FYI.

This story is over 5 years old.

تقنية

ماذا لو اكتشفت أن "مثلك الأعلى" روبوت؟

التطور السريع في تقنيات مواقع التواصل يدفع في اتجاه إحلال الذكاء الاصطناعي محل البشر لإدارة حسابات مؤثرة من إنتاج المحتوى إلى الرد على المتابعين
ex-machina

Ex-Machina/يوتيوب

قبل عدة أعوام، كنت مراسلاً صحفياً متخصصًا بالشأن العربي والمصري وأستخدم مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الأخبار. نظرًا لطبيعة تلك الفترة وما شهدته من أحداث وتحولات، كان هنالك اهتمام كبير بالأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة، كونها وسيط جديد لنقل الأخبار لم يكن مستخدمًا من قبل. لم يعد أي قارئ بحاجة للانتظار يومًا أو بعض يوم حتى تصدر الجريدة المطبوعة ليعرف تفاصيل أي خبر. التحديثات أصبحت لحظية وسريعة. وكذلك ظهر مفهوم جديد "الصحفي المواطن" حيث أصبح بإمكان كل مستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي أن ينشر أخبار كشاهد عيان تواجد في موقع الحدث. كانت فترة ازدهار للصحافة الالكترونية غيرت شكل وطبيعة الصحافة والإعلام في العالم.

إعلان

خلال فترة قصيرة، أصبح لدي آلاف المتابعين من مختلف أنحاء العالم على مختلف حساباتي بمواقع التواصل، وكذلك كان الحال بالنسبة لصحفيين كثر من كل أنحاء العالم. كان الصحفيون يحتلون المراتب الأولى للحسابات الأكثر متابعة في العالم. كان عدد المتابعين مرتبط حينها بالمصداقية والدقة وسرعة نقل الخبر وعمق التحليل. كنت أنشر أخبارًا وكتابات عما يجول في أفكاري ومشاعري. هل كنت مؤثرًا؟ بالطبع ما أكتبه كان يستحوذ على اهتمام الآلاف ينشرونه ويرددونه ويعتمدون عليه. إن لم يكن هذا تأثيرا مباشرا في الرأي العام فما هو التأثير؟ عندما كنت مؤثرًِا، كان صانع المحتوى يعتمد على معدات ضخمة ومكلفة ليتمكن من تصوير وتحرير. وهذا كان السبب الرئيسي لاحتلال الصحفيين للمراتب الأولى للتأثير. لأن أدوات صناعة المحتوى لم تكن في متناول الجميع.

أصبح "التأثير" مهنة مستقلة بذاتها وفي معظم الأحيان تكون مرتبطة بصناعة المحتوى الذي يصلح للاستخدام الإعلاني

بحلول عام 2015 تغير الحال تمامًا بعدما تحولت دفة الاهتمام العام من الأخبار إلى الترفيه ومن الانفتاح المطلق على العالم إلى الرغبة في الوجود ضمن دائرة افتراضية ضيقة. أدى ذلك إلى تغيير جذري في صناعة الإعلام والإعلان أدت إلى صعود نجوم جدد وإنشاء منصات إعلامية جديدة تنتج محتوى مناسب للمرحلة الجديدة. خفت نجم موقع تويتر بكل ما يمثله من قيم الانفتاح والتواصل اللامحدود مع العالم، وبرز نجم تطبيقات اجتماعية مثل Snapchat وإنستغرام. وبدأ عصر جديد يعتمد على المادة المصورة أكثر من المكتوبة وعلى الخصوصية أكثر من الانفتاح.

سابقًا، كان التواجد في المجال العام لصناع المحتوى يقتصر على الموهوبين العاملين بالإعلام التقليدي والفنون المختلفة. لكن الآن هنالك اتجاه عام بين الشباب لأن يصبحوا "مؤثرين" على مواقع التواصل بعدما أصبح "التأثير" مهنة مستقلة بذاتها وفي معظم الأحيان تكون مرتبطة بصناعة المحتوى الذي يصلح للاستخدام الإعلاني. نجوم العصر الحالي أُطلق عليهم مسمى Influencers – مؤثرين، في الأغلب يهتمون بالترفيه وبكل ما هو شخصي ويستهدفون الشباب. ويستخدمون حساباتهم لأغراض إعلانية بعد أن أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مصدرًا للدخل. وفي تقديري الشخصي، كانت هذه هي الموجة الثالثة لمواقع التواصل الاجتماعي. كانت الأولى مع ظهور المدونات والمنتديات الالكترونية مع مطلع الألفية، ثم الموجة الثانية بظهور مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر واستخدامهم فيما بعد كوسيط مباشر بين منتج المحتوى والمتلقي.

إعلان

الآن، أصبح إنتاج المحتوى في متناول الجميع من خلال الهواتف الذكية نظرًا لكفاءة الكاميرا وتطور برمجيات تحرير الفيديو والصور لتمكن صناع المحتوى من أن يصبحوا مؤسسات مستقلة كل منهم ينتج وينشر لنفسه وكذلك يحصل على عائد إعلاني. يستخدم المؤثرون الحاليون أدوات بسيطة لتحرير المحتوى بجودة أقرب ما تكون إلى الاحترافية، هاتف ذكي ذو كاميرا تلتقط فيديوهات عالية الوضوح وعدة تطبيقات بسيطة على نفس الهاتف تمكن المؤثر من إنتاج المحتوى خلال دقائق في عملية سلسة وسهلة لا تحتاج مختص.

ماذا لو اكتشفت أن "المؤثر" الذي تفضل متابعته ما هو إلا برنامج ينتج محتوى وينشره ويتفاعل مع المتابعين بشكل تلقائي وعفوي؟

IMovie و GoPro Quik يعتبرا من أبرز تطبيقات الهاتف التي تمكن المؤثر من تحرير الفيديو على الهاتف. وكذلك كل الهواتف الذكية تحتوي على خصائص متعددة لميكنة إنتاج الفيديو ببساطة وببضع لمسات لشاشة الهاتف. هناك أيضا عدد لا نهائي من التطبيقات التي تساعد على ميكنة النشر والتفاعل مع جمهور المتابعين لضمان معدل تواصل ووصول معتدل بين المرسل والمتلقي. هذه الموجات المتلاحقة من تطوير المحتوى، نتجت عن التطور المستمر للتكنولوجيا المستخدمة في بناء منصات التواصل الاجتماعي وكذلك سلوك المستخدمين. اليوم تعتمد هذه المواقع على تقنيات متعددة للذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والواقع المعزز وعشرات التقنيات الأخرى التي تمهد الطريق أمام موجة جديدة لتغير سلوك المستخدمين وطبيعة المحتوى وكذلك لظهور منصات جديدة للتواصل الاجتماعي.

من التطبيقات البسيطة للذكاء الاصطناعي والشائع استخدامها اليوم هي Chatbot (شات بوت) وهي وسيلة للتواصل مع العملاء على مواقع التواصل الاجتماعي للإجابة على اسئلتهم وحل مشاكلهم بدون تدخل بشري مباشر، هذه التقنية ما هي إلا برنامج يتمتع بذكاء اصطناعي يعتمد على العنصر البشري لتحضيره وإطلاقه ومن ثم يطور نفسه بنفسه. وبحسب تقرير لمؤسسة غارتنر للأبحاث، فأن الـ"شات بوت" ستكون مسؤولة عن التحكم في 25% من عمليات خدمة العملاء وإدارتها في المؤسسات والشركات على مستوي العالم بحلول عام 2020، لتعمل إما بديلاً للموظفين البشر، أو جنباً إلى جنب معهم، لتدير المستوى الابتدائي أو الثانوي من هذه العمليات. كل ذلك يمهد إلى بزوغ نجم جيل جديد من المؤثرين وصناع المحتوى. ماذا لو اكتشفت أن "المؤثر" الذي تفضل متابعته ما هو إلا برنامج ينتج محتوى وينشره ويتفاعل مع المتابعين بشكل تلقائي وعفوي يترك لديك انطباعا أن هنالك شخصا ما مبدع يدير هذا الحساب ليريك نتاج إبداعه.

إعلان

من أبرز المساحات التي يمكن إدارتها عبر توكيل مدير يتمتع بذكاء اصطناعي، هي الحسابات المتعلقة بالسفر والرحلات. يمكن لعدد من البرامج أن تتولى جمع الصور والفيديوهات المنشورة على الإنترنت وأن يصنع محتوى جديد وينشره ويتولى الرد على المعلقين والتفاعل مع حسابات أخرى لجذب انتباهها ومتابعتها. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة كبيرة اعتمادا على مفهوم الـ "Machine learning" وهو ببساطة أن البرنامج يجمع بيانات من المستخدم ويستخدمها لتطوير نفسه بنفسه دون تدخل بشري مباشر. هذا التطور ربما يكون مرعبًا للبعض ومفيدًا ومطمئنًا للبعض الآخر، كل حسب منظوره للتطور وكيفية استخدامه لصالح المستخدم.

معظم تقنيات الذكاء الاصطناعي جامدة تنتج محتوى ولكن لا يعبر عن أفكار وانحيازات ومشاعر أمل وحماس أو إحباط ويأس، رغبة أو نفور، حب أو كره

مطلع هذا العام، قدمت إحدى "المؤثرات" حملة إعلانية لشركة مساحيق تجميل مملوكة للمطربة الأمريكية ريانا، الحملة نالت إعجاب الآلاف. علق الكثيرون على الجمال الاستثنائي للمؤثرة السمراء وتابعوها. لا شئ يستحق الذكر هنا، حدث اعتيادي يحدث يوميًا مئات المرات حول العالم. في الرابع من مارس الفائت، كشف أمر "المؤثرة" الشهيرة، شادو التي أعلنت على حسابها على انستغرام أنها ليست إلا "مؤثرة افتراضية" تم تصميم صورها وتحريكها باستخدام برامج تصميم ثلاثي الأبعاد. ولكن دقة التصميم جعلته أقرب للحقيقة مما لم يدع مجالا للشك لمتابعيها. شادو، كما سماها مصممها، ليست الوحيدة. هنالك أخريات أيضا، منهم "ميكيلا" المؤثرة الأمريكية التي يتابعها ما يقرب من مليون شخص. كلهن جميلات وجذابات بشكل استثنائي. كلهن شخصيات افتراضية حسناوات ولكن لا يمكنهن التواصل والتعبير عن مشاعرهن وأفكارهن.

حتى الآن، معظم تقنيات الذكاء الاصطناعي جامدة تنتج محتوى ولكن لا يعبر عن أفكار وانحيازات ومشاعر أمل وحماس أو إحباط ويأس، رغبة أو نفور، حب أو كره. تنتج محتوى تفاعلي مرئي ولكن لا يتفاعل مع مشاعر البشر بشكل مباشر مما يجعل البشر قادرين بسهولة على التفرقة بين المحتوى المنتج عبر برامج ذكية اوتوماتيكيًا والمحتوى الذي أنتجه بشري. كل هذا سيتغير جذريًا عندما تتطور تقنيات الذكاء العاطفي الصناعي مع تطور البرمجيات ليمكنها تصوير نفسها في هيئة بشرية ويمكنها التفاعل مع البشر بشكل عاطفي مثلما يمكنها التفاعل منطقيًا. في مطلع عام 2016 أطلقت شركة مايكروسوفت حسابا على تويتر فتاة اسمها Tay وهي تمثيل لغوي مباشر لبرنامج ذكي اصطناعياً. يمكنه التعبير عن أفكاره ومشاعره ويتعلم ويتفاعل مع القضايا العامة بشكل مباشر عبر تويتر. خلال أقل من يوم تحولت الفتاة البريئة إلى عنصرية محبة لهتلر ومهووسة جنسياً مما اضطر شركة مايكروسوفت إلى إغلاق الحساب سريعاً. مع تطور Tay واخواتها ليصبح ذكائهن الاصطناعي العاطفي والمنطقي أكثر تطورا، ربما خلال عام أو اثنين على الأكثر نرى مؤثرين افتراضيين ينتجون محتوى مرئي مميز ويتابعهم الملايين ويتفاعلون معهم وينشرون أفكارهم.

المستخدم البشري يتطور سلوكه أيضا بنفس الأسلوب، ولكن ربما يكون معدل تطوره أبطأ من البرنامج وقد يصبح ضحية أو بطلاً. النتيجة تتوقف على تطور فكره ورغباته ومشاعره. في اعتقادي هناك نسبة ليست بقليلة من المستخدمين يمقتون العالم الافتراضي وينتقدونه باستمرار نتيجة لخلقه لمساحات وهمية تضخم من أهمية الذات وتدعم بشكل أو بآخر نشر الأخبار الزائفة مما أدى إلى تضليل المستخدم وتؤجج المشاعر السلبية والاستقطاب في المجتمعات المختلفة. في المقابل، التطور التكنولوجي أدى إلى اتاحة المعرفة للجميع، مما جعل العالم الافتراضي ثري بالمعلومات الحقيقية لمن يرغبها والزائفة لمن يصدقها. ماذا ستفعل في حال اكتشفت أن "المؤثر" الذي تتابعه بشغف ما هو إلا مجرد روبوت؟ سأترك الإجابة لخيالك.

تواصل مع كريم عبر تويتر