زواج
غرافيك: مريم علي العميرة
زواج

لماذا لم يعد الشباب العرب يرغبون بالزواج؟

لا افهم الأشخاص الذين يتباهون بزواجهم وأطفالهم وكأنهم اكتشفوا الذرة!
1.7.19

"عقبالك"، "نفرح منك"، نشوفك عريس".. عبارات بالتأكيد كل شاب وشابة عربية سمعها مراراً وتكراراً، في المناسبات الرسمية وغير الرسمية. بالنسبة إلى شخص يعتبر الزواج والارتباط من آخر همومه، هذه العبارات تقليدية وحتى استفزازية في بعض الأحيان، وكأن الهدف الوحيد من العيش هو الإرتباط والزواج وإنجاب الأطفال وتأسيس عائلة. ولكن كثير من الشباب في العربي من جيل الألفية بدأوا يرفضون فكرة الزواج، أو على الأقل لم يعد الزواج ضمن أهم أولوياتهم.

إعلان

بحسب دراسة نشرها مركز بيو للأبحاث، فإن احتمالية عدم زواج مواليد جيل الألفية (الأشخاص الذين ولدوا بين أوائل الثمانينات وأوائل الألفينات) هي ثلاثة أضعاف الاحتمالية نفسها لمواليد الجيل الصامت (الذين ولدوا بين عامي 1925 و1942)، أما الأسباب الرئيسية فهي: عدم الاستعداد مادياً (29%)، وعدم التعرف على الشخص المناسب (26%) والشعور بأنه من المبكر جداً الاستقرار وتأسيس عائلة (26%).

أما الشباب من جيل الالفية والذين تزوجوا، فهم قاموا بهذه الخطوة عن عمر أكبر مقارنة بالأجيال السابقة، إذ كان معدل العمر عند الزواج 21 لدى المرأة و23 لدى الرجل، وذلك في عام 1965، ليصبح المعدل اليوم 29.2 لدى المرأة و30.9 لدى الرجل، بحسب الدراسة نفسها، والتي تقول أن جيل الالفية "حَذر" بشكل أكبر، إذ أنه يركز على الحياة المهنية والمستقبل المادي، ما يدفعه الى تأجيل الزواج.

إذا لم يكن الهدف من الزواج هو سعادتي فلن أتزوج

هذه الدراسة تعطينا لمحة جيدة عن جيل الألفية، الذي يعتبر أكثر تعليمًا من الأجيال السابقة، والذي تلعب فيه المرأة دورًا أكبر في المجتمع (ارتفاع نسبة المرأة العاملة من 40% إلى 71%)، إلا أن مكان هذه الدراسة هو الولايات المتحدة الأمريكية. فهل الوضع مشابه في مجتمعنا الذي تنقصه الدراسات اللازمة حيال هذا الموضوع؟ تحدثت مع بعض الشباب من مختلف البلدان العربية، ووجدت أن التشابه كبير في صفات وأولويات هذا الجيل.

ريم، 20 عامًا، طالبة من المملكة العربية السعودية، لا تفكر في الزواج أبداً كما تخبرني: "أنا سعيدة جداً بالعيش مع عائلتي، وأنا محظوظة لأن لدي والد يدعمني دائماً ويحترمني ولا يتدخل بمعظم قراراتي. أعتبر الزواج نوعًا من الترف وليس ضرورة." تقول ريم أنها لست مهتمة بالزواج من رجل لم تختره بنفسها وبكامل إرادتها: "الزوج سيتمتع بسلطة قانونية بإمكانه استخدامها ضدي، ومن المستحيل أن أعطي هذه السلطة لشخص لا أثق به. إذا لم يكن الهدف من الزواج هو سعادتي فلن أتزوج."

كيف لي أن أعيش كل حياتي مع شخص لا أعرفه، لا من حيث تصرفاته وعاداته، أو ما يحب وما يكره جنسيًا

لا تزال خيارات المرأة في السعودية محكومة بنظام الولاية الذي يقيد حقوق النساء البالغات، إن كان من حيث التعليم أو العمل أو التنقل أو السفر أو حتى أخذ القرارات المصيرية مثل الزواج، إلا أن فكرة الزواج مرفوضة من قبل بعض الذكور أيضًا. يقول حسام، 23 عامًا، طالب: "المشكلة في السعودية هي أنه من الصعب أن اتعرف على الفتاة المناسبة، فممنوع أن نخرج في مواعيد غرامية ونتعرف على بعض بسبب التقاليد وكل هذه الأمور التي تفسد من متعة التعارف والالتقاء بالشخص المناسب الذي أريد أن أمضي حياتي معه."

مشكلة حسام مع الزواج أيضًا مادية، "فالفتاة تتعرض لضغوطات من قبل عائلتها التي تطالب بأموال طائلة وعرس فاخر باهظ التكلفة. لا أحد في عمري يملك هذا القدر من المال لتبذيره على عرس." تكلفة الأعراس في الدول العربية هي فعلاً باهظة الثمن، فبحسب تقرير نشره موقع الخليج أونلاين، تتراوح تكاليف العرس بين 30 و55 ألف دولار في السعودية، في حين يرتفع هذا الرقم الى حوالي 70 ألف دولار في الإمارات.

وعند النظر إلى الرواتب، وتحديداً في السعودية، نرى أن الحد الادنى هو 800 دولار (بحسب موقع minimum-wage.org) للمواطنين العاملين في القطاع العام. بمعنى آخر، اذا تريد أن تدخر هذه الـ 800 دولار من أجل زفاف يكلف 30 ألف دولار، فستحتاج الى 3 أعوام من الإدخار من دون أن تأكل أو تشرب.. أو تعيش. هذه التكاليف تدفع الكثيرين إلى "تقليص" الأعراس من حفلات كبيرة في قاعات باهظة الثمن إلى حفلات صغيرة في المنازل، بحسب تقرير نُشر مطلع العام الجاري كشف أن حفلات الأعراس المنزلية تزداد شعبية في السعودية لتكلفتها المتدنية (2.400 دولار في مثال تم ذكره).

رنا، 24 عامًا، من مصر وتعمل في مجال صناعة المحتوى، ترفض الزواج بسبب التقاليد أيضًا: "أعتقد أن أصل مشكلة الزواج بالنسبة إلي ينبع من مدى سيطرة الدين والتقاليد عليه من كل الجوانب، لا أعتقد أن الإنسان يمكنه أن يعيش مع شخص آخر تزوجه من دون أن يعرف عنه شيء خلاف المعلومات السطحية التي تظهر في لقاءات وتعارف العائلات. وحتى إن كان هناك فترة خطوبة، فالمعتاد هو أن يقوم كل طرف فيها بالتمثيل على الآخر وتحاشي الغوص في الأمور المحورية والشائكة لتتم الزيجة. هذا إضافة لكون لقاءات الخطوبة دائما تحت إشراف العائلة، الأمر الذي يقتل أي فرصة لمعرفة حقيقة الأشخاص. كم من شركاء عنيفين ظهروا خلال فترة الخطوبة كملائكة؟

أنا شخصياً لا أفهم الأشخاص الذين يتباهون بزواجهم واطفالهم، وكأنهم اكتشفوا الذرة!

تعتقد رنا أنه لابد للشريكين من العيش معًا وتجربة الحياة معاً قبل الزواج، ولفترة طويلة تقاس بالسنوات، قبل اتخاذ قرار الزواج بناء على ما عرفوه عن بعضهم البعض. هذا، وتظن رنا أنه ليس من الصواب إتمام زواج بين طرفين لم يتعرفا على بعضهما جنسيًا مسبقاً. المساكنة قبل الزواج هي حل يطرح نفسه لمشكلة مثل مشكلة رنا. صحيح أنها – إضافة إلى الجنس قبل الزواج - محرّمة في معظم المجتمعات العربية، ولكن رنا هي خير دليل على تقبّل جيل الألفية للمساكنة والجنس قبل الزواج، فهي تعتبرهما بالغي الأهمية لنجاح العلاقة.

"كيف لي أن أعيش كل حياتي مع شخص لا أعرفه، لا من حيث تصرفاته وعاداته، أو ما يحب ويكره جنسيًا، وكأنني أدخل طريق مجهول تمامًا، فلا أعرف ماذا ينتظرني؟ أنه امر لا أود أن أختبره، ولذلك أنا أشجع على المساكنة، ولكن المشكلة هو هو أمر مرفوض تمامًا، ولذلك لن أخوضه، حتى لو وجدت شاباً يفكر بنفس الطريقة. فشريكي لن يكون الرادع، بل عائلتي والمجتمع بشكل عام. لا أريد العيش في خوف متواصل.. ماذا أن اكتشف أهلي الأمر، أو ماذا لو قام أحدهم بالإبلاغ عني؟ بصراحة، أفضل أن لا أتزوج على أن أعيش هذا الهلع."

السبب الرئيسي الذي يجمع رنا، وريم وحسام برفض فكرة الزواج هو التقاليد والمعتقدات السائدة في مجتمعنا العربي. ولكن اختلف المنظور عندما انتقلت بالحديث مع بلال من سوريا، فالأسباب اختلفت والتقاليد لم تعد الرادع الرئيسي. بلال يعترف بأنه لا يود التضحية بشيء من أجل الزواج، ويضع نفسه قبل كل شيء: "إلى جانب الظروف السياسية والاقتصادية في سوريا، أنا لا أختار الزواج بسبب الالتزام الذي يتطلبه. أفضل أن أعيش حرًا. الزواج يترتب عليه الكثير من الالتزامات والمسؤوليات والتضحيات."

الزواج يُعقّد العلاقات ويقتل الحب

بلال الذي يبلغ من العمر 22 عامًا، وهو طالب هندسة زراعية؛ يضيف بأن الزواج هو عبء على جميع الأصعدة، النفسية والمادية وغيرها، وهو يريد راحة باله. "أريد أن أفكر بأنانية، أفضل أن لا أتزوج وأن أعيش علاقات جنسية من دون تأسيس أسرة، واذا أردت طفلاً في يوم من الأيام، بإمكاني ان أتبنى، فهناك الكثير من الأطفال الذين يحتاجون إلى أهل." هذه القناعة تجعل بلال عرضة للانتقادات من قبل أهله وأقاربه وأصدقائه: "أتلقى الكثير من التعليقات السلبية عندما أعترف بعدم اكتراثي للزواج، وكأنه شيء إجباري. ما من شيء إجباري في الحياة، وكل شخص يحق له أن يعيش كما يحلو له. أنا شخصيًا لا أفهم الأشخاص الذين يتباهون بزواجهم وأطفالهم، وكأنهم اكتشفوا الذرة!"

سارة، 23 عامًا، من لبنان وتعمل في مجال التحرير، تخطت أيضًا موضوع التقاليد، وتفكر في الصورة الأكبر. بنظرها، الزواج ليس أكثر من ورقة، وتعتبر أن معظم الأشخاص لا يفكرون بالمعنى الحقيقي للزواج: "بصراحة، لا أفكر بالزواج لأنني لا أفهم مفهومه. يمكنني أن أمضي حياتي مع شريكي وأن أعتبر نفسي متزوجة له من دون أن نتزوج بالفعل. هل الوثيقة القانونية التي تدعى "عقد الزواج" هي فقط التي تحدد معنى الارتباط طويل الأمد بين شخصين؟"

لا ترى سارة أن الزواج أكثر من كونه ورقة وتضيف: "لا أفهم لم عليّ توقيع ورقة من أجل أن اثبت للشخص أنني أحبه.. وكأنها الشيء الوحيد الذي يعطي تعريف لعلاقتنا. لا افهم لماذا على الارتباط أن يكون شيئًا رسميًا. أنا لست ضد الزواج لمن يريده، ولكن لا افهم الفكرة ورائه. هناك الكثير من العلاقات الرسمية التي تفشل وتنتهي بالطلاق. الزواج يُعقّد العلاقات ويقتل الحب كما يقال."

التقاليد، الماديات أو المعتقدات الشخصية.. أسباب كثيرة تجعل من الزواج فكرة مرفوضة للبعض في عالمنا العربي. ولكن هل هذا أمر سيء؟ لا أظن، من الأفضل أن لا تتزوج وتعيش حياة سعيدة، على أن ترتبط مدى الحياة بسبب ضغوطات المجتمع أو الأهل. أنا أيضًا لست ضد الزواج، ولكن ضد الأشخاص الذين يسوقون للزواج وكأنه الهدف الأسمى والطموح الوحيد لدى الناس أجمع. الزواج ليس كشراء لوح شوكولاته.