جاكسون المُتهم: أكره الفعل المنحرف وأُحب الأسطورة

شترستوك

رأي

جاكسون المتهم: أكره الفعل المنحرف وأحب الأسطورة

أشعر بقدر هائل من التعاطف مع "مايكل الطفل" الذي تعرض للتحرش الجنسي في صغره، وليس نجم موسيقى البوب المتحرش بالأطفال
17.3.19

استيقظت منذ أيام على رسالة من أحد أصدقائي تحمل رابط لخبر عن فيلم تسجيلي عن شابين يحكيان قصة عن تحرش أسطورة البوب مايكل جاكسون بهما، قرأت المقال في الثامنة صباحًا ثم ارتديت ملابسي لأذهب الى العمل وأنا أشعر أن يومي قد فسد بأكمله. أؤمن تمامًا أنه ليس من الضروري أن يكون لنا رأي في كل شيء يحدث في العالم، هناك الكثير من الأشياء البشعة تحدث وهناك أشياء قد تدفعنا دفعًا للارتباك وسوء التقدير، وكثيرًا ما يكون الصمت والتجاوز خيار أفضل من الإدلاء برأي في الأغلب سيهاجمه العشرات. في الأغلب سنشعر في لحظة ما أننا ربما قد جانبنا الصواب فيما رأيناه حتى إن كانت الحقيقة واضحة للآخرين.

إعلان

وبعد محاولات هروب عديدة من منشورات تحمل هجوم شديد على المطرب الأسطوري أو تدافع عنه في ثقة عجيبة وبلا ذرة شك واحدة، دُفعت دفعًا لأن أشاهد الفيلم. حاولت طوال الأربع ساعات (مدة الفيلم التسجيلي) أن أضعه في خلفية الأحداث وأنا أشغل نفسي بأشياء أخرى، ولكن في لحظة ما، لم أستطع أن أتمالك نفسي من أن أترك كل شيء وأتفرغ لمشاهدة شهادات الضحايا ووصفهم التفصيلي لما كان يحدث بينهم وبين مايكل منذ أكثر من عشرين سنة. لا يمكن الآن أن نقع في الفخ الذي نحاول أن ندرب نفسنا على تجنبه، لا يصح أن نقول "ايه اللي وداهم هناك" أو "لماذا لم يتكلموا وقتها ويحكون للعالم عن وقائع أتت على ألسنتهم كوقائع تحرش جنسي واضحة وصريحة؟" "لماذا تبدو القصة متماسكة أكثر من اللازم وكأنها كُتبت خصيصا من أجل أن تتحول إلى فيلم تسجيلي؟" الكثير من التشكيكات من السهل جدًا أن تطرح نفسها في قصة قد لا تبدو غريبة لمن يعرفون كيف كانت حياة المطرب المشهور غريبة وغير تقليدية بالمرة.

الفيلم أيضًا يبدو على قدر كبير من الارتباك، هناك الكثير من التعبير عن الحب والتقدير والمشاعر الطيبة في شهادات الضحايا، هناك تأكيد على طول الخط أنهم لم يشعروا للحظة أن هناك شيء غير طبيعي في علاقتهم بمايكل حتى عندما تحولت العلاقة من "صداقة" كما كان يسميها هو، الى استغلال جنسي وتعدي من رجل بالغ على صغار لا يملكون من أمر نفسهم شيء. حكايات الضحايا تبدو على درجة عالية جداً من التعقيد، فهم يقولون بوضوح أنهم لم ينزعجوا وقتها من الممارسات الجنسية، وهذا أمر أراه على قدر من الغرابة عندما يصل الأمر الى إجبار أطفال في هذا السن الصغير على الجنس الفموي مع رجل بالغ، هذا أمر ربما يحتاج الى قامة كبيرة في عالم الطب النفسي كي يشرح لنا كيف يمكن أن يكون هذا مقبولًا لطفل بلا أي تجربة جنسية، بلا أي تجربة من أي نوع، كيف يحكي عنه الشخص البالغ اليوم وكأنه أمرًا عاديًا؟

أتفهم كل هذا الغضب على الرغم من أنها ليست مفاجأة أن تحيط بـ جاكسون شبهات التحرش، وليس من الضروري أن نعيش تحت سريره لنرى أن علاقته بالأطفال لم تكن طبيعية

كل من كانوا مهوسين يمايكل في طفولتهم وسنوات مراهقتهم يعرفون ارتباطه بشخصية "بيتر بان" الشهيرة، والتي على الرغم من الفيلم الطفولي اللطيف، إلا أنها أيضًا ارتبطت بمتلازمة بيتر بان، الطفل الذي لا يكبر أبدًا. الطفل الذي يظل على نفس القدر من الجموح والحرية وفي نفس الوقت لا تخلو شخصيته من الأنانية وعدم الثقة بالنفس وإحساسه الدائم بالوحدة، هذا بالطبع إذا تجاوزنا أن هذا الـ"بيتر بان" كان أبوه يدفع به دفعًا الى حانات التعري ليقوم بالاستعراضات الراقصة والغناء وهو لم يكمل عامه الثامن. أما اليوم وفي أثناء الهجوم الضاري على مايكل وحياته الصاخبة وجنونه وتغيير لون بشرته واتهامات الآلاف حول العالم بأنه متحرش بالأطفال، لا يأت ذكر ما واجهه مايكل في طفولته إلا في سياق عابر للغاية "آه ما هو كمان اتعرض للتحرش وهو طفل" وبلا أي ذرة من التعاطف من جهتي مع أي شخص يستغل طفل جنسيًا، إلا أنني أعتقد أن السلسلة التي لن تنتهي بمايكل، لا يتناول أحد ما يحدث بها سوى إن جلبت بعض الشهرة وبالتأكيد الكثير من المال.

في الحقيقة أشعر بقدر هائل من التعاطف مع مايكل جاكسون - الطفل الذي تعرض للتحرش الجنسي في صغره، وليس نجم موسيقى البوب المتحرش بالأطفال - كل هذه الموهبة وكل هذا الأذى الذي لاقاه من عائلته المباشرة، كل هذه الوحدة والحياة الجامحة. هذا شخص لم يجد من يعطيه أي قدر من المحبة في سنوات لا تحتاج سواها، وعندما كبر قليلاً، لم يجد من يمنحه العلاج النفسي الذي كان يحتاجه بشدة، لم يجد سوى عالم يتعامل معه على أنه" دجاجة تبيض ذهب" وكلما زاد النجاح زادت الوحدة، وكلما زادت الشهرة زادت درجة المرض. أشعر بكثير من الأسف أن هذه الأسطورة لم تتلق المساعدة التي احتاجتها والتي إن كانت تلقت المساعدة اللازمة، لأنقذت عشرات الضحايا من التحرش الجنسي والاستغلال العاطفي والصدمات طويلة المدى. ولكن هل هناك أي أساطير سوية؟ الأشخاص غير العاديون لا يخلون أبدًا من الأمراض النفسية. في الحقيقة أشعر بالأسف لمايكل الذي عاش ومات وهو يعاني الوحدة والاتهامات المتتالية والأمراض التي تزايدت يوم بعد يوم، هذا شخص - من الحكايات والقصص التي ربما تكون كلها خالية من الحقائق - عاش بالفعل في عالم غير حقيقي، عالم اخترعه كالفقاعة التي احتمى بداخلها مع مجموعة من الأطفال الذي تصور أنه يحميهم بكل الشهرة والأموال الطائلة والحب الذي أغدقه عليهم بطريقته كما يحكون، كل الحكايات تبدو وكأنه في نفس سنهم، يلعبون ويكبرون سويًا، ويتعرفون على التجارب الجنسية سويًا، حتى أنه من السهل أن ينسى المتفرج أن هذا رجل ناضج يتحرش بطفل لا حول له ولا قوة وأنهم مجرد أطفال يتعرفون على الجنس معًا. هل هناك أمراض نفسية تفوق هذه المأساة؟

هناك خمسين درجة من اللون الرمادي، ليس من بينهم بالتأكيد التعاطف مع المتحرشين بالأطفال، ولكن بالتأكيد يوجد درجة أو اثنتين من التعقل، وبمناسبة التعقل، هل يوجد ما هو مضحك أكثر من محاولات منع أغاني مايكل جاكسون من العالم؟

هذا عالم لا عدل به، ولا أحد يأخذ كل شيء، أما هؤلاء الضحايا، فأرجو أن ينجح أطبائهم النفسيين في مداواة صدماتهم وفي معالجة كم الجروح الذي تسببت فيه تجاربهم المبكرة، أرجو أن يستطيعوا أن يحموا أولادهم من تجارب مشابهة وأن لا تعمي الشهرة أعينهم إذا وضعوا في مواقف مشابهة، نحن نعيش في عالم صعب وقاسي، وإلى أن نتعرض لاختبارات واضحة من الحياة، فنحن لم ننجح في أي تجربة، ومن المضحك أن نلقي بالحجارة على عائلات الضحايا ونحن لا نعرف كيف كنا لنتصرف إن وُضعنا في مواقف مشابهة.

هناك خمسين درجة من اللون الرمادي، ليس من بينهم بالتأكيد التعاطف مع المتحرشين بالأطفال، ولكن بالتأكيد يوجد درجة أو اثنتين من التعقل، وبمناسبة التعقل، هل يوجد ما هو مضحك أكثر من محاولات منع أغاني مايكل جاكسون من العالم؟ لا أعرف من توصل الى هذه الفكرة العبقرية التي تدل على الكثير من الإنكار لحقيقة أن مايكل أسطورة حقيقية وأن الملايين يحفظون كل ما غنى في يوم من الأيام ويحملون إرثه، هذا نوع من العقوبات المجتمعية التي لا تدل سوى على سذاجة وقلة حيلة، في حين أنه من الممكن أن تستخدم القصة بأكملها كنوع من دق الأجراس لخطورة المرض النفسي والتحرش بالأطفال، سواء كان مايكل هو الضحية أو ضحاياه، من الممكن أن تستخدم القصة للتقليل من الكثير من الكوارث المستقبلية دون اللجوء لحلول لن تؤذي جثة غادرت العالم منذ سنوات، ولن تؤذي حتى سيرتها التي مازال يدافع عنها الملايين حول العالم، حتى وإن رأوا حوادث التحرش بأعينهم، دعونا لا ننسى أن هناك من لا يزالوا يقدسون هتلر ويرونه أسطورة لا مثيل لها.

إعلان

أتفهم كل الغضب الموجه لمايكل اليوم على الرغم من أنها ليست مفاجأة على الإطلاق أن تحيط به شبهات التحرش بأطفال، بعد كل الدعوات التي وجهت ضده، بعد كل الأطفال الذي لم يخلو منهم مضجعه، بعد حياته الصادمة سواء كطفل أو كنجم عالمي، هي ليست مفاجأة، هذه أحاديث تتكرر منذ التسعينات بنفس النمط والأسلوب والمفردات، حقيقية كانت كلها أم بعضها، صادقة أو هادفة لأشياء أخرى، فمن يستطيع أن يغلق أعينه عن كل العلامات التي امتلأت بها حياة مايكل وكانت تظهر كمشاهد واضحة وليست فقط شبهة بسيطة تقبل الصواب والخطأ عن استخدامه أطفال جنسيًا وعاطفيًا، هو شخص يعيش في أنهار من الإنكار. ليس من الضروري أن نعيش تحت سرير مايكل جاكسون لنرى أن علاقته بالأطفال لم تكن طبيعية.

هذا المقال لا يدافع عن متحرش بالأطفال لمجرد أنه أيقونة في عالم البوب، هي فقط مرثية لكل شخص يعاني المرض النفسي ولا يجد من يقدم له المساعدة

هذا مقال يتعارض مع الفكرة الأساسية وهي أننا ليس من الضروري أن يكون لدينا رأي في كل شيء يحدث في هذا العالم، ومن الأسهل والأفضل أن نتجنب هذا النوع من التعبير عن الآراء عندما يكون الموضوع مفخخًا مثل ما نحن بصدده هنا. ربما دفعني الفيلم التسجيلي Leaving Neverland إلى كتابة هذا المقال، حتى وأنا لا أجده فيلمًا خالصًا أو صادقًا بدرجة مائة بالمائة، حتى وأنا أصدق بعض كلام الضحايا وأجد بعض خطابهم متماسك، حتى وأنا أشعر من قلبي بالألم أنه لا يوجد من يحمي الأطفال الصغار، وأن هناك من السواد في هذا العالم ما يمكنه أن يحول الأشخاص إلى مجرمين وضحايا، وفي حالات كثيرة الى مزيج من الاثنين مجتمعين، وأن الشهرة والمال قد يستطيعون حماية الشخص من السجن ولكنهم لن يستطيعون حمايته من مارد المرض النفسي ومن الوحدة ومن نفسه أحيانًا.

أرجو أن لا تصنف هذه المقالة الحزينة على أنها مقالة صفراء موجهة لمدمني الأخبار الساخنة المثيرة للجدل أو الـTabloid junkies كما سماهم مايكل يومًا ما، وأرجو ألا يراها أي شخص أنها تدافع عن متحرش بالأطفال لمجرد أنه أيقونة في عالم البوب لأنها ليست كذلك، هي فقط مرثية لكل شخص يعاني من المرض النفسي ولا يجد من يقدم له المساعدة، هي أيضًا مرثية لكل الأشخاص الذين عانوا من هذا الأذى بسبب أفراد العائلة وهو الشيء الذي نتأكد يومًا بعد يوم أنه أصل كل الأمراض التي نعاني منها اليوم. وفي النهاية ليس من الضروري أن أكره أعمال الشخص الذي قام بالفعل المشين، عندما تتجاوز هذه الأعمال الموهبة العادية فمن حقي أن أحب العمل أو الأغنية أو الفيلم وأن أحتفظ برأي مختلف في شخصية صاحبها، فمحاولة ازدراء العمل العبقري هي محاولة لا تنم سوى عن سذاجة. عبقرية العمل ستظل خالدة، أما أفعال الشخص فستحتمل كل الجدليات والنظريات والآراء إلى نهاية الزمن.