مهندس معماري يعمل على موقع تراث عالمي مدمر في سوريا. الصور من: AGP

كيف يُعيد السوريون بناء الآثار التي دمرها داعش؟

تعمل شركة ترميم فرنسية مع شركات محلية لاستعادة أهم التحف والآثار الثقافية

|
2019 03 11, 7:34am

مهندس معماري يعمل على موقع تراث عالمي مدمر في سوريا. الصور من: AGP

في صيف عام 2015، حلّق قمر صناعي فوق مدينة تدمر السورية، حيث كان تنظيم داعش يعيث وينشر الرعب هناك. من مكاتبهم بجنيف، قام خبراء من وكالة الأمم المتحدة - UNITAR (معهد التدريب والأبحاث) بفحص الصور التي التقطها القمر الصناعي، وخاصة المبنى المركزي لمعبد "بل" - موقع للتراث العالمي سابقاً - والذي تم تدميره تمامًا، والذي تمكن الخبراء من معرفته من أنقاضه وحطامه، وباب المبنى، الذي لا يزال صامداً بطريقة ما.

بعد ذلك بعامين، في يوليو من عام 2017، كان أوريليان بيروكس - مهندس يعمل لدى الشركة الهندسية المعمارية الفرنسية AGP- يقف بجوار باب هذا المعبد، وهو الأكبر في تدمر، بعد أن تم تحريره من سيطرة داعش. وكان إطار الباب المكون من الحجر الجيري المذهل انحنى بشكل ينذر بالخطر، مما يهدد بانهياره بين الأنقاض، كان بيروكس محاطًا بمجموعة من الجنود السوريين من أجل الأمن، ومسلحًا بآلة مسح بالليزر، وراقب بيروكس بحذر أين كان يقف، فقد عرف عن تنظيم داعش قيامه بزرع ألغاما أرضية على حدود معاقلهم القديمة. وسط صوت الانفجارات البعيدة التي تتخللها طلقات الأعيرة النارية، عاين بيروكس الباب من جميع الزوايا؛ لمعرفة كيفية إنقاذه من الانهيار.

1551610299285-
أوريلين بيروكس في وليو من معبد بيل في تدمر، سوريا (©Art Graphique et Patrimoine)

معبد بل، إله بابلي أكادي الأصل، هو معبد واحد فقط في قائمة طويلة من الآثار السورية - مثل سوق حلب وقلعة الحصن في حمص - التي تضررت بشدة من الحرب الأهلية. ومنذ أن فقدت داعش سيطرتها على جزء كبير من أراضيها، قام عدد من الفرنسيين من المتخصصين في إعادة الإعمار - بالسفر إلى سوريا للمساعدة في إنقاذ هذه القطع الأثرية التاريخية المتضررة.

ويقول غاييل هامون، رئيس شركة AGP، الذي بدأ مسيرته المهنية كنحات حجري: "إن عملنا يشبه إجراء التصوير بالرنين المغناطيسي، ولكن على مبنى." وأضاف هامون "بفضل البيانات، يمكننا أن نرى أن باب معبد بل يميل لم يعد مستقرًا وذلك لعدة أسباب." ويضيف بيروكس أنه بدون هذه البيانات سيكون من المستحيل معرفة مدى قوة الآثار المتبقية وكيفية الحفاظ عليها، ومن ثم يتم هذه المعلومات إلى المهندسين المعماريين السوريين.

في حين أن موظفي شركة AGP معتادين على العمل في البيئات الصعبة، مثل؛ أفغانستان، صومال، مدغشقر، العمل في منطقة حرب يأتي معه مجموعة من المفاجآت. ويشير بيروكس: "عندما كنا نقوم بأعمال المسح على المسجد الأموي في حلب، لاحظ زميلي أن هناك متفجرات غير مكتشفة لا تزال داخل الجدار." يشير بيروكس إلى أن الأمور تختلف تمامًا عندما تكون في موقع العمل في فرنسا مثلاً: "عليك توخي الحذر عند القيام بمسح صور بالقمر الصناعي في منطقة حرب، على سبيل المثال، إذا قمنا بمسح عرضي لدبابة روسية، فقد يسبب هذا الأمر بعض المشاكل."

1551610355353-
عملية المسح في قلعة الحصن، سوريا.

يقوم فرانسوا براود حاليًا بتدريب السوريين على قطع الأحجار، ومنذ أن وصل براود إلى سوريا قبل عامين، اضطر إلى التكيف مع بعض ظروف العمل الخاصة. ويقول براود: "في رحلتي الأولى إلى حلب عام 2017، كانت التفجيرات تحدث بشكل منتظم. كانت التفجيرات تحدث على بعد بضع مئات من الأمتار مني، كان الرجال المسلحون يركضون وراء بعضهم البعض في المدينة القديمة. لكن السوريين عانوا أسوأ من ذلك بكثير، إنه مصدر إلهام بالنسب لي رؤية كيف يحاولون مواصلة حياتهم."

كان سوق حلب في المدينة القديمة، الذي يرحب بالتجار منذ القرن الرابع عشر، سوقاً شعبيًا مهمًا في المدينة حتى تسببت الحرب بتدمير العديد من أجزاء هذا السوق، وتم استدعاء شركة AGP في عام 2017 لإجراء عملية مسح على جزء منه. بعد ذلك، بدأ براود دوراته التدريبية حتى يتمكن العديد من السكان المحليين من الحصول على الأدوات اللازمة لإحياء الأسواق القديمة مع مراعاة تراثها المعماري الأثري.

علي إسماعيل، هو ممثل مؤسسة الآغا خان للثقافة في سوريا والتي أرسلت طلباً لشركة AGP للمساعدة في عملية الترميم، وعن ذلك يقول: "المدينة القديمة ليست موقعًا تاريخيًا فارغًا. يلعب السوق دوراً رئيسياً في النشاط الاقتصادي لمدينة حلب. اعادة إحيائه جزء من خطة أكبر لاستعادة المدينة القديمة، مع أهل حلب في قلبها."

1551610426142-
عملية المسح في أطلال معبد بل في تدمر، سوريا.

إن إعادة تأهيل الآثار التاريخية مثل السوق ليست مجرد مسألة متعلقة بإعادة بناء الماضي، إنه أيضًا أمر متعلق بالاستعداد للمستقبل، والحفاظ على تقاليد المنطقة. ويضيف براود: "يمكن مقارنة الوضع الحالي في حلب بالوضع في بيروت بعد الحرب. في بيروت، تسبب الترميم السيء في أضرار أكثر من الصراع نفسه، حتى في المباني التاريخية، الآن نحن نرى الشيء نفسه نوعاً ما في حلب."

تهدد الحكومة السورية بمصادرة بضائع أصحاب المحلات الذين لم يعودوا إلى المدينة، كما تدفع الحكومة للناس لإعادة طلاء الجدران، ولكن نوعية العمل في كثير من الأحيان ليست كبيرة. ويشرح براود أن شركة AGP لن تتدخل لوقف العمل الذي يتم إجراؤه، بغض النظر عن الضرر، ولكنهم يلتقطون صورًا لسجلاتهم ويقدمون عرضاً للعودة في وقت لاحق لإسداء المشورة.

الهدف، كما يقولون، ليس بأي حال من الأحوال منع السوريين من أخذ زمام المبادرة في استعادة القطع الأثرية الخاصة بهم، بل بالأحرى، منحهم أفضل الأدوات الممكنة ليقرروا بأنفسهم كيفية القيام بذلك. يقول مهندس فرنسي عاش في سوريا منذ الثمانينيات، وهو مستشار لمؤسسة الآغا خان للثقافة وطلب عدم الكشف عن هويته: "ستتم إعادة بناء هذا البلد لمن يعيشون فيه."

ومع هذا المهندس المعماري يسعى براود من خلال مبادرته لتدريب أكبر عدد ممكن من السكان المحليين على تشذيب الأحجار، وهو مشروع ذو أهمية خاصة في حلب، حيث أنها مدينة مبنية من الحجر المشذب بنسبة 80 بالمئة وتقع مباشرة فوق قاعدة من الحجر الجيري. وإلى جانب الأسواق، يقوم براود والمهندس المعماري بتنفيذ إجراءات لاستعادة قلعة حلب، حيث يجري العمل هناك بقيادة بعض المهندسين السوريين العاملين مع براود.

1551610479082-
باب معبد بل في تدمر، سوريا.

ومع ذلك، لا يزال هناك نقص في التنسيق بين مختلف الأشخاص المعنيين، فمن غير المستغرب أن استعادة التاريخ الثقافي لسوريا قد أصبح قضية سياسية. يقول براود: "لا تزال سوريا منطقة حرب وهناك العديد من أصحاب المصالح، ويحاول كل منهم تحويل الأشياء لمصلحته الخاصة. من الناحية السياسية، الأمر معقد، ولحين إيجاد حل في سوريا، فسيظل الأمر معقدًا."

هذا الموقف تشترك فيه مؤسسة الآغا خان للثقافة، التي تنظر إلى عملية الترميم على أنها ليست تحديًا فرديًا أو وطنيًا فحسب، بل أيضًا ضرورة دولية، حيث تم تصنيف عدد من المعالم الأثرية كمواقع للتراث العالمي. "لقد مر على هذه المعالم الأثرية الكثير من الأنظمة السياسية التي جاءت ورحلت. ولكن هذه المعالم تحتاج إلينا، ومهما حدث، سنواصل العمل من أجلهم،" يقول جايل هامون.

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE France