها بالشكل الذي أرغبه أنا

انطلق مشروع "حكايات معقولة؟" في الأساس كتعاون مع "كارتون نتوورك" لكنّه لم يبلغ مرحلة العرض، لأنّ الفكرة "تناسب جمهوراً بالغاً" برأي القناة المختصّة بعرض الرسوم المتحرّكة للأطفال. لكنّ جارودي حين يرسم، لا يفكّر بمقتضيات الفئة العمريّة التي يتوجّه اليها. يقول: "حتى إن كنت أعمل على مشروع يتوجّه للأطفال، أحبّ أن أشتغله بمستويات متعدّدة، فإذا شاهده طفل، يفهمه على طريقته، وإن شاهده راشد، يجد فيه ما يفهمه بطريقة مختلفة. حين أقرأ بعض الكتب التي كانت مفضّلة لديّ في طفولتي، ألاحظ أموراً كان من المستحيل أن ألاحظها في حينه، وأفهمها بطريقة أخرى." ويضيف: "لا تهمّني الواقعية، أبتعد عن كلّ ما هو حقيقي، لا أسعى لأن أكون وفيّاً للأشكال كما هي، بل إلى تنفيذها بالشكل الذي أرغبه أنا."

1549542390419-sadcat

صحيح أنّ أفق التعاون مع "كارتون نتوورك" لا يزال مفتوحاً في المستقبل، إلّا أنّ الرسام يفضّل دوماً تخصيص وقته لأفلام قصيرة من إنتاجه، خصوصاً أنّ هذه المشاريع تتطلّب وقتاً ومجهوداً ذهنيّاً كبيراً. يفضّل جارودي الإنتاج المستقلّ على العمل في إنجاز إعلانات أو أفلام لصالح أحد، وإن كان المردود المادي منها أكبر. "بصراحة بمجرّد أن يلمّح لي أحد ولو بشكل موجز عمّا يريد مني أن أفعل، يتعطّل دماغي."

1549542437848-men-refuse

ينطبق الأمر ذاته على إمكانيّة تعاونه مع فنانين آخرين. ينجز جارودي أفلامه القصيرة وحده تقريباً، حتى أنّه يعزف الغيتار في بعض المشاهد بنفسه. السبب ببساطة، أنّه يغيّر رأيه كثيراً، وطوال الوقت، فيعدّل رسمته قبل نشرها أكثر من 15 مرّة، ما يجعل عمله مع الآخرين مهمّة شاقّة. "لست جيداً في التعاون مع الآخرين، أريد أن يكون شغلي دوماً مرضياً بالنسبة لي، وأيّ تفصيل لا يعجبني أغيّره، وذلك لا يساعد في حال وجود تعاون، خصوصاً أنّي لست جيّداً في الحلول الوسط. أعرف أنّي اخترت المجال الغلط لهذا الشيء، فالتعاون أساسي جدّاً في التحريك."

1547030921522-birdman

يطغى التشوّه على رسوم جارودي، كأنّه يبحث عمّا ينفّر العين، وليس عمّا يجذبها، أو كمن يجد في التناسق مفهوماً قمعيّاً، يفرض طريقة موحّدة ومحدّدة لرؤية العالم، فيحاول تحطيمه. يقول: "حين أرسم، لا أعتبر ما أرسمه تشوّهاتٍ. أراها أجمل. لا أحبّ المقاييس المثاليّة، من الممل أن يكون كلّ شيء متناسقاً." يضيف: "لا أفكر بأن أعرف بأسلوب معيّن، فالرسم عمليّة عضويّة، رويداً رويداً يتشكّل الأسلوب مع الوقت ويتغيّر. أفضّل أن تكون الأمور تلقائيّة، أن يكون الرسم أشبه بامتداد منّي إلى الورقة، فأعمالي تنطلق دوماً من مكان عاطفيّ أكثر ممّا هو عقلانيّ." على سبيل المثال، حين يشعر بالقرف، يرسم حلزونة. في أعماله الكثير من الحلزونات. على ما يبدو فإنّ القرف شعور يلازمه. وحين يهاب فراغ الورقة البيضاء، يستخدم أجزاءً من صور فوتوغرافية أرشيفيّة، وينطلق منها ليكمل الرسم. هكذا، يرسم بدل خديّ امرأة منقار غراب، ويضيف إلى كتفيّ رجل رأساً محنيّاً صوب شاشة هاتف.

1547544215908-frogs

لا تتطرّق رسوم بهيج جارودي لمواضيع حدثيّة، لكنّها تبقى راهنة مع ذلك. "دائمة الخضرة" إن جاز التعبير، رغم سوداويّتها. حتّى الرسوم التي نشرها قبل أشهر أو سنوات، تصلح لكلّ زمان. حاول لفترة أن "يواكب الحدث" خلال أزمة النفايات في لبنان قبل عامين، ثمّ تراجع، لأنّه يفضّل التطرّق لمواضيع ذاتيّة: علاقات حبّ متعثّرة، تواصل صعب، مخلوقات برأس إنسان وجسم حيوان أو العكس. في خلفيّته الفنيّة، تأثّر كما يخبرنا بأعمال الرسّام البريطاني فرانسيس بايكون، وأفلام المخرج روي أندرسون، "الذي يحكي قصص ناسٍ يكرهون حياتهم، ولا يدركون كم يكرهونها، ولا يعرفون عمق غرقهم في الخراء، ويبقون في حالة نكران دائمة."

1547031972063-footmouth
1547032018544-man-featus

يتجنّب جارودي تحديد مواضيع أو خطوط عريضة لأعماله، الأكيد بالنسبة له أنّ "عدميّة الحياة وعبثيّتها موضوع أساس. هناك أفكار تتكرّر دائماً، وأشعر أنّها ستتكرّر طيلة حياتي، بأشكال مختلفة، فحين أنكبّ على رسم ألاحظ خلال عمليّة إنجازه أنّي رسمت شيئاً مماثلاً أو قريباً من الموضوع ذاته في السابق. أحياناً أودّ إيصال شعور ما، وأحياناً لا يكون هناك موضوع محدّد للرسم، بل تخطر لي فكرة من خلال ملاحظة شكل معيّن، أو رغبةً في استخدام لونين معاً."

أقلّ ما يقال عن علاقة بهيج جارودي برسومه أنّها إشكاليّة. برأيه فإنّ الرضا يقتل أيّ ابداع. "حين أنظر إلى أعمالي قبل عشر أو خمس سنوات، ينتابني شعور سيء. وحين أنشر عملاً أندم فوراً." معقول؟ ألا يحبّ ولو عملاً واحداً من أعماله؟ يردّ بثقة: "أكرهها كلّها." بالنسبة له "الفنّ ليس رسالة، بل وسيلة للتعبير، تقدر على إيصال الكلام الذي لا نستطيع قوله. "لا أحبّ الوعظ. الفنّ غير قادر على التغيير، لكنّه مهمّ. أكثر لوحة تؤثّر بي هي "غيرنيكا" لبيكاسو، ولا شكّ في أهميّتها التاريخية التوثيقية، ولكن هل غيّرت شيئاً ما؟ لتغيير المجتمع يجب أن تحثّي الناس على التفكير، وهذا مستحيل تقريباً."

1549542338716-pigeon
1547544246510-oldladyred

يمكنكم متابعة بهيج جارودي على انستغرام وسناء الخوري على تويتر.