تونس

هل تحسم "المعكرونة" نتيجة الانتخابات الرئاسية في تونس؟!

رغم ما يمثله صعود المرشح المستقل قيس سعيد لجولة الإعادة، إلا أن المفاجأة الأكبر في منافسه نبيل القروي الذي ينافس بقوة من السجن!
29.9.19
IMG_1012

قبل أيام أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن نتيجة الدور الاول من الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها. كانت النتيجة مفاجأة لكل مكونات المجتمع التونسي، سواء من المتابعين أو السياسيين أو حتى المواطنين الذين لم يُرهقوا أنفسهم بعناء توقعات الفائزين. هذه المفاجأة دوت في تونس رغم نتائج استطلاعات الرأي التي وضعت المرشحين الذين وصلا لمرحلة الإعادة في أعلى الترتيب منذ مارس الماضي.

كانت نسبة المشاركة ضعيفة جدًا ووصلت إلى 45.02 بالمائة، رغم أن عدد المسجلين بالهيئة قد وصل إلى ما يقارب 7ملايين ناخب وهو ما يقارب الــ 70 بالمائة من عدد سكان تونس. فارق شاسع بين مرشحا الإعادة؛ فالاول في الترتيب قيس سعيد، مرشح مستقل وأكاديمي (18.4 بالمئة من الأصوات)، فيما الثاني نبيل القروي (15.58 بالمئة)، رجل أعمال و إعلام لايزال يقبع في السجن بتهم تتعلق بالتهرب الضريبي. ومع ما يمثله تغلب قيس سعيد، المرشح المستقل، على مرشحي الأحزاب والحركات السياسية من حدث كبير؛ إلا أن الحدث الأكبر يتمثل في منافسه نبيل القروي، الذي حجز لنفسه المقعد الثاني في جولة الإعادة، رغم خوضه الانتخابات من محبسه.

تونس.. تاريخ من الشعبوية الانتخابية

نظمت تونس أول انتخابات بعد الثورة في عام 2011 بهدف إنشاء المجلس الوطني التأسيسي والذي كانت مهمته كتابة الدستور . لكن كم الشعبوية الذي تلقاه المواطن التونسي في ذلك الوقت لا يوصف؛ حيث قال راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة الاسلامية في أحد المؤتمرات التي عقدت بأحد محافظات الجمهورية، أن حركة النهضة تمثل الإسلام في تونس، في إشارة إلى أن من ينتخب النهضة قد حافظ على الاسلام.

وأضاف الغنوشي في المؤتمر ذاته: "إن الذين يحاربون النهضة يحاربون بطريقة غير مباشرة الاسلام". كان هذه أولى إشارات التوظيف الديني في السياسة ، توظيف ما لا يوظف في السياسة لم يقف عند هذا الحد؛ فشعبوية الهاشمي الحامدي صاحب قناة المستقلة لم تكن دينية بل سعى في ذلك الوقت إلى إقناع الفقراء من تونس بأن انتخابه سيفتح لهم أبواب الجنة. وقال في أحد حلقات برنامجه على قناة "نسمة" التلفزيونية التي يملكها: "سأقوم ببناء جسر بين تونس وإيطاليا، وسأجعل جميع الفقراء يستعملون وسائل النقل بدون مقابل. كما تعهد تخفيض سعر الخبز، وإغلاق مؤسسة الاذاعة والتلفزة الحكومية التي تشغل 1200 موظف. فازت حركة النهضة بما يقارب 89 مقعدًا في البرلمان، فيما تحصل تيار المحبة الذي يرأسه الحامدي على الكتلة الثالثة من حيث عدد المقاعد.

المعكرونة تهزم الأحزاب

تتواصل قصة توظيف الدين والوضعية الاجتماعية للمواطن التونسي، فمنذ أكثر من ثلاث سنوات أطلق رجل أعمال تونسي يمتلك قناة تونسية خاصة، برنامجًا جديدًا على قناته. برنامج مباشر يمتد من الساعة الثامنة صباحًا و حتى الساعة السادسة مساء، يهتم هذا بالجهات الداخلية لتونس و بطبقة الفقراء. كما أسس جمعية باسم "خليل تونس"، وخليل هو اسم ابنه الذي توفي في حادث سيارة.

بدأ الرجل حملة تبرعات بإسم الجمعية للفقراء و المعوزين و ضعاف الحال. وعلى مدار ثلاث سنوات لم يدخر جهدًا في مساعدة الفقراء بكراسي لذوي الاحتياجات الخاصة، ملابس، أغطية وطعام. وفيما يتعلق بالطعام كانت المساعدة التي تقدم للفقراء عبارة عن زيت و طماطم و أكياس من المعكرونة، وهو ما دفع بالبعض إلى إطلاق النكات على مواقع التواصل الاجتماعي وإلصاق "المعكرونة" بكل ما يتعلق بالمرشح الرئاسي نبيل القروي، حتى أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد في تصريح لإحدى الإذاعات الخاصة أطلق عليه اسم "نبيل مقرونة" في محاولة للسخرية منه (المقرونة هي المعكرونة باللهجة التونسية).

بعد ثلاث سنوات قرر الرجل الدخول في المعترك الانتخابي، و في مارس 2019 أكدت نتائج استطلاعات الرأي أن نبيل القروي يأتي في مراتب متقدمة جدًا، ما مثل صدمة للمجتمع التونسي. يقول المحلل السياسي عبد اللطيف الحناشي في تصريح لـ VICE عربية: "قد يكون نبيل القروي من خلال ممارساته وخطابه استخدم مفادات و خطابات شعبوية، ولكنه ليس بالضرورة شعبوي ". ويضيف الحناشي: "الشعبوية هي نظرية تحتوي عدة مفاهيم مثل الفوضوية، وعدم التنظيم، ولكن في إطار برنامج و ليس في إطار حزبي منظم". قبل أشهر من الانتخابات تمكن القروي من الدخول في حزب يقول البعض أنه اشتراه من أحد مؤسسيه وهو "حزب قلب تونس".

بين التأييد والمعارضة

صالحة (53 سنة ) إحدى النساء اللاتي ينتمين إلى الطبقة الفقيرة، تعيش صالحة بإحدى القرى بالشمال الغربي تسمى "دوار الجواودة، شاركت في الانتخابات للمرة الأولى في سنة 2019 وقد اختارت المرشح نبيل القروي. تتحدث صالحة عن أسباب اختيارها قائلة: "الرجل الوحيد الذي زارنا في قريتنا هو نبيل القروي، وقد ساعد ابني بكرسي متحرك وهو جميل لا أنساه وأرى أنه أقدرهم على حكم تونس فهو طيب و حنون". في المقابل يقول محمود سعداوي (33 سنة ) ويعمل في أحد مراكز الاتصال، إنه يفضل أن يقدم ورقة بيضاء على انتخاب القروي. ويضيف :"هذا الرجل يلعب على عواطف الناس، إنه يساعدهم و في نفس الوقت يهينهم فهو يساعدهم ولكن في الحقيقة يشتري أصواتهم بتلك العلب البسيطة من الطعام".

يقول المحلل السياسي عبد اللطيف الحناشي أن هناك اختلاف كبير بين الشعبوية الأوروبية و ما يحصل في تونس؛ فالسياسيون التونسيون يستعملون خطابًا شعبويًا، مفردات شعبوية، وأفكار شعبوية، لكنهم ليسوا شعبويين. ليس تنزيها لهم و لكن الشعبوية لديها مفهوم خاص أهم محاوره عدم وجود حزام حزبي". وقد طغت الخطابات الشعبوية في تونس، وكان من علامات ذلك ما قاله المرشح الهاشمي الحامدي في المناظرة التي عقدت على مدار ثلاثة أيام بين المرشحين الرئاسيين؛ إذ قال الحامدي: "في بعض الاحيان عندما أزور المناطق الفقيرة يقولون لي أرأيت أين نسكن نحن فيما هم يسكنون في الأحياء الراقية و القصور؟!".. هذا التصريح أثار موجة من الانتقادات واعتبره البعض تحريضًا وتشجيعًا على التناحر الطبقي.

فاز نبيل القروي في انتخابات الدور اأاول بنسبة 15.9 بالمائة من الأصوات، وتقول التقارير الصادرة من هيئة الانتخابات أن معظم منتخبي نبيل القروي هم من الطبقة الفقيرة، وينتمون إلى المناطق الفقيرة و التي ركز عليها في حملة المساعدات التي قام بها على مدار السنوات الثلاث الماضية. ويعلق أحدهم في محاولة لوصف الواقع السياسي في تونس: "نبيل القروي سيصل إلى قصر قرطاج بـ2 كغ من المعكرونة؛ فيما آخرون صرفوا أموالا طائلة ولم يتجاوزوا نسبة 1% من الأصوات". يمكن اعتبار ذلك ملخص الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في تونس، وهو ما يطرح السؤال الصعب: هل يمكن أن تصل المعكرونة بـ "نبيل القروي" إلى قصر قرطاج؟!