مرأة

ما نعرفه حتى الآن عن الشهادات المنشورة ضد الصحفي المصري هشام علّام

يتضح من أغلب الشهادات أن للصحفي المذكور طريقة مُمنهجة في الإيقاع بالنساء، مُستغلًا اسمه وموقعه المهني
22.8.20
59c2cb74-3de9-46c6-9801-b103e2dda6ce

الصورة من صفحة هشام علام على فيسبوك.

في السابع عشر من أغسطس الجاري، نشرت مدونة "دفتر حكايات" شهادة تتهم صحافيًا مصريًا أشارت له برمز (هـ.ع) يعمل بمجال الصحافة الاستقصائية محليًا ودوليًا، بالاغتصاب. تدور أحداث الشهادة مع صحافية شابة يحاول (هـ.ع) إيهامها بمساعدتها في بدء حياتها المهنية. يُخبرها أن اجتماعًا مع أشخاص مهمّين سيُجرى عقده في مكان خاص، فتذهب معه، لتجد أنه لا يوجد اجتماع ولا أشخاص وأنه استدرجها وخطفها للاعتداء عليهًا جنسيًا،  وضربها ضربًا مبرحًا. انتشرت الشهادة لما فيها من تفاصيل مؤلمة، خاصة في وقت تنتفض فيه المصريات ضد العنف الجنسي. رغم عدم ذكر اسمه داخل الشهادة، قام الصحفي الاستقصائي المصري هشام علّام بنشر بيان على صفحته الشخصية على فيسبوك، يُعلن فيه أنه المقصود بسبب التقارب بين الحروف الأولى التي استخدمتها “دفتر حكايات” وبين مهنته وشخصه؛ نافيًا الاتهام ومُهددًا بمقاضاة كل مَن ذكر اسمه. ولكن هذا التهديد لم يوقف الناجيات، على العكس تمامًا توالت الشهادات ضد (هـ.ع) على المدونة وعلى مواقع التواصل حتى اليوم.

إعلان

ما هي مدونة "دفتر حكايات"؟

وفقًا لموقعها الإلكتروني، تُعرّف المدونة نفسها كالآتي:

نحن مجموعة من النسويات المصريات المستقلات المؤمنات بحق تواجد النساء في مساحات آمنة في المجال العام، دون التعرض للتهديد أو العنف الجنسي أو التمييز. نؤمن بحق ناجيات/ضحايا العنف الجنسي بامتلاك روايتهن عما مررن به من عنف، وحقهن في اختيار مشاركة روايتهن مع أخريات وآخرين بالطريقة التي تناسبهن دون الخوف من الحكم أو اللوم أو الوصم. لسنا جهة تحقيق ولا دورنا تقصي الحقيقة أو إثبات صحة الشهادات من عدمها ولكننا نؤمن بأهمية توفير منصة تستطيع النساء من خلالها المشاركة والتعبير بطريقتهن ولغتهن." تذكُر المدونة أن موجة الحديث العلني عن الاعتداءات الجنسية في حق المصريات خلال الشهور الأخيرة والتبعات الاجتماعية الصعبة للبوح، ألهم القائمات عليها بتأسيس مساحة نسائية تسمح بمشاركة النساء تجاربهنّ مع العنف الجنسي بلا وصم أو أحكام أخلاقية. يُذكر أن القائمات على المدونة حريصات على إبقاء هوياتهنّ وهويّات المُشاركات مجهولة لتظل مساحة آمنة. يُذكر أيضًا أن للمدونة آليات تواصل مُشفّرة تحمي هوية المُشاركات، ولديها بروتوكول واضح لتلقي الشهادات ونشرها.

لماذا المجهولية؟

المجهولية Anonymity هي أداة تستخدمها النساء حول العالم فيما يتعلق بالاعتداءات الجنسية. السبب وراء ذلك، هو فشل منظومات العدالة في البلدان المختلفة، سواء عربية أو غير عربية، في إنصاف النساء في تلك القضايا. والدليل على ذلك هو الحراك الموّسع والعالمي للنساء ضد العنف الجنسي Me too منذ عام ٢٠١٨ والذي سبقه حراك نسوي عربي بالتزامن مع الثورات العربية منذ عام ٢٠١١. هذا الفشل يُضاف إلى سيل اتهامات يلحق بناجيات/ضحايا العنف الجنسي، وتحمليهنّ عبء حدوث الانتهاك، باللوم والوصم والاستهداف ومحاولات الإخراس. لا تسلم امرأة تذكُر العنف الجنسي سواء كانت ناجية أو ساعدت إحدى  الناجيات أو حكت قصتهن، من الوصم والاستهداف والتهديدات لأمنها وسلامتها الشخصية. ولا تسلم كذلك من الاتهام بالجنون و"الهستيريا" وأنها كارهة للرجال، ولا تصلح للعمل لأنها تثير المشاكل.

الحديث عن أن الشهادات المُجهّلة غير موثوق فيها، هو تغافل عن دور الحراك النسوي الحالي في تغيير آليات التعامل مع وقائع العنف الجنسي

المجهولية في سياق يغتال النساء معنويًا إن تحدثن عن العنف الجنسي، يعتبر أمر بالغ الأهمية كوسيلة مقاومة تتبعها النساء ضد تبعات فضح المُنتهكين، وهي رفض نسوي جذري لآليات قانونية ونهج مجتمعي أثبتا فشلهما في التعامل مع قضايا العنف الجنسي. توضح هند أحمد زكي نسوية مصرية، وأستاذة العلوم السياسية بجامعة كونكتيكت الأمريكية أهمية المجهولية كسلاح للنساء ضد ثقافة الصمت وتضيف: "الحديث عن أن الشهادات المُجهّلة غير موثوق فيها لأنها لا تُبث من خلال أسماء معروفة، هو تغافل عن دور الحراك النسوي الحالي في تغيير آليات التعامل مع وقائع العنف الجنسي والقائمة على التشكيك في تلك الآليات وقلبها رأسًا على عقب لصالح النساء." بالنظر سريعًا لوقائع عنف جنسي كشفت الناجيات فيها عن هويتهنّ، نجد حملات وصم واستهداف شخصي لكل واحدة منهنّ. منهنّ قصة الاغتصاب الشهيرة مع منّة عبد العزيز والتي منذ إعلانها عن تعرضها للاغتصاب، استخدم الناس ما نشرته على الإنترنت من صور وفيديوهات راقصة كتبرير للعنف الواقع عليها.

الشهادات

منذ انتشار الشهادة الأولى، تتوالى الشهادات على المدونة وخارجها يوميًا. يتضح من أغلب الشهادات أن للصحفي المذكور طريقة مُمنهجة في الإيقاع بالنساء، مُستغلًا اسمه وموقعه المهني. لدى الصحفي نهج شبه موحّد في ادعاء دراسة ما يُسميه "علم النفس الجنسي" ويستخدمه كمدخل للأحاديث الجنسية على غير رغبة المتحدثات معه، واللاتي أبدينّ عدم راحة، قابله هو بالإصرار والإلحاح كما ظهر من الشهادات. منذ الليلة الأولى، توالت الشهادات ضد علّام وأغلبها من صحافيات مُبتدئات.

تقول إحداهنّ أنها شعرت لسنوات بأن له سيطرة ما عليها، لدرجة لجوؤها لطبيب نفسي للتخلص منه. وتشهد أخرى، أنه طلب منها تخيّل أنه يضربها ويُعذبها ويغتصبها، وأن ذلك تمامًا ما فعله في الشهادة الأولى. وتقول صحفية شابة أنه تحرّش بها جنسيًا أثناء تسجيلها مقابلة شخصية لمشروع تعمل عليه. تزداد وتيرة نشر الشهادات وينطلق هاشتاغ هشامعلاممغتصب ليكون التريند رقم واحد في مصر على موقع تويتر خلال ٤٨ ساعة فقط من بدء القصة. كما قامت الصحفية السورية زينة ارحيم بنشر شهادة جديدة على صفحتها الشخصية لصحفية سوريّة، تتهم هشام علّام بمحاولة اغتصابها أثناء إحدى الورش التدريبية التي شاركا بها مع شبكة "أريج" للصحافة الاستقصائية بمدينة عمّان عام ٢٠١٥.

ردود الفعل

أصدرت لجنة المرأة بنقابة الصحافيين المصرية بيانًا رسميًا، جاءت مقدمته مليئة بالغضب تجاه موقف النقابة من قضايا العنف الجنسي، بما في ذلك لوائحها الداخلية التي كرّست لبيئة عمل غير آمنة للصحافيات. طالبت اللجنة بفتح تحقيق مع الصحفي هشام علّام، ووضع سياسة نقابية ضد الاعتداء الجنسي في لوائح النقابة، واتخاذ إجراءات عقابية تجاه المخالفين. أما نقيب الصحافيين ضياء رشوان فكان له رأي مُخالف، حيث صرّح بأن الجهة الوحيدة المنوطة بالإبلاغ عن جرائم العنف الجنسي، هي النيابة العامة، مُتجاهلًا التبعات القانونية للإبلاغ وقدِم الشهادات وصعوبة الإثبات الجنائي.

هناك ميل إلى تجاهل الشكاوى والاتهامات التي لم يتبعها إجراءات رسمية" خوفًا من أن تكون ادعاءات كيدية ضد الصحافيين الاستقصائيين

تقول فرح قُبيسي، نسوية وناشطة  لبنانية قامت بمراسلة طوعية مع "مشروع الكشف عن الفساد والجريمة المنظمة" (التي عملت مع علام في السابق على بعض التحقيقات): "تواصلت معهم بشأن توضيح موقفهم من علّام. أكدوا أنهم لن يتخذوا أي إجراء احترازي تجاهه إلا إن ثبتت عليه الاتهامات قضائيًا، مُتعللين بأن الصحافيين الاستقصائيين محل استهداف في مجتمعاتهم." واستطردت:  "هناك آليات يُمكن اتخاذها حتى لو لم يكُن علّام يعمل في المشروع حاليًا، منها إعلان موقف واضح يأخذ الإدعاءات التي توجهت ضده بجدية، وفتح تحقيق داخلي في ما نسب إلى علاّم،  انسجاما مع سياسة "عدم التسامح" مع العنف الجنسي الذي يتبناه المشروع، وفق ما ورد في رد أحد القيّمين عليه. لكن حتى الساعة لم تلق تجاوبًا جديّا من قبل المسؤولين عن المشروع، حيث صرّح أحدهم بأن هناك "ميل إلى تجاهل الشكاوى والاتهامات التي لم يتبعها إجراءات رسمية" خوفًا من أن تكون ادعاءات كيدية ضد الصحافيين الاستقصائيين."

رد هشام علّام

علام حتى اللحظة قام بتكذيب هذه الشهادات، على اعتبار أنها "خيال" كما أشار في تغريدة، أرفق بها فيديو بعنوان: كيف تغتال صحفيًا، تظهر فيه صحفية سورية وأخرى مصرية، يوضّحا كيف تم توريط "دفتر حكايات" في نشر شهادة قامتا بفبركتها كجزء من تحقيق استقصائي بشأن آلية تلقي الشهادات والتحقق منها.  ورغم أن المدونة لم تدعي أن لديها آلية تحقق من الشهادات، إلا أن الفيديو جاء في صدد ضرب مصداقيتها ومصداقية الشهادات تحت زعم اغتيال هشام علّام معنويًا.

ما أن انتشر الفيديو، حتى بدأت نوبة غضب جديدة ضد علّام على مواقع التواصل، وأغلبها من صحافيين وصحافيّات يُنددون بالفيديو كدليل ضد هشّام وليس العكس. كما أشارنّ/وا أن الفيديو يخرق كافة المعايير المهنية للصحافة الاستقصائية. ليتحول علّام والفيديو إلى مادة سخرية. بعد ساعات، أعلن محام مصري أن هشام علّام حررَ محضرًا رسميًا ضد المدونة، سعيًا للقبض على القائمات عليها وإجبارهنّ على كشف هوية ناجية واقعة الاغتصاب الأولى لملاحقتها قضائيًا، كما سيلاحق كل مَن أساء إليه.

على الرغم من التشكيك، أكدت القائمات على دفتر حكايات على انحيازهنّ الكامل للنساء قائلات: نحن نصدّق الناجيات

بالتوازي، كان هناك موجة غضب من النسويات ضد الصحافيتان اللتان قامتا باختلاق الشهادة: راما ديب وياسمين مهنى، واتهام صريح بالتواطؤ ضد ناجيات العنف الجنسي في المنطقة العربية ومحاولة دحض الحراك النسوي ضده ضد العنف الجنسي، مُطالبات بمقاطعة الشبكة التي تعمل بها، ومقاطعتها مهنيًا. وقد ردّت الصحافية السورية راما ديب على حسابها بموقع فيسبوك، موضّحة أنها عملت على التحقيق بهدف التقصّي وليس بهدف مهاجمة الناجيات. وأوضحت أنها لم تعمل على إخراج الفيديو أو ساهمت بأي شكل فيه سوى مراسلة المدونة والتسجيل الصوتي، ولم يأخذ علّام رأيها قبل النشر، ما يجعل شهادتها تساؤلًا مُلحًا: هل تعرضت راما ديب للتهديد أو الابتزاز للمشاركة في فيديو سيُدمر حياتها المهنية للأبد؟ 

من جانبها، نشرت دفتر حكايات بيانًا رسميًا، موضّحات انحيازهنّ الكامل للنساء وأنهنّ يتعاملنّ مع جميع الشهادات بجديّة، قائلات: نحن نصدّق الناجيات. توالت الشهادات، لتنشر الصحفية السورية زينة أرحيم  شهادة جديدة وردت إليها، مُتحدية علّام. كما أعلن الصحفي الاستقصائي المصري والحاصل على جائزة رابطة مراسلي الأمم المتحدة محمد أبو الغيط، أنه تحقق بنفسه من إحدى الشهادات المرتبطة بحادثة الاعتداء على الصحفية السورية في الأردن، مُدينًا موقف أريج من الأزمة.