دليل الجامعات للطلاب

قررت تَرك الجامعة والعالم فَقد صوابه

جميع الإنتقادات التي تعرضت لها لأني لم أحصل على شهادتي الجامعية بعد ثلاثة سنوات في كلية الهندسة
9.9.18
الجامعة

لن أنجح مهما حاولت بالإحاطة بكافة الأسباب والتفاصيل أو توضيح جميع العوامل التي أوصلتني إلى قرار ترك الجامعة نهائياً بعد ثلاثة سنوات ضائعة في كلية الهندسة. بإختصار، سأقول أنني كنت الشخص الغير مناسب في المكان الغير مناسب، وأنني كنت أملك الكثير من الشغف لمجالات أو تخصصات أخرى مختلفة عملت لتطويرها على الهامش إلى أن قررت التفرغ لها بشكل نهائي وكامل، واكتساب المزيد من الخبرة العملية على حساب الجزء النظري الأكاديمي الذي وجدت أنني قادرة على تعلمه ذاتياً. لكن، إلى جانب الصعوبة والجهد المصاحبان لقرار كهذا، فإن الإعلان عن القرار ذاته لم يمر بهذه السهولة. كان عليّ في البداية مواجهة الدائرة الإجتماعية الأقرب متمثلةً بالعائلة بخصوص قراري، ومن ثم مواجهة مجتمع بأكمله. أفهم بالطبع الشعور بالتهديد الذي ينتاب أي جماعة عندما يختار أحد أفرادها سلوكاً غير معتاد أو خارج عن الروتين المتعارف عليه، والحاجة الجماعية للتنمر المرافق لهذا التهديد، لكن نقاطاً محددة كانت تتكرر وتطرح وتعاد أكثر من سواها وعلى نحو مستفز. بدا أن الجميع يمتلك رأياً لا بد من التعبير عنه لينور بصيرتي ويرشدني أو ينقذني من التهلكة التي دفعت بنفسي إليها دون أن أملك بالطبع أي حق بالرد بعد أن وجدت مذنبة بالإجماع. لذا، وضعت لائحة بكل العبارات التي سمعتها منذ قراري ترك التعليم الجامعي.

إعلان

ولكن، ماذا سنخبر الجيران؟
أدركت منذ طفولتي أن والديّ شديدا الولاء والإخلاص لجيرانهم، وإلا لماذا يتم التشبث بهم على أنهم المعيار الوحيد لدى اتخاذ أي قرار؟ في كل مرة كنت أتخيل فيها أني على وشك ربح النقاش مع والديّ حول دراستي الجامعية كنت أتعرض في اللحظات الأخيرة للضربة القاضية: "وين بدنا نروج بوجهنا قدام الجيران؟" ضربة تقصم الظهر والله. فالجيران يسألون، بل يسألون كثيراً عن كل شيء وبالتفصيل، خاصة إن كان الأمر يتعلق بالأولاد. قرار تركيَ الجامعة كان يعني أن يخسر والداي فرصة التباهي بابنتهم المهندسة الخريجة عند السؤال، وأنهم سيواجهون يومياً نوعان من النظرات التي تنقسم بين الشفقة عليهم لانجابهم فتاةً مجنونة لم تشأ أن تصبح مهندسة، ولومهم على هذه التربية المتساهلة التي منحت هذه الفتاة حرية اتخاذ القرار وتنفيذه. لنواجه الحقيقة، سيتطلب الأمر من الفتاة سالفة الذكر نجاحاً مهولاً في حياتها العملية في حال أرادت إعادة ماء الوجه لعائلتها وتخليص نفسها من المقارنات الغير منتهية بالخريجين من أولاد الجيران.

لن تستطيعي تأمين فرصة عمل
يصدر هذا الكلام غالباً عن جيل ارتبطت عنده الشهادة الجامعية بتحصيل وظيفة حكومية مستقرة تؤمن راتباً ثابتاً في نهاية كل شهر. يملك جيلنا اليوم خيارات أوسع وأكثر تنوعاً للعمل والإبداع بفعل المساحة التي جاء بها الانترنت والفضاء الافتراضي. قد لا أحتاج شهادة جامعية لتأمين عمل فيما أملك خطة وإمكانية لإطلاق وتأسيس عمل مستقل يتيح لي توظيف إمكانياتي في إطار أكثر عملية ومرونة من وظيفة تستلزم جلوسي خلف المكتب من الثامنة حتى الخامسة طوال الأسبوع تحت رقابة رب العمل. من زاوية أخرى، فإن إحدى نظريات المؤامرة التي أتبناها وبقوة هي تلك التي تربط تأثير أكبر وأهم الجامعات العالمية على سوق العمل. الأمر بدأ كاستثمار واستمر كتقليد، إن كنت خريج جامعة يبلغ قسطها السنوي عشرات آلاف الدولارات، سيوفر لك ذلك حتماً وظيفةً براتب مرتفع بعد التخرج. يعني هون حفرنا وهون طمرنا. الأمر بأكمله يجعل هذه المنظومة التعليمية تبدو كصفقة مخصصة لطبقة مترفة يخضع بفعلها آخرون أقل ثروة لضغوط هائلة على أمل تحصيل فرصة عمل في النهاية. لذا رجاءً، ليس ذنبي إن انتهي بي الأمر بالبطالة المطلقة. أنا ألوم السيستم.

دماغك سيصدأ
يظهر من حين لآخر من يود إقناعي أن دماغي سيتوقف عن العمل مع انقطاعي عن الدراسة وأني لن أكون قادرة على تطوير ذهني وطريقة تفكيري. مشكلة هذا الافتراض هو أنه قائم كلياً على أنني لا أستخدم دماغي سوى حين تجبرني الجامعة على ذلك. من ناحيتي أرى أن هذا لا ينطبق سوى على صاحب الاقتراح. يعني مرحبا! بشرفك! طب سامع بشي اسمو كتب؟ تكنولوجيا؟ ماذا عن الانترنت الذي يتيح لك –في حال قررت أخيراً إزاحة الانستغرام والفيسبوك جانباً-كماً هائلاً من فرص التعليم الافتراضي والصفوف، ومنصات متزايدة لتبادل الخبرات والثقافات وتأسيس ومشاركة فرص العمل، ومحتوى ثقافي يبدأ من بضعة دراسات وأبحاث زائفة وينتهي بك في مكتبات أكبر جامعات العالم؟ بالتأكيد أن الدراسة في سياق أكاديمي ممنهج قد يمنح الأغلبية التنظيم والاتجاه الذي يحتاجونه لبدء حياتهم العملية، لكن قليلاً من الجهد والبحث قد يسمح في بعض الحالات بتجربة موازية للتجربة الجامعية. إن كنت أنت شخصياً قد وجدت أن فرصتك الوحيدة لتشغيل مخك هو في أسبوع الدراسة الانتحاري الذي يسبق الامتحانات النهائية، فهذا لا ينطبق على الجميع.

ستندمين
ليس سهلاً في الواقع الجدال في هذه النقطة بالذات. ليس لأنها فذة على نحو لا يقبل النقاش، بل لأنه لا يوجد ببساطة قرار واحد يمكن لأي إنسان اتخاذه دون بروز احتمال الندم في مقابله. لا يمكن لأحد ضمان نجاح خياراته مئة بالمئة. هناك دوماً مجال مفتوح للفشل والندم. بالمقابل، وبينما تتولد أحياناً قرارات لا يمكن التراجع عنها أو إبطال مفعولها، ولا يسع للندم أن يصححها، هناك أخرى يمكن إصلاحها أو التقليل من أضرارها. قرار إيقاف تعليمك الجامعي هو أحدها. ببساطة يمكنك العودة والمتابعة أو حتى البدء من الصفر تماماً متى وأينما شئت. لنفترض أنك توقفت عن الذهاب إلى الجامعة في العشرين أو الواحد والعشرين من عمرك، وتطلبك الأمر خمس أو ست سنوات قبل أن تندم وتدرك تبعات قرارك، سيكون بإمكانك مع ذلك العودة إلى الدراسة والحصول على شهادتك قبل حتى أن تبلغ الثلاثين. حسناً سيقتضي ذلك غالباً أن تكون الطالب المعزول في الزاوية طوال الوقت لأن طلاب السنة الأولى سيعتبرونك عجوزاً، ولكن لا بأس فلا أعتقد أنك هناك لتكوين الصداقات بكل الأحوال. والنقطة الأهم ربما هي أن عدم استكمال تعليمي الجامعي لا يجعلني أقل ذكاءً أو ثقافةً من أي خريج. في الواقع أصبحت في الفترة الأخيرة طليقةً بأربع لغات درستها لوحدي. تعلمت التصميم الجرافيكي بمساعدة بعض الأصدقاء، واكتسبت حداً معيناً من الثقافة في مجالات السينما والموسيقى والأدب. الأفضل من أنني أكسب معيشتي من العمل في جميع هذه المجالات هو أن عملي يمنحني سبباً للاستيقاظ في كل صباح.

لقد أفسدت فرصتك بالحصول على عريس
قمت في الواقع بإرجاء مناقشة حجة العريس إلى نهاية هذه اللائحة لأنها تخص الفتيات كما في حالتي ولن يتوانى كثيرون عن إعتباره احتجاجاً يصدر عن فيمينست غاضبة. لكنها في الواقع الحجة التي تستحق الصدارة. ليس لأنها أكثر ما أسمعه عند إطلاع الآخرين على قراري، بل لأني أدرك أنها بالذات أول ما يجول ببال الغالبية وإن لم يفصحوا عن الأمر بشكل علني، خاصةً من الأجيال الأكبر سناً. يعني لنواجه الحقيقية، من موقعي كامرأة عربية لا أعتقد أن أحداً يأبه بتأسيسي لحياة مهنية ناجحة أو أن أحداً يؤمن بشغفي تجاه عملي. هناك شريحة كبيرة تنظر إلى شهادة الفتاة الجامعية كنوع من البريستيج الاجتماعي الذي سيحسن فرصها عند الزواج. لا يملك كثير من الرجال أي حرج في إعلان أنهم يحاولون الزواج بخريجة جامعية لأسباب لا تتعدى أنها ستكون قادرة على تدريس الأولاد في المستقبل ومتابعة تحصيلهم أو أنها أكثر تناسباً مع المظهر الاجتماعي الذي يسعى للحفاظ عليه. بل أن كثيراً من النساء أنفسهن يعترفن أنهن يحاولن دراسة اختصاصات كالهندسة والصيدلة والطب لتحصيل عريس بالمركز الاجتماعي الذي توفره هذه الاختصاصات. في المقابل تتعدد الحالات التي تتعرض فيها المرأة للتنمر الاجتماعي حين تكون ناجحة ونشطة فعلاً في حياتها المهنية، وتتلقى اللوم والتأنيب بأنها تهمل عائلتها وأولادها كونها غير متفرغة لهم كلياً. إحدى النقاط الإضافية التي اضطررت الاستماع لها والتعامل معها مؤخراً ولو بشكل هامشي كان التخوف المتواصل لدى العائلة والأقرباء من تأثر أولادهم أو إخوتهم الأصغر سناً بإيقافي لدراستي الجامعية ودفاعي عن قراري. يستلزم ذلك أن أقدم توضيحاً في كل مرة حول مدى فردية هذا القرار ومدى تأثره بتجارب ودوافع شخصية خاصة. بالنهاية وفي حالة الدراسة على وجه الخصوص وباختلاف مراحلها، فوجود الحافز لعملية التعلم ومن ثم الهدف الشخصي هو نقطة الانطلاق والأساس الوحيد بحيث لا تذهب حياتك بأكملها هباءً.