بيئة

التلوث حاضر على موائد العراقيين

نهر دجلة كان في يوم ما مكاناً لرمي جُثث ضحايا الحرب الطائفية في العراق
22.8.18
عراق

عندما تسأل أي عراقي إذا ما كان يُجري فحوصات طبية عامة مرتين أو مرة كل سنة، فإن الجواب حتماً سيكون: "لا أُريد التعرف على ما يُعانيه جسمي من أمراض لم أشعر بها بعد." هكذا يتوقع العراقيون أنهم مصابون بأمراض عدة لأنها لم تنشط بعد أو لم يشعروا بآلامها حتى الآن، والسبب يعود لقولهم المُتداول: "جو ملوث. أكل ملوث. مياه ملوثة" إلى آخره من إسطوانات الإستياء العراقي.

التلوث البيئي ليس جديداً على العراقيين، فهم يُعانون منه منذ ثلاثين عاماً تقريباً، عندما خلفت حربهم مع إيران في عام 1980 ملايين الألغام والقنابل غير المنفلقة والتي مازالت حتى اللحظة، ثم تلتها حرب الكويت أو حرب الخليج الأولى في التسعينات وصولاً إلى عام 2003 عندما احتلت الولايات المتحدة الأميركية البلاد، حيث تسببت الاسلحة الكيماوية والنفايات السامة بما في ذلك اليورانيوم المخصب التي ألقتها قوات الاحتلال الأمريكي في التربة والمجاري المائية في تدمير البيئة بشكل كامل في العراق، وخاصة أن آثار اليورانيوم المتبقية تبقى مشعة لأكثر من 4.5 مليون عام.

إعلان

في 2003 أجرى فريق من علماء "مركز بحوث طب اليورانيوم" Uranium Medical Research Center (مركز بحوث دولي مستقل، مقره نيويورك) ما وُصِفَ آنذاك بأنه أوسع بحث ميداني عن تأثيرات أسلحة اليورانيوم في حروب العراق شمل بغداد وضواحيها، ومدن وسط العراق وجنوبه كلها، ووجد أدلة تثبت انتشار التلوّث الإشعاعي فاقت الحدود المسموح بها دوليّاً بما يتراوح بين عشرة أضعاف وثلاثين ألف ضعف، وتخطّت مستويات الإشعاع في النبات والحيوان في البصرة (جنوب العراق) قرابة 14 مرّة الكميّة المعتمدة معياراً للسلامة من قبل منظمة الصحة العالميّة. وقد أشارت إحصائيات اطلعت عليها VICE عربية من مختصين في الحكومة العراقية، إلى أن هناك 143 موقعاً على الأقل في العراق قد تعرضت لإشعاعات اليورانيوم، وهذه أرقام كبيرة ومُخيفة لم تتعامل معها الحكومات العراقية بجدية. واليورانيوم المنضب هو عبارة عن نفايات نوويّة مشعّة تتولد من عملية تخصيب اليورانيوم المستخدم كوقود للمفاعلات النووية وقدرته الاختراقية والحرارة العالية التي تواكبه جعلتا إمكان إستعماله في صناعة القذائف الخارقة للدروع مميزة في عالم الحرب. ويمكن لهذه المادة أن تدخل جسم الإنسان عن طريق الاستنشاق وتناول الأغذية الملوثة، كما أنه يلوث التربة والمياه ويغطي المباني بطبقة من الغبار المشع التي تقوم الرياح والعواصف الرملية والأمطار بنشرها مما يؤدي إلى الإصابة بالعديد من الأمراض.

تلوث المياه
يعرف العراقيون جيداً أن تُربتهم ملوثة وأن نهري دجلة والفرات اللذين يشرب منهما 38 مليون عراقي يُعانيان من تلوث على مستوى كبير، بحسب خبراء. بالإضافة إلى الأراضي المشبعة باليورانيوم التي تنقل ملوثاتها إلى النهر، ترمى يومياً كميات كبيرة من مخلفات المعامل الصناعية والمستشفيات في دجلة، كما يتم إلقاء مياه الصرف الصحي دون معالجة في نهر دجلة، الذي يعتبر هو المصدر الأساسي لمياه الإسالة التي يستخدمها العراقيون.

المستشفيات القريبة من نهر دجلة التي لا تمتلك آلية لحرق المخلفات في محارق طبية خاصة، تقوم برمي النفايات وما تُخلفه العمليات الجراحية وعقاقير الدواء الفارغة في النهر

"قمنا بأكثر من إختبار على مياه الشُرب التي تصل المواطنين مباشرة إلى المنزل ووجدنا في كل مرة أنها ملوثة وغير صالحة للإستخدام البشري تماماً لأنها ملوثة بسبب الأملاح ومياه الصرف الصحي فضلاً عن مخلفات المصانع الكيميائية التي ترمي مخلفاتها في النهر،" يقول طبيب أخصائي في المسالك البولية، رفض كشف هويته لعدم امتلاكه تخويلاً بالتصريح، في مدينة الطب بالعاصمة العراقية بغداد لـ VICE عربية: "الفحوصات المُختبرية توضح بأن نسبة الملوحة في نهري دجلة والفرات حتى عام 2016 كانت 20%، أما اليوم فقد تتجاوز الـ24٪ بسبب أزمة المياه التي يعيشها العراق. ارتفاع الملوحة في نهري دجلة والفرات يعني عدم صلاحية الإستخدام البشري لهذه المياه، وحتى أنها لم تعد صالحة لشرب الحيوانات."

سبب آخر لتلوث مياه النهرين، هو رمي نفايات المستشفيات، فالمستشفيات القريبة من نهر دجلة التي لا تمتلك آلية لحرق المخلفات في محارق طبية خاصة، تقوم برمي النفايات وما تُخلفه العمليات الجراحية وعقاقير الدواء الفارغة في النهر. رواسب مياه المجاري هي سبب آخر من أسباب تلوث المياه، فحتى المؤسسات الحكومية ترمي مياه الصرف الصحي في الأنهر مباشرة، وهُناك معامل ومؤسسات ومحال تجاري قريبة من الأنهر قامت بمدّ أنابيب مباشرة للمرافق الصحية إلى النهر مباشرة دون أن تكون هناك أية محاسبة من أحد. كما أن المعلومة التي قد لا يعرفها الكثيرين ربما هو أن نهر دجلة كان في يوم ما مكاناً لرمي جُثث ضحايا الحرب الطائفية في العراق 2006 – 2007، حيث كانت الجماعات المُسلحة التي تختطف وتقتل المدنيين أثناء الحرب الطائفية ترمي الضحايا في نهر دجلة بعد قتلهم، فهم لا يُريدون رميهم في الشارع ولا دفنهم، فالجثث كانت تصل من مناطق أطراف بغداد إلى وسطها بحسب مجرى مياه النهر، وكانت الأجهزة الحكومية العراقية تعثر على مئات الجثث شهرياً تطوف في الأنهر.

إعلان

التلوث الغذائي
عندما إجتاحت الولايات المتحدة الأميركية العراق قبل 15 عاماً، غرقت الأسواق العراقية بمُنتجات وبأنواع من الأطعمة لم يعرفها عدد كبير من العراقيين قبل ذلك، فالعصائر تأتي مُعلبة، والحلويات بأغلفة براقة، وكذلك البقوليات التي لم يتوقع أي منهم أن يراها بعلب أنيقة، فهم تعودوا عليها أن تُباع بأكياس صغيرة. دخلت هذه البضائع دون أن تكون هُناك ضرائب أو سيطرة نوعية لفحصها، وبقي الحال على ما هو عليه حتى الآن حتى بعد أن ضُبطت الحدود بشكل نسبي وصارت هُناك رقابة من جهاز التقييس والسيطرة النوعية في وزارة التخطيط العراقية، إلا أن هناك عشرات آلاف الأطنان من المواد منتهية الصلاحية مازالت تدخل للعراق.

وفي واحدة من أبرز حالات التسمم التي حصلت في العراق، كانت في عام 2013 أثناء القمة العربية التي أُقيمت في بغداد. شرب عدد من الصحافيين الذين كانوا يُغطون القمة قناني الألبان. التي ظهرت فيما بعد مُنتهية الصلاحية رغم أن التاريخ المكتوب عليها لم ينته بعد، وتسمم بسبب ذلك عدداً من الصحافيين في أكبر مناسبة وحضور سياسي دولي يشهده العراق بعد عام 2003. لكن بالمحصلة لم تبحث اللجنة المنظمة للقمة العربية ولا أي طرف حكومي آخر سبب دخول علب الألبان منتهية الصلاحية إلى مطبخ القمة.

وتقول عضو مجلس النواب العراقي السابقة، فاطمة الزركاني في لقاء مع VICE عربية: "أن مساحات واسعة من الأراضي العراقية صارت غير صالحة للزراعة، وأن المحاصيل الزراعية التي تنبت فيها، تكون في أحيان كثيرة معرضة للأشعة الملوثة من اليورانيوم المخضب." وتُضيف: "ما يُدلل على وجود أشعة تضرب المناطق الزراعية، هي حالات موت الأراضي الزراعية في الأشهر الأخيرة خاصة في مناطق جنوب العراق، وهو ما يُنذر بكارثة زراعية وبيئية."

يتسبب التلوث الغذائي بتسمم وإصابة أكثر من 20 ألف طفل سنوياً بأمراض معوية

ويتسبب التلوث الغذائي بتسمم وإصابة أكثر من 20 ألف طفل سنوياً بأمراض معوية وأخرى تتعلق بالتسمم نتيجة التلوث الغذائي، بحسب مقررة لجنة الطفل والمرأة في مجلس النواب العراقي السابق ريزان الشيخ: "يأكل الأطفال في العراق ويشربون مياه وأطعمة تعرضت للتلوث، محظوظون أولئك الذين لم يُصابوا بأي أمراض حتى الآن أو لم ينتبهوا لها." وتُضيف: "إذا ما إستمر الإهمال الحكومي للمياه والجو وكذلك الغذاء، فإن السنوات الخمسة المقبلة قد تشهد تفاقم حالات التسمم التي تؤدي فيما بعد إلى الوفاة نتيجة تراكم السموم والأمراض والأشعة الملوثة في أجسام الأطفال وغير الأطفال."

وسيُعاني العراق خلال السنوات المقبلة من أزمة تتعلق بالكميات الغذائية، نتيجة تراجع الأراضي الصالحة للزراعة، وكذلك نقص مساحتها إلى النصف، بحسب وكيل وزارة الزراعة العراقية مهدي القيسي الذي قال إن: "مساحات المزروعة في البلاد انخفضت إلى النصف مقارنة بالعام الماضي إثر موجة جفاف وانخفاض منسوب نهري دجلة والفرات، حيث وصل حجم الضرر إلى 50%."

وقد إنخفض مستوى المياه في خزان سد الموصل بعد قيام تركيا بتشغيل سد إليسو الذي انتهت من بنائه في يناير 2018. مما عجّل من انخفاض منسوب المياه، ووضع العراق أمام مشكلة حقيقية، خصوصاً بعد أن حولت إيران أيضاً مجرى الأنهار التي كانت تساهم بتزويد العراق بالمياه. وقال مدير سد الموصل، رياض عز الدين، في تصريح صحفي: "إن مستويات المياه التخزينية بالسد انخفضت إلى أكثر من 3 مليارات متر مكعب عن العام الماضي، الذي كان يصل إلى أكثر من ثمانية مليارات."

ما بين التلوث البيئي والأمراض المترتبة عليه، وتخبط الحكومة ومشاكل البطالة والاحتجاجات الأخيرة، لا يبدو أن مشاكل العراق ستنتهي قريباً، للأسف.