دور العرض في السعودية لا تُرضي الشعب الذي يحب الأفلام

الاأسباب: الرقابة، محدودية الأفلام ودور العرض
19.11.18
السعودية

جميع الصور من شترستوك

تُغلق الأبواب، وتُطفأ الأضواء في الصالة، يخترق الصوت القادم من المكبرات أذنيك وتنقطع الأصوات كلها فتغدو منفصلاً عن العالم ومستغرقاً بالنظر إلى شاشة العرض وحاضرًا معها بكل حواسك. إنه حلم صالات العرض السينمائية التي تطلع إليها الشباب السعودي لوقت طويل. ومع انطلاق أول صالة عرض في مايو بعد أكثر من 35 عاماًِ من المنع، كان حظ العاصمة الرياض هو الأعلى بين بقية المدن فقد افتتحت حتى الآن صالتيّ سينما تجارية هما صالة (AMC) في مركز الملك عبدالله المالي و (VOX) في الرياض بارك والتي يتم تشغيلهما من قبل شركتي AMC و VOX العالميتين.

وكبداية كل شيء كانت بداية السينما في السعودية مُحمّلة بالتوقعات التي تباينت بين الاعتقاد بمساهمة هذه الدور في جعل المجتمع مدركاً لقيمة الفن السابع وبين التنبؤ بتدخلات الرقابة في التعديل على الأفلام من خلال حذف المقاطع المخلّة والذي يضر أحياناً كثيرة بحبكة الفيلم. بعد أكثر من سبعة أشهر على افتتاح دور السينما أمام السعوديين، عدنا لنرى ما الذي تغير منذ مايو وهل الأفلام ودور السينما الحالية تلبي تطلعات الشباب السعوديين؟

تحدثت أولاً الى مريم عبد الرحمن، 26 عاماً، طبيبة امتياز ومن عشاق أفلام Marvel, DC التي أخبرتني عن مشكلتها مع الرقابة على الأفلام: "عندما قصدت صالة العرض مع عائلتي لمشاهدة فيلم Avengers Infinity War لاحظت أنه يتم اختيار جزء كبير من سياق المشهد الذي يرغبون في حذفه فيتخلصون مما يقارب الثلاث أو الخمس دقائق التي تسبقه والتي تليه أيضاً، وهذا حتماً يخسر المشاهد انسجامه أو حتى فهمه للقصة."

يوافق مريم في الرأي عبد الله الغنامي، 20 عاماً، طالب طب في سنته الرابعة وهو من محبي الأفلام السينمائية ومن المعجبين الكبار بأعمال المخرج الروسي أندري تاركوفسكي، يقول: "كانت تجربتي الأولى في صالة العرض السعودية مزعجة إلى حد كبير، لقد تمكنت أنا وباقي المشاهدين من ملاحظة المشاهد التي تم حذفها بشكل رديء يخلّ بالحبكة، ويجعل النقص واضحًا أثناء الحوارات والأحداث." ويضيف عبد الله: "كنت أشاهد فيلما قبل شهرين أو أكثر في إحدى الصالات بالرياض، انطلقت الضحكات وعلت خلال إحدى المشاهد الرومانسية المُعدلة بصورة رديئة مما يعني بأن معظم المشاهدين استشعروا بشكل واضح هذا النشاز الناتج عن تعديلات الرقابة."

ولا شك بأن الرقابة على السينما والأفلام المحلية والأجنبية في دول الخليج عامة هي محل انتقاد، إذ تتبع سياسات في حذف سياقات متكاملة من سيناريو ما لمجرد أنه لا يتناسب مع قيم المجتمع على حد تصريحات المسؤولين في الرقابة، بما في ذلك استبعاد كل المشاهد أو الأجزاء من السيناريو التي تشير إلى العنف المفرط أو الجنس أو السياسة أو تمس الدين والمذاهب.

الرقابة ليست المشكلة الوحيدة هنا، فقد اشتكى عدد من السعوديين من محدودية تنوع الأفلام التي يتم عرضها في السينمات في الرياض. سعيد المحمد، 28 عامًا، موظف في وزارة البترول والثروة المعدنية وهو من عشاق السينما الإيرانية، يشير إلى أن "اختيارات الأفلام محدودة إلى حد كبير بأفلام الخيال العلمي أو الأبطال الخارقين وأعتقد أن السبب في ذلك يرجع إلى أنه يتم استبعاد الأفلام التي تتعلق بقضايا حساسة كالسياسة والقضايا الاجتماعية، أو تلك التي تحتوي عدد من المشاهد التي لا يمكن تفادي عرضها وذلك ما لا يتوافق مع شروط وأحكام تشغيل صالات العرض والتي من أهمها الالتزام بأخلاقيات المجتمع وعدم عرض المشاهد الخليعة أو المشاهد المليئة بالعنف اللفظي والجسدي وغيره."

سوء التنظيم وافتقار صالات العرض لقوانين يتم إلزام الحضور بالتقيد بها يُفقد أجواء غرف العرض قداستها التي ألفتها وعرفتها في أماكن أخرى

هناك أيضاً مشكلة أسعار التذاكر التي تم الحديث عنها من لحظة فتح أول سينما في السعودية. ويقول الغنامي: "أسعار التذاكر مبالغ فيها والوجبات الخفيفة التي تباع خارج الصالة تدفع المرء إلى أن يفكر ملياً قبل أن يكرر التجربة. كما أن الفارق في السعر بين الحجم الصغير والمتوسط والكبير للفشار مثلاً هو ريال واحد، وكأنهم بهذا يجبرونك على ابتياع أكبر حجم." وتتراوح الأسعار في صالة AMC بين 65 إلى 75 ريال ( حوالي 17 الى 19 دولار)، أما في VOX فسعر التذكرة يصل الى 40 ريال (10 دولار).

ورغم غلاء سعر التذكرة في صالة AMC إلا أنه لا يمكن اعتبارها صالة سينمائية بالمعنى الحقيقي فهي في الأصل قاعة مؤتمرات. سعيد يشير من جهته إلى مشكلة تتعلق بسوء تنظيم أوقات العرض مما يجعل بعض العروض تتطلب حجزًا مسبقاً للتذكرة قبل مدة طويلة من العرض وهي من الأسباب التي يرى أنها تؤدي حتما للعزوف عن التردد على دور السينما لمشاهدة الأفلام.

سعيد لم يكن الوحيد في انزعاجه من صعوبة توفر التذاكر فخديجة الصبار، 23 عامًا، صانعة محتوى وكاتبة تدرس هندسة الحاسب في جامعة الإمام بالرياض، أخبرتنا عن السبب الذي جعلها تستبعد مشاهدة الأفلام في دور العرض بالرياض: "لا أميل للمشاهدة الجماعية، وعندما ألحت صديقتاي عليّ بأن أشاركهما التجربة، اضطررنا للانتظار وقت طويل قبل أن نتمكن من الحصول على حجز للتذاكر، ولم أجد بأن التجربة مستحقة."

لماذا؟ تسترسل خديجة بشرح أسبابها: "ذهبنا إلى قاعة سينما AMC، بداية القاعة لم يتم بناؤها كصالة سينما وبالإضافة إلى ذلك فموقعها بعيد جداً فهي داخل مركز المؤتمرات في مركز الملك عبدالله المالي، والذهاب اليها مكلف على الأقل بالنسبة لمن لا يقدن السيارات بعد ويعتمدن على سيارات الأجرة مثل كريم وأوبر. لهذا السبب أفضل مشاهدة أفلامي المفضلة على شاشتي في المنزل."

وفي هذه النقطة تحديداً تتفق مع خديجة، وذلك لأنها وجدت صعوبة في الوصول إلى دار السينما، وقد أضافت مريم في سياق مختلف عندما طلبت منها أن تقيم الوضع والخدمات ومستوى جودة العرض والمكان بمقابل مبلغ التذكرة الذي وصل 75 ريال قالت: "لقد عشت لمدة عامين مع أسرتي في الأردن وكنا نزور السينما بشكل متكرر، هناك تتفاوت أسعار التذاكر بحسب كل دار وبحسب الإمكانات الموجودة فيها، فمثلا كانت غالباً ما تُعرض الأفلام الجديدة في يوم انطلاقها عالمياً على شاشات IMAX الضخمة والتي تضمن تجربة ممتعة واستثنائية للمشاهد، وتباع التذاكر بمبلغ أقل من السعودية. لا وجود لهذا النوع من الشاشات في السعودية، رغم أنها كان من المفترض أن تكون حاضرة منذ بداية الافتتاح."

أما الغنامي لديه انتقاد آخر على تجربة السينما ككل ويقول: "سوء التنظيم وافتقار صالات العرض لقوانين يتم إلزام الحضور بالتقيد بها يُفقد أجواء غرف العرض قداستها التي ألفتها وعرفتها في أماكن أخرى، بالنسبة لي فهي مكان لا ينطق فيه الشخص إلا همساً، في تجربتي هذه افتقدت عدداَ من الأمور كانت هذه أهمها."

للشباب السعودي نهم واضح تجاه الأفلام ويمكن اعتبارهم من المتابعين الحريصين للأعمال الحائزة على جوائز وأعمال السينما التي لا تهدف فقط إلى الترفيه بل تحمل قيمة جمالية وفنية عالية. هذا بالتأكيد أمر يساهم في جعل ذائقتهم صعبة الإرضاء وربما تكون هذه النقطة المفصلية التي أشار إليها عدد من رواد السينما الذين التقينا بهم. لا شك بأن أول الأشياء يشبه العبث، وكذلك بدايات انطلاق السينما في السعودية وقد تجد هذه الانتقادات والتعليقات من الجمهور أذناً، وذلك لأن تحسين جودة الخدمات واختيار الأفلام بناءًا على ذائقة المتلقي هو من الأهداف المهمة لكل دور السينما الربحية بالأساس. حتى ذلك الحين على شاشة التلفاز المنزلية أن تكون خير رفيق لمحبي الأفلام من السعوديين مع وجبة خفيفة لا تنافس في سعرها المقعد الخلفي في صالة عرض عامة.

"مع إمكانية الاشتراك في نتفليكس التي تتيح خيارات واسعة جداً ولها وقت غير محدد أو مقيد، لن يكون المرء مجبراً على المرور بكل هذه المراحل المعقدة من انتظار موعد عرض مناسب والمرابطة على موقع الحجز لضمان الحصول على تذاكر،" ينهي سعيد بالقول: "إن وجود هذا النوع من القنوات يشكل تحدي حقيقي للسينما في السعودية، أتساءل إن كانت ستنتصر فيه."