لبنان

pixabay

مجتمع

سألنا سكان المناطق الاقل حظاً في لبنان عما تحتويه محافظهم من أموال

كل ما أملكه في محفظتي لا يزيد عن 15 دولار
2018 يناير 04, 9:16am

"سويسرا الشرق" تعريف تكرر على مسامعنا خلال نشأتنا في توصيف بيروت، ولكن مثلها مثل باقي مدن العالم، من لندن الى باريس وغيرها، تحتوي بيروت على تناقض واضح معيشياً، فأنت تنتقل من منطقة أرستقراطية، حديثة المباني، مليئة بالشجر والسيارات الباهظة الثمن، إلى منطقة خجولة معيشياً، شعبية، يكثر فيها البناء العشوائي، وقلة فرص العمل. "طريق الجديدة" في العاصمة اللبنانية بيروت هي واحدة من المناطق الاقل حظاً. هذه المنطقة الملاصقة لمخيم صبرا وشاتيلا المكتظ والذي يضم لاجئين فلسطينيين منذ الثمانينات، باتت اليوم وجهة للسوريين الفلسطينيين الذي غادروا سوريا هرباً من الحرب. محاطةً بالمخيم الذي يغرق بما فيه من مشاكل معيشية، تعيش المنطقة اليوم أزمة مزدوجة، اكتظاظ سكاني، غلاء معيشي، وشبه انعدام لفرص العمل المناسبة.

بطء النمو الاقتصادي وتأثيرات النزوح السوري على الاقتصاد، وزيادة نسبة العمالة غير الرسميّة، كلها عوامل أثرت على قدرة الاقتصاد اللبناني خلال العقد الأخير على لخلق فرص عمل جديدة. وبحسب ارقام البنك الدولي يدخل 23 ألف فرد سوق العمل اللبناني سنوياً، لاستيعاب هذا العدد يحتاج لبنان إلى خلق أكثر من 6 أضعاف عدد الوظائف الموجودة أساساً، فيما وصلت نسبة البطالة حوالي الى 21%. بحسب صندوق النقد الدولي، جاء لبنان في المرتبة السابعة عربياً في متوسط دخل الفرد السنوي حيث يحصل الفرد الواحد على مبلغ 11 ألف دولار سنويا فقط. قد تبدو الارقام مخيفة للبعض، وقد يجد البعض الآخر صعوبة في ترجمتها على ارض الواقع. لهذا قررنا أن نسأل سكان منطقة "طريق الجديدة" وبعض سكان مدخل المخيم الملاصق عن مصاريفهم الشهرية وعن ما يتبقى في محافظهم وحساباتهم المصرفية قرابة نهاية الشهر.

وسام (45)، عامل متعدد المهارات بحسب وصفه: "أبحث عمن يقدم لي فنجان قهوة مجاني."

تصوير لونا صفوان

"يتراوح متوسط دخلي الشهري بين 350-450 دولار، حسب أيام العمل في ذلك الشهر، فأنا أعمل بمهن مختلفة: أقوم بتوصيل حاجيات لسكان المنطقة، أحيانا أصلح السيارات مع زميل لي في كاراج قريب، وفي بعض الايام، أشارك بالعمل في ورش للعمار أو الطلاء أيضاً. 20 الشهر هو بمثابة نهاية الشهر بالنسبة لي، ولهذا اضطر إلى الاستدانة طوال الوقت للأسف. محفظتي اليوم فارغة، اليوم 20 ديسمبر، انظري لا شيء. الاكتظاظ السكاني في هذه المنطقة رفع من حجم المنافسة تحديداً في المهن المتواضعة، أصحاب المصالح يبحثون عن عمال يتقاضون أجوراً أقل. لا أقول أن السبب هو نزوح الأخوة السوريين، ولكن أصحاب المصالح هم من استغلوا النزوح، لكي يخلقوا جواً من المنافسة بين العمال، فنصبح بالتالي مضطرين للقبول بأجور أقل مقابل فرصة العمل التي ستعيلنا."

نسرين (37)، تعمل في محل صغير لبيع فساتين السهرة ومستحضرات التجميل: "أضطر أن أقول لا لأطفالي."

"أعيش مع أولادي الثلاثة في بيت صغير في طريق الجديدة. لا يتخطى المبلغ الذي أحصله شهرياً من عملي 700 دولار، فأنا مضطرة لدفع إيجار المحل والمنزل ومصاريف المدارس، أتشارك المسؤولية مع زوجي، ولكن المصروف كبير جداً، فلدي ثلاث أطفال، لذلك اضطر أحيانا أن أقول لهم لا، عن لعبة أو وجبة معينة، وذلك يجرحني كثيراً، ولكنني لا أستطيع أن أستخدم المال المخصص لإيجار المحل من أجل تحقيق كل أحلامهم ومتطلباتهم للأسف. أنا مصرة على ذهابهم الى المدارس، لا أريد أن تواجههم التحديات نفسها التي نخوضها عنهم اليوم. منذ بضعة أشهر اقترحت والدتي أن افتح حساب بنك صغير متواضع لكي أحتفظ فيه بالمال الاضافي لحالات الطوارئ. وضعت في حسابي المصرفي 250 دولار، كان ذلك في الصيف، المبلغ لا يزال ثابتا في الحساب، ولكني لم أستطع أن أدخر شيء حتى الساعة. كل ما معي حالياً ما يقارب العشرين دولار ونحن في منتصف الشهر."

سام (29): "فقدت الأمل بالتخطيط للمستقبل."

"أُحصّل تقريباً على 450 و600 دولار في الشهر، ولكن ليس لدي معاش شهري فأنا أعمل بدوام جزئي في محل لألعاب البلياردو بالقرب من مكان إقامتي في طريق الجديدة. في بعض الأحيان أنجح بالحصول على بعض المال الاضافي من خلال عملي في مشاريع مستقلة. أعيش حياتي يوم بيوم، حاولت التقديم على عدة وظائف، وظائف عادية: نقل، ورش عمل، محلات بيع ثياب، ولكن بدون أي نتيجة. بعد العمل أقضي معظم الوقت في هذه القهوة أدخن النرجيلة. تاريخ 25 الشهر هو فاصل بالنسبة لي، كل ما أملكه في محفظتي لا يزيد عن 15 دولار فقط في الأيام الخمسة الاخيرة من الشهر. لا أدخر أي أموال لأني ببساطة، فقدت الأمل بالتخطيط للمستقبل."

وهيبة (48)، تجلس في بقالتها على أحد مداخل مخيم صبرا وشاتيلا: " اضطر إلى الاستدانة من الاصدقاء."

"أحاول أحياناً برمجة مصاريفي الشهرية، ولكنني لا أنجح لأن الميزانية صفر. علي أن أقوم بدفع إيجار المساحة الصغيرة لهذا الدكان بالإضافة إلى ايجار منزلي الذي اسكن فيه مع أطفالي الأربعة. متوسط الدخل والربح اليومي من الدكان هو 60 دولاراً، ما أقوم به عادة هو أنني أقسم المبلغ نصفين، النصف الاول أخبأه وأمتنع عن صرفه مهما حصل، وأحاول محاربة الايام بالمبلغ المتبقي حتى لو كان ذلك يعني أن أستدين بعض الاغراض من دكاني الخاص. ولكن احيانا اضطر إلى الاستدانة من الاصدقاء ولكن أعمل جاهدة على رد الدين في وقته."

أبو إياد (45) يدخن سيجارته: "أعتمد على المساعدات المتواضعة التي تخصصها المنظمات الدولية للاجئين."

"وصلت إلى مخيم صبرا وشاتيلا منذ ست سنوات، كانت خطتي الأساسية محاولة الوصول الى أوروبا مع عائلتي، ولكني وجدت نفسي سجيناً في مخيم جديد يختلف كثيرا عما عهده في مخيم اليرموك في سوريا. كنت مستثمراً وبائع عقارات في سوريا، اليوم أعتقد أنني لا شيء هنا، أبحث يومياً عن فرصة عمل، أو فرصة هرب بصراحة، فالوضع لا يطاق، نحن عبء إضافي على سكان هذا المخيم وعلى سكان بيروت ولبنان. أتمنى احياناً لو كنت سجيناً في سوريا، أعتقد أن ذلك سيكون أفضل، لأنني عاجز تماما ًهنا. أنا مستعد لخوض مغامرة الهجرة بالبحر وربما الموت، لتتاح لي فقط فرصة محاولة الخروج من هذا السجن الكبير، إن متّ كان به، وإن بقيت على قيد الحياة حينها سأقول الحمدالله.

في بعض الأيام أحصل على فرص عمل ولكن معظم الوقت أعتمد على المساعدات المتواضعة التي تخصصها المنظمات الدولية للاجئين. لا أملك حساب مَصرفي لأن حصول السوري أو السوري الفلسطيني على حساب مماثل صعب جداً في لبنان، وكل ما أملكه في محفظتي هو 100 دولار، كنت قد ساعدت ببعض أعمال إعادة الترميم في مبنى من المباني منذ ثلاثة أشهر، ومساء أمس قرع صديقي باب المنزل وقدم لي مغلفاً وقال كل عام وانت بخير، أخيراً صاحب المشروع أفرج عن مردودنا المادي، وهذا المردود هو كل ما معي في محفظتي وجيبي وحسابي المصرفي الوهمي."

فادي (23)، يجلس خلف مكتب أنيق في محل لبيع الهواتف: "أملك ما يكفي من المال لسد حاجاتي."
"أملك حالياً محلين لبيع الهواتف. لو لم أترك الجامعة لما استطعت المزاحمة والمنافسة ودخول سوق العمل بالقوة. أقدم الكثير من العروضات الجيدة لزبائن المنطقة، ولكن الدَين ممنوع طبعاً. أملك في حسابي المصرفي ما يقارب السبعة آلاف دولار. لا تفصحي عن كنيتي رجاءً، فلربما قرر أحدهم اختطافي غداً. (يقول مازحاً). المال موجود اليوم ولكن للأسف قد أضطر الى صرفه، المسؤوليات كبيرة، وأنا معيل لنفسي وعائلتي. 7 آلاف دولار لن يكون مبلغاً كافياً لتغطية مصاريفي لمدة شهرين في حال انقطعت عن العمل لأي سبب من الاسباب. المال الذي أملكه اليوم في حسابي وكل مال العالم، لن يشعرني بالأمان بسبب الخضات المتكررة التي قد تعصف بلبنان في أي لحظة."

أم محمد (52): "تخليت عن محفظتي منذ سنوات."
"أعيش في مخيم صبرا وشاتيلا بعد نزوحي من سوريا إلى لبنان. كان زوجي معيلًا للعائلة ويساعدني في أعمال مختلفة إلى جانب استثمارنا في دكان صغير. ولكن توفي زوجي محمد منذ أسابيع قليلة وأنا الآن المعيل الوحيدة للعائلة والاحفاد. تخلصت من محفظتي منذ سنوات، فالمبالغ التي أملكها لا ترقى لمستوى حفظها داخل محفظة، ولا تمضي ساعات قليلة قبل أن أضطر لصرف المبلغ الذي حصلت عليه، ما الفائدة من المحفظة اذا؟"

@LunaSafwan