صحة نفسية

هل يمكن للطب النفسي أن يقضي على الشر في العالم؟

أيهما أكثر شرًا، من يقتل تلذذًا بالقتل أم من يقتل طمعًا في المال؟
10.4.19
الشر

pixabay

خلال المرحلة الثانوية حملت مشاعر كراهية شديدة لأخصائية في المدرسة. كنت ومازلت أراها نموذجًا صافيًا للشر، أفسدت العديد من أنشطتنا الإذاعية والبيئية بحجة أننا لسنا في الفصول أو أننا نرتدي زيًا مخالفًا لزي المدرسة، بالرغم من أننا حصلنا على إذن ناظر المدرسة الذي كان يقف صامتًا ثم ينصاع لكلماتها بعد أن تصفنا بأننا فتيات غير محترمات. وصل بي الشك إلى أن لديها مستندات تدين مدير المدرسة لذا يضطر للانصياع لها. وصل بها الاستهتار إلى أنها كانت على وشك أن تترك حافلة معطلة من حافلتين عائدين من رحلة نظمتها على طريق سريع، لولا أن الطلاب في الحافلة الأخرى هددوا بأنهم لن يتركوا الحافلة تسير إذا لم تتوقف لتركب الطالبات في الحافلة المعطلة.

إعلان

لم أفهم سببًا لأفعالها، لذا قررت أن اعتبرها رمزًا للشر يمكن استخدامه في السينما بدلًا من محمود المليجي والجوكر. في روضة الأطفال بدأ تعرضي للشر، ويمكنك اعتبار هذا الشر مبرر أو غير مبرر ولكنه في النهاية فعل يندرج تحت وصف تعمد الإيذاء والتنمر. بدأ عندما طلبت مني زميلة في السنة أن أسب نفسي وهي تنظر إلى بكراهية شديدة. فعلت ما طلبت دون أن أفهم أن ذلك شر، ولكني احتقرتها عندما بدأت تعاملني بالكثير من المداهنة بعد أن اكتشفت المعلمة فعلتها وطلبت منها أن تعتذر لي وأن تعدها بعدم تكرار ذلك. كرهت مداهنتها أكثر مما كرهت فعلها الأساسي. عندما أفكر فيما حدث، أتعجب من نظرتي لما فعلته: هل اعتبرت تنمرها شر مبرر ومداهنتها شر غير مبرر؟

هل يمكن تبرير كل ما فعلته بأنه ناتج عن أي عيوب في التربية أو التفكير أو اضطراب الشخصية الذي يمكن معالجته نفسيًا حتى لا يتضرر الآخرين من شرها؟ كيف يمكن اكتشاف الشر من الأساس؟ وهل يمكن للطب النفسي أن يُعالج الأشرار ويحمينا منهم يومًا بافتراض أننا استطعنا اكتشاف وجودهم وعرضهم على أطباء نفسيين؟

ما هو الشر؟
هل من الأساس يمكننا إطلاق لفظ "الشر" على أفعال شخص؟ في أغلب الأحوال تتراوح أفعال البشر بين الخير والشر، ولكن وفقًا لـ"أرسطو"، فإن الشر يوحي باستمرارية فعل الأشياء السيئة. ولكن الشر مرتبط أيضًا بقواعد اجتماعية ودينية كما أنه كلمة غير موضوعية يمكن الحكم بها على مريض. يقول روي بوميستر، عالم النفس الاجتماعي، في كتابه "الشر: في القسوة والعنف البشري"، أن الشر ليس سوى صورة غير حقيقية نفرضها على الخصم.

ولكن فلنفترض أن الأشرار هم من يفعلون الأفعال السيئة وهم يعرفون أنها مؤذية للآخرين دون مبالاة بهم، بل قد يتلذذ بعضهم بهذا الإيذاء، ويندرج تحتهم القتلة المتسلسلين والمغتصبين. ولكن أيهما أكثر شرًا؟ من يقتل تلذذًا بالقتل أم من يقتل طمعًا بالمال؟.. إذا ما افترضنا أننا استطعنا حل المشكلات الاجتماعية التي قد تتسبب في أن يرتكب بعض البشر الجرائم، فهل سيمتنع جميع البشر عن ارتكاب الشر أم سيظل هناك من يمارسونه لأسباب نفسية وعقلية؟

إعلان

وفقًا لجيمس إل كنول، مدير قسم الطب النفسي الشرعي والأستاذ المساعد في الطب النفسي في جامعة ولاية نيويورك – جامعة أبستيت الطبية، في مقاله في مجلة الأكاديمية الأمريكية للطب النفسي والقانون إن ارتكاب الأفعال المؤذية عمدًا ينبع من التفاعل المعقد للقوى البيولوجية والنفسية والاجتماعية وبعض المتغيرات الأخرى وليس من المحتمل أن تؤدي إحدى تلك القوى بمفردها إلى ارتكاب الشر. ولكن إذا أردنا تقريب الشر من مساحة الاضطرابات النفسية والعقلية، فلدينا مجموعة من البشر يمكن الإسقاط عليهم.

مريض نفسي أم شرير؟
الجوكر.. هانيبال ليكتر.. نورمان بيتس.. وجوه قد يقشعر لها بدنك وأنت ترى ابتساماتهم أثناء وبعد ارتكاب جرائم بشعة ولكن ما يهوّن الأمر أنك تراهم على شاشة التليفزيون، ولكن الأمر المفزع أن أمثالهم موجودون في الواقع. يحدثنا إليوت دي كوهين، رئيس معهد التفكير النقدي وأحد المؤسسين الرئيسيين للاستشارة الفلسفية في الولايات المتحدة، في مقاله "هل الأشرار مجانين؟" عن اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع الذي يندرج تحته الشخص السوسيوباتي والسيكوباتي مع وجود بعض الاختلافات بينهما (وفقًا لأستاذ علم الجريمة سكوت بون) بين الحالتين اللتين يجمع بينهما "تجاهل قوانين المجتمع، وتجاهل حقوق الآخرين، عدم الإحساس بالذنب أو الندم، والميل إلى العنف تجاه الآخرين".

ها هو اضطراب عقلي قد يتشابه مع الانحراف الأخلاقي، ولكن توماس ساس، أستاذ الطب النفسي في جامعة ولاية نيويورك – جامعة أبستيت الطبية، رأى أننا نعتبر الأشخاص الذين يخرقون القواعد الاجتماعية والسياسية والأخلاقية مرضى عقليين بدلًا من أن نعتبرهم أشرار، فما الفارق إذن بين الكلمتين؟ كلاهما حكم أخلاقي.

إعلان

في كتابه "The Psychopath whisperer"، عرض د. كينت كيل، عالم النفس في جامعة نيوميكسيكو وأحد أهم الخبراء في السيكوباتية، اكتشافه الذي توصل إليه في 2012 وهو نقص المنطقة الرمادية في الجهاز البارالمبي بالمخ عند السيكوباتيين، ووفقًا لمقال "لوزة الدماغ.. بذرة الخير والشر" لــ"يوديجيت باتاشارجي" في مجلة ناشيونال جيوجرافيك، اكتشف أيضًا أن السيكوباتيين مصابون بإعاقات في شبكة الاتصالات في المخ التي تساعد على تحليل المشاعر واتخاذ القرارات وتحديد الأهداف والتحكم بالسلوك الاندفاعي بناءً على فحوصات أجراها على أدمغة أكثر من 4000 سجين.

وهنا يأتي السؤال الذي بدأنا به: هل يمكن للطب النفسي أن يقضي على هذا الشر؟

يقول د. نايجل كلاوود، طبيب نفسي رائد في مجال الطب الشرعي في كينجز كولدج بلندن، إنه يمكن إخضاع السيكوباتيين للعلاج ولكنهم لن يُشفوا، إذ أنهم لا يخافون العقاب ولا الوصمة الاجتماعية ولا يشعرون بالحاجة للخضوع لقوانين المجتمع، ولكن يبدوا أن العلاج القائم على المكافأة قد يحرز تقدمًا في السيطرة على سلوكهم المؤذي.

يسرد لنا د. كيل في كتابه أن طاقم العمل في مركز ميندوتا لعلاج الأحداث (MJTC) طوّر نموذج إزالة الضغط، والسمة المميزة له كانت التعزيز الإيجابي، وهو المكافأة عند ملاحظة أي سلوك إيجابي من المجرمين الشباب وزيادة المكافأة كلما استمر السلوك الإيجابي.
وكانت النتائج كالآتي: 98% من الشباب اللذين لم يُعالجوا في مركز ميندوتا أُلقي القبض عليهم في خلال 4 سنوات، بينما أُلقي القبض على 64% فقط من الشباب الذين تلقوا هذا التأهيل في مركز ميندوتا، كما أن أيًا منهم لم يرتكب جريمة قتل واحدة!

نتيجة مذهلة بالفعل، ولكن الخوف ممن لم يُلقَ القبض عليهم أو ممن لا يرتكبون جرائم عنيفة تجاه الآخرين ولكن يستمتعون بخداعهم والتحكم بهم.