شباب غزة يتحدثون عن الأمل المفقود بعد 11 عاماً من الحصار

تصوير: رويدا عامر

سياسة

شباب غزة يتحدثون عن الأمل المفقود بعد 11 عاماً من الحصار

نتج عن هذا الحصار تقليص ساعات الكهرباء إلى 4 ساعات يومياً وعدم توافر المياه إلا يومين في الأسبوع

"غزة لا يوجد بها شيء جيد،" تقول فاطمة محمدين (25 عاماً) من حي الشجاعية بمدينة غزة والتي خسرت عدداً من أفراد عائلتها وتعرض منزلها للقصف مرات عديدة خلال الحروب الثلاث على غزة. "الحصار خلف مشاكل أسرية حادة ونتج عنه طلاق بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة والفقر والبطالة وغيرها، بالإضافة الى حسرة الشباب على عمرهم الذي مضى بدون زواج أو فرصة عمل ولا يوجد لديهم رؤية واضحة لمستقبلهم أبداً." فاطمة التي درست خدمة اجتماعية ولم تجد أي وظيفة بعد، تقول أن "الحصار على غزة يبدو كحلم طويل أخذ 11 عاما من العمر. الحروب تصبح أكثر قسوة في سنوات الحصار، الفرحة مفقودة في كل بيت في غزة." في هذا الشهر (يونيو) يدخل الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، براً وبحراً وجواً، عامه الحادي عشر. سنوات الحصار الطويلة، والتي دمرت البنية التحتية والاقتصادية والاجتماعية، غيرت ملامح كل شيء في هذا القطاع الذي لا تتجاوز مساحته 360 كيلو متر مربع ويضم 2 مليون مواطن يعيشون في ظروف اقتصادية وصفت بأنها "الأسوأ" في العالم. خلال هذه السنوات من الحصار الخانق، شنت إسرائيل ثلاث حروب عدوانية، خسر فيها المواطنين أرواحهم وبيوتهم وأحلامهم، وأدت الى تفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات مخيفة. فقد وصلت نسبة الفقر في القطاع الى 53% حسب مركز الإحصاء الفلسطيني، فيما بلغت نسبة البطالة حوالي 44% وهي من الأعلى في العالم.

إعلان

فاطمة محمدين - تصوير: رويدا عامر

وقد نتج عن هذا الحصار تقليص ساعات الكهرباء إلى 4 ساعات يومياً وعدم توافر المياه إلا يومين في الأسبوع، بالإضافة إلى إغلاق مَعبري رفح لسفر المواطنين إلى الخارج ومعبر كرم أبو سالم الذي يدخل البضائع والمواد الغذائية والوقود إلى غزة بشكل متواصل مما أدى إلى فقد الطلاب تعليمهم والمرضى علاجهم. وبدأت الأيام الأولى لحصار غزة، عندّما فرضته إسرائيل على القطاع إثر فوز حركة حماس، التي تعتبرها "منظمة إرهابية" في الانتخابات التشريعية في يناير 2006. ثم عززت إسرائيل الحصار، وشدّدته في منتصف يونيو 2007 إثر سيطرة الحركة على القطاع.

محمود أمان (25 عاماً) الحاصل على دبلوم المحاسبة، كان عمره 14 عاماً عندما بدأ الحصار على غزة، ويتذكر تأثير الحصار التدريجي على حياته ودراسته: "بدأ أثر الحصار يظهر خلال سنوات المدرسة عندما انقطعت رواتب المعلمين نتيجة المناكفات السياسية بين حماس وفتح ومن ثم بدأت المدرسة بإستقبال معلمين جدد. العديد من الطلاب لم يتقبل المعلمين الجدد، كان هناك فرق كبير في أسلوب التدريس وطريقة التعامل ووجدوا صعوبة في استقبال المعلومة من معلم آخر، لهذا كانت تحدث إضرابات في المدرسة ويتغيب الطلاب عن الدراسة مطالبين بعودة المعلمين، وهكذا مضت سنوات الدراسة على هذا الحال لأن الحصار لم ينتهي، والأمور كانت من سيء لأسوأ." ويضيف محمود قائلاً: "الحصار دخل إلى بيوتنا فأصبحنا نفتقد أشياء كثيرة من التي تعودنا عليها مثل الخروج مع العائلة أسبوعياً أو شراء أغراض خاصة من فترة لأخرى، فأصبحنا نستغني عنها من أجل توفير المال للأشياء الأساسية من مأكل ومشرب ومصروف للمدرسة، والذي حُرمنا منه بعض الأحيان لعدم وجود دخل مادي."

إعلان

محمود كما غيره العديد من الشباب في غزة من الذين كان لديه حلم الدراسة في الخارج، ولكن إغلاق المعابر قضى على هذا الحلم تماماً: "كان لدي حلم بالسفر الى الجزائر لأن والدتي جزائرية وظل حب الجزائر في قلبي وأعتبرها البلد الثاني لي، وكنت أريد أن أكمل دراستي الجامعية فيها، ولكن إغلاق معبر رفح والمحاولات المتكررة من أجل الخروج بائت بالفشل لأن صعوبة فتح المعبر قتل هذا الحلم الذي كان يرافقني منذ الصغر. بعد هذه المحاولات استسلمت للواقع والتحقت بالكلية لدراسة دبلوم محاسبة وأنهيت دراستي في غزة." بعد تخرجه، لم يجد محمود أي فرصة عمل فاختار أن يعمل بشكل تطوعي والمشاركة في الأنشطة والفعاليات من أجل اكتساب بعض الخبرة، إضافة إلى ممارسة هوايته المفضلة وهي لعب كرة القدم: "ظروف الحصار الصعبة تُسبب ضغط نفسي كبير على الشباب لهذا يوجد طاقة سلبية في كل شخص، ولكن اخترت أن أفرغها بكرة القدم وأن أحافظ على هذه الهواية كوسيلة لتخفيف الضغط والترفيه عن النفس."

محمود أمان - تصوير: رويدا عامر

محمود يقول أن الحصار على غزة أكبر وأعمق من المشاكل الاقتصادية والسياسية والإنسانية، بل أثر على شكل العلاقات الاجتماعية: "الحصار غَير في نفوس المواطنين فأصبحت لا أجد الثقة والحب كما كنت في السابق، لهذا حافظت على أصدقائي منذ الطفولة واستمرت علاقتي معهم لأني أفهمهم ويفهموني ونستوعب ردة فعل بعضنا. الكل يتعامل بحذر وقلق."

بعض الشباب لم يتقبلوا فكرة عدم التعليم في الخارج والاستسلام لإنهاء الدراسة في غزة مثل منار الشريف (21 عاماً) التي تحلم بدراسة الصحافة والإعلام في الخارج، ولكن إغلاق المعبر حرمها من ذلك: "الحصار منع المواطن الفسطيني في غزة من أبسط حقوقه في السفر والتعليم. أريد إكمال دراستي خارج غزة وليس في جامعاتها لأني أرى مجال الإعلام أصبح في انحياز حزبي ولا يوجد استقلالية في هذا المجال وهذا كله نتيجة عن الحصار والخلافات السياسية. ولكن لا أستطيع الخروج من غزة." منار رفضت أن تنضم إلى جامعة في غزة ولا تزال تنتظر أي فرصة لتحقيق حلمها: "لا زلت أنتظر خروجي من غزة للتعليم لأني على قناعة أنني ما أريده من تعليم في مجال الصحافة والإعلام هو في الخارج وليس في غزة، وأنا مصرة على أنه من حقي اختيار تعليمي، على الرغم من شعوري بأنني محاصرة وخياراتي محدودة جداً."

إعلان

ومنذ بدء الحصار تمنع إسرائيل دخول مواد البناء والإعمار والكثير من قطع الغيار وغيرها من مئات الأصناف من البضائع من الوصول لغزة، وإن سمحت فهي تسمح بكميات قليلة جدا، ولا يزال الآلاف من المواطنين بلا مأوى ويعيشون في منازل مقطورة بعد تدمير بيوتهم خلال الحروب الثلاث، فيما يعيش معظم السكان على المعونات الدولية.

منار الشريف -تصوير: رويدا عامر

يعلم رامي أمان (35 عاماً) مهندس اتصالات وناشط شبابي، والذي خسر عمله مع بداية الحصار، ما تعنيه منار جيداً، فالحصار أيضاً قضى على خططه المستقبلية ومن ضمنها العمل في الخارج: "كنت على رأس عملي عندما بدأ الحصار وبعد أشهر قليلة فقدت عملي. كنت أعتقد أن الحصار سيستمر شهر أو شهرين وسوف ينتهي. ولكن سنة بعد أخرى، كنت أرى التغيرات السلبية من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة ومن ثم شح المواد الغذائية بسبب إغلاق المعابر ومن ثم انقطاع وقود السيارات مما دفعنا استخدام زيت الطبخ لتشغيل السيارات. كل هذه التغييرات كانت تشير إلى أنه حصار قوي وطويل هذا الأمر أشعرني باليأس وأصبحت أرى أن خطة حياتي انتهت قبل أن تبدأ."

بعد ثلاث سنوات من اليأس وفقدان الأمل في إيجاد أي عمل في غزة، قرر رامي كسر هذا الحصار من خلال مواقع التواصل الاجتماعي للتعرف على أشخاص وتبادل خبرات وغيرها: "تخيل أن يكون 2 مليون شخص مسجون في غرفة واحدة لا يوجد تجديد، بل تتكرر الوجوه والأفكار والظروف والحياة مقتصرة فقط على الحزن والألم، لهذا كسرت الحصار بفتح نافذة على العالم من خلال التواصل الاجتماعي. "رامي يرى أن وضع غزة وصل الى أفق مسدود: "غزة تفتقد أساسيات الحياة وأصبحت بيئة غير صالحة للعيش مع انعدام الماء والكهرباء والنظافة."

رامي أمان -تصوير: رويدا عامر

ما يقوله رامي تؤكد عليه مجموعة من التقارير على وجود كارثة بيئية حقيقة في غزة. وقد تسبب انقطاع التيار الكهربائي لما يزيد عن 21 ساعة يوميًا إلى حدوث شلل شبه تام في معظم الخدمات الحيوية والصحية والبيئية التي يتلقاها سكان محافظات غزة، ومنها خدمات معالجة مياه الصرف الصحي، بسبب منع إسرائيل دخول مضخات وقطع غيار لمولدات الكهرباء ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي التي تنتهي في البحر. وقد حذر مركز "الميزان" لحقوق الإنسان الفلسطيني غير الحكومي من تداعيات كارثية قد يجلبها تلوث بحر غزة نتيجة لتواصل ضخ مياه الصرف الصحي دون معالجة بسبب استمرار أزمة الكهرباء. وأشار المركز أن الفحوصات التي أجرتها وزارة الصحة وسلطة جودة البيئة في قطاع غزة أظهرت ارتفاع نسبة تلوث مياه البحر إلى 73%. ذلك بالاضافة الى أزمة القطاع الصحي الناتجة عن انقطاع الكهرباء لساعات متواصلة والتي تؤدي الى توقف الأجهزة عن المرضى مما يعرض حياتهم للخطر بشكل كبير.

إعلان

محمد مطير (26 عاماً) الذي أنهى دراسته في كلية الحقوق ويعمل في مكتب محاماة بدون مقابل مادي، يقول أن سنوات الحصار لن تُنسى من ذاكرة أي شخص، وأنها أثرت على حياته بشكل كبير:" بدأ الحصار يرافقني وأنا طالب بالمدرسة، انقطاع الكهرباء لساعات طويلة واستخدام الشمع للإنارة كانت فترة صعبة لا يمكنني نسيانها، وعندما تطور الأمر الى استخدام مولد كهربائي، كنا لا نجد وقوداً لتشغيله، ونبدأ بالبحث عنه في محطات الوقود. عند انقطاع غاز الطبخ، أذكر أنني أذهب للبحث عن بابور الكاز للطبخ عليه." ويضيف قائلاً: "جاءت مرحلة الدراسة الجامعية، كنت أشعر أنه يوجد بالأفق أي شيء لأن الظروف تشير الى أنه من الممكن ألا أجد فرصة عمل، ومن ثم التفكير بالجانب المادي وكيفية دفع الرسوم للجامعة، والذي كان عبارة عن نظام قروض يتم تسديدها على مدار الفصول الدراسية. توفير الرسوم في ظل الحصار كان أمر صعباً جداً وعبء على الأهل ولكني لحسن الحظ تمكنت من دفع الرسوم وإنهاء الجامعة."

محمد مطير -تصوير: رويدا عامر

مع صعوبة الحياة تحت الحصار في غزة، يقول محمد أن هناك خيارين فقط أما المواجهة واكمال المسيرة أو الاستسلام لها: "الظروف الصعبة صنعت لي شخصيتي وهي التي أسستها وأن أطور من قدراتي، أعلم أنني أعمل بدون مقابل ولكن هكذا ظروف غزة التي نأمل أن تنتهي بالوحدة والسلام."

فاطمة أيضاً تحاول النظر إلى الجانب الإيجابي، فهي تحاول تعلم المزيد من الخبرات من خلال المشاركة في الأنشطة والمبادرات الشبابية: "صعوبة الوضع وعدم الأمل بانتهاء الحصار جعل الشباب يستهزئون من أي شخص لديه تفاؤل، لهذا دائما أقول أن ألامل ضروري من أجل البقاء والاستمرار وتحدي هذا الحصار قبل أن يقضي علينا."

رامي على الجانب الآخر، لا يشعر بالتفاؤل بقرب رفع الحصار: "غزة كئيبة وهذا لن يتغير بوضع الحصار هذا،" يشير رامي ولكنه لا ينفي وجود بعض قصص النجاح: "محمد عساف خرج من وسط الحصار وهناك لاعبين كرة قدم أيضاً وغيرهم حققوا نجاحات على الرغم من الحصار. الشباب هم عنوان التغيير في الواقع ولكن غزة وضعها بشكل عام سيء وكل شيء جميل تحطم فيها."