مقال رأي

متى تصبح المرأة العربية الوصية الأولى والوحيدة على جسدها؟

كم هو مؤرق أن تحيا بجسد امرأة داخل مجتمعات مازالت تحدد مزايا ومساوئ المرأة انطلاقًا من لباسها
2020 يوليو 29, 2:27pm
women

أصدقائي المقربين ومحيطي العائلي جمعهم يدركون أنني من محبي اللباس القصير في كل الفصول لهذا غالبًا ما يكون هندامي داخل البيت وخارجه محل نقاش ومزاح فيما بيننا. ورغم أنني لا أكترث أبدًا للملاحظات التي تمرر على وجه الدعابة أو الجد كلما ارتديت فستانًا أو تنورة قصيرين، إلا أن بعض العبارات التي تقال أحيانًا من صديقاتي على غرار "كم ذنب ستركبين اليوم بخروجك بهذا اللباس" أو "لا نريد أن نساعدك في ارتكاب الذنوب" عندما أطلب مساعدتهن في اختيار لباس ما، تجعلني استاء وأتساءل كيف يذهب البعض لاعتبار محبة المرأة لجسدها وانسجامها معه ورفضه قولبته داخل أطر يضعها غيرها ذنبًا ستعاقب عليه يوم الحساب؟ أفكر كم هو مؤرق أن تحيا بجسد امرأة داخل مجتمعات مازالت تحدد مزايا ومساوئ المرأة انطلاقًا من لباسها وتحدد أشكال التعامل معها بناء عليه أيضًا حتى أن بعضهم بات يبرر التحرش الجنسي الذي تتعرض له واغتصابها لمجرد أنها ترتدي لباسًا بعينه دون الاكتراث إلى أن الكثيرات من ضحايا التحرش والاغتصاب محجبات ومتنقبات.

خطر ببالي هذا الأمر وأنا أتابع الحملة الكبيرة التي تطلقها الكثير من النساء في مصر ضد التحرش ورغم بشاعة قصص الضحايا من جهة وثبوت التهم في حالات أخرى، إلا أن المجتمع المحكوم بعقلية ذكورية تدين المرأة باستمرار أبى الاعتراف بالحقائق السالف ذكرها بل وخرج بعض رجال الدين على غرار الشيخ "الشاب" المثير للجدل عبد الله رشدي وأفتى بأن من بين أسباب التحرش لبس المرأة "الفاضح" فيما ذهب بعض رجال القانون إلى إمكانية اتهام الضحية أن بالسب والقذف والطعن فى الأعراض- كأنني بهم يقولون دعوا المتحرش وانصبوا محاكمة لجسد المرأة.

وبينما الجدل يتواصل على أشده في مصر حول التحرش الجنسي، حدث في تونس قبل أيام أن قرر بعض الأصدقاء تنظيم حفلة مسائية احتفاء بعيد ميلاد صديقتهم المحجبة في أحد المطاعم بالعاصمة (من بين خدماته تقديم مشروبات روحية وعروض موسيقية)، ولجعل الحدث مفاجأة سبقوها هناك لتهيئة الأجواء على أن تلتحق بهم. لكن حدث ما لم يكن في حسبان أحد، فلدى وصول الفتاة منعها حراس المكان من الدخول حاولت إقناعهم أنها قادمة للاحتفال بعيد ميلادها مع أصدقائها، لكن كل ذلك لم يثنهم عن قرارهم مبررين ذلك بقولهم "أنت فتاة محجبة كيف تسمحي لنفسك بارتياد هذه الأماكن."

المنظومة المجتمعية التي أسست على تراكمات من الفعل الفهم الخاطئ للدين والكثير العادات البالية المتوارثة سلبت المرأة جسدها وأفقدتها حرية التصرف فيه

أثارت الحادثة جدلاً لبضعة أيام وأدت لانقسام رواد مواقع التواصل الاجتماعي في تونس لكن اللافت أن غالبية الردود لم تستنكر فعلة حراس المطعم بل نصبت محاكمة للفتاة كما لو أنها اقترفت ذنبًا خطيرًا متذرعين بذات الحجة كيف تقبل "المحجبة" ارتياد أماكن يحضر فيها الخمر ضمن المشروبات التي تقدم للزبائن؟ وكأن تغطية الرأس والجسد تعني حرمان المرأة من المتعة أو اللهو أو الفرح إلا وفق شروط وضوابط وضعت سلفًا وظلت تتحكم فيها، للحد الذي أصبح من المهم التساؤل هل أن جسد المرأة العربية والإسلامية مُلك لها أم مُلك للمجتمع؟ في لبنان لم يكن الحال أفضل من تونس بعد منع امرأة محجبة من دخول المسبح برفقة ابنتها وحفيدتها، بحجة أن سياسته بعدم السماح بدخول من لا يرتدون ملابس مخصصة للسباحة إلى نطاق المسبح.ورغم إبلاغ الموظف أن الجدة حضرت لشرب قهوة فحسب وليس بغرض السباحة إلا أن الموظف أصر على منعهما متذرعا بأن الإدارة لا تسمح بدخول كل شخص لا يرتدي المايوه وكل شخص يرتدي ثياًبا بأكمام طويلة. ولم تفلح محاولات الجدة فهم الأسباب الحقيقية لمنعها لا سيما في ظل عدم توفر لائحة شروط علنية تقضي بمثل هذا القرار وهو دفع الإبنة لإثارة الحادثة على مواقع التواصل الاجتماعي وقرارها رفع دعوى قضائية ضد المسبح.

وكما هو الحال في تونس، انقسم الرأي العام اللبناني إلى قسمين الأول انتصر للمرأة ودافع عن حريتها في اختيار ملابسها وضرورة أن لا تتعرض للتمييز بسببه، وقسم ثان شدد على ضرورة التزام الجميع بالزي الذي يفرضه المسبح. هذا الجدل اشتعل مجدداً في مصر حول لباس البحر “المناسب” ما بين البوركيني والبكيني، وما يحق وما لا يحق للمرأة أن ترتديه في الشواطئ والمسابح. 

إن إلقاء نظرة على مثل هذه الحوادث يجعلنا نقر جازمين أن المنظومة المجتمعية التي أسست على تراكمات من الفعل الفهم الخاطئ للدين والكثير العادات البالية المتوارثة سلبت المرأة جسدها وأفقدتها حرية التصرف فيه. هناك دائرة ممتدة تحتكر ملكيته بدًءا من الأسرة على اختلاف مكوناتها من أب وأم وأخ وعم وخال، فالجيران البعيد منهم والقريب وصولًا إلى المجتمع بكل مكوناته اللامتناهية. كلهم لهم رأي ويتصرفون على أساس ملكيتهم لجسد المرأة قبلها هي شخصياً.

أعتقد أنها دائرة ممتدة تأخذ على عاتقها مهمة تحديد المسموح والممنوع في حركات هذا الجسم وتعبيراته وفق ضوابط مستساغة اجتماعيًا، أي في إطار القوالب التي وضعها مالك هذا الجسد منذ البداية ونعني بذلك الرجل. وتفضح الثقافة الشعبية والسير المتواترة هذا الوجه بقوة فمثلًا في تونس هناك الكثير من المفردات التي تعزز هذه السلطة الذكورية على جسد المرأة على غرار "العيب مش فيها العيب في الراجل لي خلاها تخرج في ها المنظر" أو "ما عندهاش رجال يهدوها" وغيرها من المصطلحات التي تكرس مبدأ تطويع وإخضاع جسد المرأة لسلطة مجتمع ذكوري.

ومن هنا انطلقت رحلة الجسد الأنثوي لسلطات منفصلة عنه تتحكم فيه وفق أهوائها وميولها وثقافتها وأيديولوجيتها، وتصادر حق المرأة في اختيار الصورة التي تريدها لجسدها دون أن تضع اعتبارًا لأحد، ودون الخوف من الجلد والمحاكمة. كما تم الزج بجسد المرأة وسط كومة من المتناقضات تحيل على الكثير من الإخلالات داخل هذه الثقافة برمتها دينيًا واجتماعيًا وقانونًيا وجب إصلاحها حتى يتسنى للمرأة القدرة على أن تكون وصية على جسدها، حتى تفهم بوضوح وبتلقائية أي الأدوار وأي الصور تريد لنفسها؟ أي فضاءات تريد عبورها بهذا الجسد دون أن تكون مثقلة بسلطة ما.

النظرة لجسد المرأة تأبى أن تتغير بل وتجعله عنوانًا لجرائم وتجاوزات خطيرة بحقها قد تصل حتى القتل

تقول الناشطة النسوية نوال السعداوي في كتابها "المرأة والجنس": "تعيش المرأة التناقض الإجتماعي بحدة، فهي يجب أن تكون باردة عفيفة طاهرة لا تحس بالجنس، وهي يجب أن تكون أداة متعة وتشبع زوجها بالجنس حتى الثمالة، وجسدها عورة يجب إخفاؤه بمقاييس الأخلاق، وجسدها مباح يجب تعريته بمقاييس الرواج التجاري والإعلانات عن البضائع."

مشهد في غاية التعقيد اختصرته السعداوي يكشف بوضوح كم أن جسد المرأة يخضع لمزاج المتحكم فيه والذي غالًبا ما يكون الرجل بدءا من الأب حتى الزوج وبقية الرجال في محيطها.

ومما لا شك فيه أن هذه القيود والمقاييس التي يزرعها هذا المجتمع تؤثر سلبًا على سلوك المرأة في التعاطي مع جسدها حتى في تلك المواقف اليومية البسيطة كالتقاط شيء ما وقع على الأرض ويستحق رفعه أو النزول لربط خيط حذاء أو ما شابه ذلك. ففي هذه الحالة ينحني الرجل بكل طمأنينة للقيام بالأمر دون الاكتراث لمن حوله لأن جسده فوق مستوى الطعن الاجتماعي، في حين يكون الأمر مقعدًا بالنسبة للمرأة التي تشرع لا إرادًيا في التفكير بحركة لا تبرز تكور مؤخرتها أو تكشف عن صدرها، إنها تختزن مكرهة ما زرعه محيطها من أفكار إزاء جسدها باعتباره عنوانا للفتنة، ولا بد أن تكون حريصة على مداراتها حفاظًا على توازن الذكر الذي “ستثيره” فيما لو نزلت مثلا لالتقاط قلم من الأرض بذات العفوية التي يكون عليها (الذكر) لدى قيامه بذات المهمة.

إن تجربتي الخاصة والصغيرة كامرأة تدافع بشراسة عن حريتها في التعامل مع جسدها ولا تكترث مطلًقا لضوابط المجتمع وغيره بشأنه تجعلني أقول إن النظرة لجسد المرأة تأبى أن تتغير بل وتجعله عنوانًا لجرائم وتجاوزات خطيرة بحقها قد تصل حتى القتل. من الصعب إحداث تغيير فردي منفصل عن المجتمع، حتى لو رفضت المرأة الاستسلام للمجتمع، فإنها قد تكسب نفسها ولكنها قد تخسر الكثير كذلك. لا شك أن هناك توجه نسوي حقيقي ومهم بإتجاه تغيير هذه الصور النمطية اللاأخلاقية واللا انسانية بحق المرأة، ولكن الطريق لا تزال غير مُعبدة أمامها. ولا يزال المجتمع يدفعنا كل مرة نحو ذات النقاشات التي اعتقدنا أننا تجاوزناها من سنوات مضت.