أعطني المقود ودَعني. سعوديات يقدن سيارتهن لأول مرة بالمملكة

ليان دمنهوري. الصورة مقدمة منها

مجتمع

أعطني المقود ودَعني. سعوديات يقدن سيارتهن لأول مرة بالمملكة

اليوم سيكون بمثابة ثاني يوم وطني لنا، فلأول مرة سوف تتوقف المرأة عن سؤال مين يوصلني
25.6.18

"لن تقودي" أشهر كلمة في تاريخ المملكة كانت توجه للنساء في كل مرّة كُن يطالبن بحقهن الشرعي بقيادة السيارة كما في باقي العالم، حتى جاء اليوم الأحد 10-10 (24 يونيو ميلادي) والذي أسمته النساء السعوديات باليوم الوطني لهن ليكون أول نقطة عبور لطريق الحرية.
"بكيت من الفرحة،" تقول هناء الظفيري، 32 سنة ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي عن لحظة إعلان قرار رفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة. هناء تعلمت القيادة من والدها وهي تقود السيارة منذ عامين متنكرة بزي رجل، بعد ذهاب أخيها للمرابطة في الحد الجنوبي. هناء ستكون من بين المئات من السعوديات التي سَيقدن سيارتهن في السعودية للمرة الأولى. "تاريخ 10-10 سيغير مستقبل المملكة بحفظ الأموال المهاجرة وتقوية اقتصاد البلد وفتح المجال للسياحة بالنسبة للنساء من دول الخليج وغيرها،" تقول هناء وتضيف: "هذه التغيرات التي تشهدها المملكة مهمة جداً، وكان الوطن بحاجتها فلا يمكن الاعتماد على النفط في المرحلة القادمة. المرأة هي نصف المجتمع السعودي وينقص المرأة لتكتمل حقوقها إسقاط نظام الولاية والمساواة بالفرص الوظيفية."

إعلان

منذ 1990 وحتى 2017، خرجت آلاف من النساء الناشطات السعوديات بحملات تدعي لفك حظر القيد عنهن سواء بكسر التحريم وقيادة السيارة في الشوارع أو من خلال حملات وأنشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد دفعت هؤلاء الناشطات الثمن من حياتهن، فقد تعرضه بعضهن للاعتقال وفصل من العمل، ومنع من السفر إضافة الى التشهير وتشويه سمعتهن. وقد عجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتهاني وتوثيق للتجربة ولليوم التاريخي السعودي عبر هاشتاغ #المراه_السعوديه_تقود_السياره حيث عبر الكثيرين عن تأييدهم لهذه الخطوة، وتَشاركَ الجميع في إعطاء النصائح للنساء وتبادل مقاطع أول لحظات قيادة المرأة بالشوارع واستقبالها بالورود. وبنفس الوقت لم يغب دور الناشطات الحقوقيات في التغيير الحاصل في السعودية، حيث تصدر أيضاً هاشتاغ #سعوديات_نطالب_باسقاط_الولاية.

وداد المغربي، 41، معلمة، تعتبر أن تاريخ عشرة عشرة سيغير المملكة تغيرا جذرياً "وسيكون ثاني يوم وطني لنا، فلأول مرة سوف تتوقف المرأة عن سؤال من سيوصلني؟" تشير وداد التي تقول أنها لن تقود هذا الشهر بل ستنتظر حتى يصبح الأمر "طبيعيا للمجتمع."

"أنت ملكة، الملكات ما يسوقوا" كانت واحدة من العبارات التي يتم تداولها في كل مرة يتم فيها فتح موضوع قيادة المرأة للسيارة. ولكن في 26 سبتمبر 2017 تغير كل شيء بعد القرار الملكي برفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة، ليتراجع كل من اعترض بالسابق ويؤيدون هذا القرار الذي "جاء بالوقت المناسب،" تماشياً مع رؤية 2030 لمستقبل أفضل للسعودية. فيديوهات يوتيوبية كثيرة طرحت قضية القيادة على مر السنوات الماضية مثل " "لن تقودي" "هواجيس" وغيرها والتي أصبحت اليوم كذكرى توثّق ماضٍ عاشته النساء السعوديات.

مناهل، 24، طالبة وموظفة وناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، تقول أنها توقعت هذا القرار: "كان شعوراً لا يوصف أبداً ليس لأنني ذهلت بهذا القرار بل لأنه عند سماعي لوجود أوامر ملكية وقبل إعلان القرار بعدة دقائق أخبرت من حولي بأن هذا الأمر الملكي سوف يكون هذه المرة هو رفع حظر القيادة عن المرأة السعودية،" تقول بسعادة. بالنسبة لمناهل، هذا قرار قيادة المرأة للسيارة هو "بمثابة فتح البوابة الرئيسية لفتح الأبواب الداخلية والمتبقية من حقوق المرأة. هناك الكثير والكثير من الحقوق التي لم تنالها المرأة بعد كحق إسقاط الولاية وتحديد سن رشد للمرأة." مناهل تشير الى أن البعض لا يزال غير مقتنع بالقرار وما زال يعتقد بأن "قيادة المرأة للسيارة خطيئة تستوجب الاستنكار."

مواقف للسيدات، اللولو مول، الرياض. تصوير: ندى حجوز

ردة فعل المجتمع السعودي على هذا القرار لا تزال متباينة ما بين داعم ومستنكر، وكما أن هناك عدد من النساء السعوديات اللواتي اخترن عدم قيادة السيارة لأسباب مختلفة تتعلق بالازدحام، والخوف من التحرش وعدم وجود أماكن كافية في مواقف السيارات. ليان دمنهوري، 25، صحفية سعودية تابعت جميع هذه الآراء والتعليقات. وعن ذلك تقول: "هناك عدة فئات في المجتمع وعدة آراء. هناك طبعاً النساء اللاتي عبرن عن فرحتهن بالقرار الذي سيؤثر ايجابياً على حياتهن اليومية، ثم هناك فئة أخرى من النساء اللواتي لا ينوين القيادة لكن مقدرين أن لديهن هذا الخيار إذا احتاجن له. هناك فئة من الرجال الذين يدعمون القرار وهناك الكثير من يتوقعون الازدحام وحدوث الكثير من الحوادث المرورية. هناك أيضاً مبالغة في كمية التعليقات المضحكة والمزح في النقاشات والتواصل الاجتماعي عن المواقف الطريفة التي قد تتعرض لها المرأة عند قيادتها للسيارة."

قيادة السيارة ستمكن المرأة من التحكم في حياتها وعملها، فهناك نسبة كبيرة من الشركات التي تستصعب توظيف المرأة بسبب تعطلها في المواصلات

ليان تؤكد أن هذا القرار سيغير من وضع المرأة السعودية تماماً: "قيادة السيارة ستمكن المرأة من التحكم في حياتها وعملها، فهناك نسبة كبيرة من الشركات التي تستصعب توظيف المرأة بسبب تعطلها في المواصلات. وكان هو العائق الأكبر لمشاركة المرأة في سوق العمل، فلا يوجد في المملكة وسائل مواصلات عامة وكان الاعتماد على السائقين الأجانب بشكل كبير." وتشير تقارير الى أن تكاليف السائقين الأجانب التي تدفعها الأسر السعودية في 2016، وصلت الى 14 مليار ريال ( 3.73 مليار دولار أميركي) بما في ذلك تكاليف الإقامة والتأشيرة ورخصة القيادة والتأمين والسكن والغذاء والعلاج الطبي والراتب وتكاليف الاستقدام وتذاكر السفر.

وقد فتحت مدارس القيادة أبوابها مؤخراً، وتلقت آلاف طلبات التسجيل، معظم النساء لم يبدأن تدريب حتى اللحظة بسبب الضغط وارتفاع التكاليف وقلة المدارس. فقد تم حتى الآن منح الترخيص لخمس مدارس لتعليم المرأة قيادة السيارة، في مدن الرياض، وجدة، والدمام، والمدينة المنورة وتبوك، ويتم حالياً دراسة طلبات لافتتاح مدارس أخرى في مختلف المدن والمحافظات السعودية. وتشير تقارير إلى أن 7،822 تَسجلن للحصول على الرخصة حتى اللحظة، منهن 293 لديهن رخص منتهية الصلاحية، و261 سددن كلف التدريب، وتم تحديد مواعيد لتدريبهن.

الجازي الخالدي، 25، طبيبة، هي واحدة من اوائل اللواتي سجلن للتدريب، وهي تصف تجربة تعلم القيادة بالرائعة. "تدربت في المدرسة السعودية للقيادة بجامعة الأميرة نورة وكانت تجربة أكثر من رائعة من جميع النواحي، المكان والإمكانيات، النظافة وانظمة السلامة، والمدربات كن متعاونات جداً. أنا اليوم أحمل رخصة قيادة سعودية لذا سأقود سيارتي اليوم وأذهب إلى العمل بسيارتي." مناهل على الجهة الاخرى، لم يحالفها الحظ بالحصول على تدريب لعدم وجود مدارس لتعليم قيادة السيارات في منطقتها: "على حد علمي فإنه إلى اليوم لم تفتح أية مراكز تدريب لقيادة المرأة في منطقة القصيم ولكن بالتأكيد سوف تفتتح بالقريب العاجل وبالتأكيد سوف أتدرب وأقود سيارتي الخاصة قريباً." أما هناء فلا تنكر وجود استغلال مادي: "المدارس عددها قليل جداً، وتعامل الجميع اللواتي يعرفن القيادة واللاتي لا يعرفن بنفس الأسلوب، هو استغلال مادي لا أكثر ولا أقل."

على عكس المتوقع ربما، فإن معارض السيارات لا تشهد ازدحاماً وإقبالاً مُلفت كما تقول رنا، 25، موظفة في معرض سيارات في الرياض: "مدارس تعليم القيادة فتحت أبوابها مؤخراًِ، ولم تنته الفتيات من التدريب حتى الآن. هذا بالإضافة إلى أن أسعار السيارات مرتفعة، لن تجدي سائقات صغيرات السن هنا، زبائننا إن وجدن فهن من المقتدرات مالياً وسيدات بعمر كبير ومتمرسات على القيادة في الخارج."

لا أعتقد أن السائقات سيتعرضن للمضايقات، بل على العكس، سيقف الرجال بجانبهن في حال حصول أي مشكلة

لا شك أن رفع الحظر عن قيادة السيارة سيفتح أبواباً كثيرة لتوظيف النساء بمختلف الوظائف، فقد أعلنت المديرية العامة للجوازات السعودية أنها تستعد للمرة الأولى لتوظيف 140 سيدة برتبة عسكرية، تبدأ بـ "جندي،" في المطارات والمعابر الحدودية البرية. وقد تقدمت نحو 107 آلاف امرأة لشغل الوظيفة، بحسب مركز التواصل الدولي التابع لوزارة الثقافة السعودية. كما تم الإعلان مؤخراً عن تخريج وتوظيف أول دفعة من محققات الحوادث المرورية، كما وفتحت شركة كريم أبوابها للنساء للتقديم على وظائفها، مع تجهيز كافة وسائل السلامة لها بعد نشر قانون التحرش الذي يفرض عقوبات على المتحرش قد تصل إلى السجن مدة خمس سنوات وغرامة قدرها 300 ألف ريال (80 ألف دولار). وداد عبرت عن سعادتها بوجود "كابتن" امرأة في القريب العاجل: "هذا ليس انتقاص للمرأة أبداً كما يظن البعض بل هو عمل كأي عمل آخر تكسب منه أجراً. وهناك بعض النساء مثلي ومثل أخواتي تفضلن سائقة إمرأة أكثر من رجل."

على الرغم من اختلاف الآراء والانتقادات، إلا أن جميع النساء التي قابلتهن كن سعيدات بهذا القرار ولم يتوقفن عن مشاركة نصائحهن مع السائقات الجديدات. "أنصح السيدات بالقيادة بالتدريج والبدء بالذهاب إلى الأماكن القريبة ثم المسافات الطويلة بالتدريج حتى تكسر حاجز الخوف،" تقول ليان والتي تحمل رخصة قيادة من الولايات المتحدة. "كما أتمنى منع المتهورين في الشوارع وضبطهم لسلامة الآخرين، والأهم هو معرفة السائقات لحقوقهن وضرورة الإبلاغ عن أي مشاكل يتعرضن لها."

أما وداد فهي متفاءلة بشكل خاص: "لا شك أن قانون التحرش مهم جداً ولكن لنحسن الظن فأنا عن نفسي، لا أعتقد أن السائقات سيتعرضن للمضايقات، بل على العكس، سيقف الرجال بجانبهن في حال حصول أي مشكلة." بالنسبة لهناء الفرحة تكتمل بالعمل معاً لتحقيق مستقبل أفضل للسعوديات، وتقول أنها ستقوم بدورها: "لقد أعلنت عن استعدادي وتطوعي لتدريب النساء على القيادة مجاناً، ابتداء من اليوم وحتى افتتاح مدارس كافية بالمملكة."