جيمرز عربيات يتحدثن عن الوجه الآخر للعالم الافتراضي
دارك داي/فليكر

جيمرز عربيات يتحدثن عن الوجه الآخر للعالم الافتراضي

وصلتني رسائل تهديد من حسابات وهمية، يقولون فيها إذا لم تتوقفي عن اللعب سنفعل بك كذا وكذا
28.1.18

تم الحديث بشكل كبير في الأعوام الماضية عن دخول النساء العرب عالم ألعاب الفيديو سواء كلاعبات، مصممات أو مقدمات برامج على يوتيوب. وفي حين أن هذا العالم الافتراضي من المفترض أن يعكس كل ما لا نريده في عالم الواقع، إلا أن الحقيقة مختلفة، فالعديد من لاعبات الجيمرز يجدن أنفسهن في مواقف تتشابه مع واقعهن من حيث معاملة اللاعبين الرجال لهن ومحاولة التقليل من شأنهن. "البنات ما بيعرفوا يلعبوا،" "البنات مكانهم المطبخ،" "شو فهمك باللعب،" هي من العبارات التي يتم إرسالها للاعبات بشكل دائم، إضافة إلى التنمر ورسائل التهديد والتحرش.

هذا العالم الافتراضي يتشابه في واقعيته مع الكثير من تجارب اللاعبات في العالم، ففي الوقت التي تشير بعض الدراسات إلى أن النساء اللاعبات يشكلن 52٪ من نسبة اللاعبين في العالم، تتعرض أغلبيتهن إلى مضايقات وإساءات بشكل منتظم أثناء اللعب. هذا لا ينطبق على اللاعبات فقط، وجود النساء على الانترنت من أصله، يشكل مشكلة، حيث يشير تقرير نشرته مؤسسة بيو للابحاث أن 40٪ من مستخدمي الإنترنت قد تعرضوا للتحرش، في حين أن النساء "معرضات بشكل خاص للتحرش الجنسي والمطاردة" على الإنترنت، وهن يشكلن أكثر من 90 في المئة من ضحايا الانتقام الإباحي.

لا يختلف عالم العاب الفيديو كثيراً عن الواقع، فالعالم الافتراضي لا يزال يحكمه الرجال سواء من لاعبين ومطورين وناشرين ومصممين. وفي حين أن العديد من النساء العرب اللواتي تحدثنا معهن، بدأن اللعب في سن صغير جداً، إلا أن تجربتهن خلال كل تلك السنوات الماضية لم تتغير، إلا قليلاً وفي حالات معينة. ربما سيكون من الجميل أن نعرف أن معظم اللاعبين الذين يقومون بالتحرش هم لاعبين سيئين، في آخر دراسة من جامعتي ميامي ونيو ساوث وايلز تبين أن بعض اللاعبين الذكور الذين هم أقل مهارة في اللعب من أقرانهم، كانت تعليقاتهم أسوأ للاعبات الإناث. بعبارة أخرى، "الرجال المتحيزين جنسياً هم losers حرفياً" ولكن كونهم خاسرون أم لا، لا يغير من حقيقة وجودهم، وحقيقة جعلهم عالم الألعاب أقل متعة.

تصوير: نوران عويس

رناد عبد، 22 عاماً، من السعودية تقول أن دخولها عالم "الجيمينج" (ألعاب الفيديو) كان في البداية مجرد رغبة بتحدي فكرة المجتمع عن المرأة والحدود التي تضع في كل مرة تحاول أن تفعل شيء مختلف. "خلال نشأتي، في كل موضوع ينحكى، كان هناك جملة تتكرر بشكل دائم، "إنت بنت ما بتقدري تكوني كده أو تعملي كده." دخولي مجال الألعاب كان رغبة بإثبات العكس، إنو أنا بنت وألعب. ولكن بعد ذلك، أعجبني الموضوع، وأصبحت ألعب لاني أحب اللعب وليس رغبةً بالتحدي."

رناد والتي تسعى لأن تطور نفسها في مجال موسيقى الجيمينج كونها تلعب البيانو والجيتار، تقول أن حياتها في عالم الألعاب ليست سهلة، فمن جهة كانت العائلة ترى أنها تقوم بإضاعة وقتها في أمور "كَبرت عليها" كما أنها لم تتعرف على أي لاعبات أخريات، سوى واحدة. في عالم السوشيال ميديا كانت الأمور أفضل، حيث يمكنها لقاء لاعبات والحديث عن هوايتها ومناقشة آخر الإصدارات، ولكن بنفس الوقت كان تسمع العديد من التعليقات السلبية. "إنتي ما بتفهمي بالألعاب، أنت تقومين باللعب من أجل الشهرة، إنت بنت في شي غلط، هذه بعض التعليقات التي وصلتني من لاعبين آخرين،" تقول رناد. "وصلتني أيضاً رسائل تهديد من حسابات وهمية، يقولون فيها إذا لم تتوقفي عن اللعب سنفعل بك كذا وكذا. ولكن هذه التعليقات خفت الآن."

كثيراً ما سمعت أهلي وأقاربي يقولون "كبرت على اللعب" هم لا يدركون أن اللعب ليس له سن معين. ولا أتخيل ردة فعلهم إذا ما قلت لهم أنني أريد أن أتخصص في هذا المجال

ياسمين، 28 عاماً، من السعودية أيضاً والتي تعمل في مجال العلاقات العامة في دبي، بدأت باللعب في عمر الرابعة، حيث تعرفت على هذا العالم من خلال أخيها الذي يكبرها بعدة سنوات. "عشقت الألعاب من أول مرة." على الرغم من "عشقها" لألعاب الفيديو، ترددت ياسمين في اختيار هذا المجال كتخصص جامعي، واختارت الإبقاء على عالم ألعاب الفيديو كهواية ودراسة العلاقات العامة، لأنها لم تشعر أن هناك دعم من قبل العائلة او المجتمع لهذا المجال. "فكرت كثيراً في الموضوع ولكن شعرت أنه لا يوجد مستقبل لدراسة الجيمينج في السعودية، وقررت أن أبقي عليها كهواية. هناك فكرة أن ألعاب الفيديو بـ أنها مرتبطة بصغار السن فقط، كثيراً ما سمعت أهلي وأقاربي يقولون "كبرت على اللعب،" هم لا يدركون أن اللعب ليس له سن معين. ولا أتخيل ردة فعلهم إذا ما قلت لهم أنني أريد أن أتخصص في هذا المجال،" تقول ياسمين بضحك.

ياسمين

لم تتخل ياسمين يوماً عن شغفها بالألعاب، وقامت بإنشاء برنامجها الخاص على يوتيوب تقوم من خلاله بالحديث عن آخر الألعاب وتحليلها ومراجعتها باللغة العربية، بعد ملاحظتها وجود فجوة كبيرة في هذا المجال فمعظم البرامج التي تقدم تقييمات مشابهة هي في اللغة الانجليزية، كما تشير ياسمين، والتي اعتقدت أنها بذلك تقدم إفادة لمجتمع الجيمرز العرب. توقعت ياسمين أن تركز ردة الفعل الأولى على الاستغراب من كونها فتاة لاعبة، ليتطور الأمر إلى نسيان اللعبة تماماً والتركيز عليها فقط.

"في أول فيديو نشرته، تلقيت عرض زواج،" تقول ياسمين: "بالنسبة لهذا الشاب كان كوني لاعبة فتاة أمراِ مذهلًا جعله يطلب مني الزواج أكثر من مرة." ولكن عرض الزواج لم يكن ما صَدم ياسمين. "منذ بداية مراجعاتي لألعاب الفيديو وحتى الآن، سمعت الكثير من التعليقات السلبية مثل شو فهمك بالالعاب، خليك بالمطبخ، مع أنني لا أعرف أن أطبخ أصلاً. ولكن الأمر الذي صدمني كان تعليق الشباب على يداي، وهما كل ما يظهر في الفيديو، وجمالهما وتعليقات أخرى لا معنى لها. شعرت حينها أن كل ما أقوله والبحث والجهد الذي أقوم به "يروح عل الفاضي." فالتركيز ليس على المحتوى ولكن عَلي أنا شخصياً، وهو أمر مزعج جداً، على عكس الحال مع برامج اللاعبين الشباب والذين تردهم تعليقات خاصة باللعبة واستفسارات منطقية، وليس فقط سلبيات."

ياسمين اختارت أن لا تظهر وجهها في فيديوهاتها، تخوفاً من ردة فعل المجتمع السعودي والخليجي على كونها "جيمر سعودية" على الرغم من أنها لا تمانع ذلك في حياتها وعملها. "في مجال العلاقات العامة دائما أظهر في الإعلام وهو أمر طبيعي، ولكن في عالم الألعاب، الأمر مختلف. إذا أظهرت يد فقط وتلقيت كل أنواع التعليقات، بما بالك بأكثر من ذلك؟"

تتشابه تجربة ياسمين، مع لين جسر، 27 عاماً، رئيس التحرير المحتوى العربي في IGN الشرق الأوسط المتخصصة بألعاب الفيديو، والتي أحبت ألعاب الفيديو منذ طفولتها ولكنها لم تفكر يوماً أن تعمل في هذا المجال. "خلال نشأتي في لبنان، لم يكن هناك أي مجال للعمل في هذا المجال أردت أن أكون مصممة ألعاب، ولكن لم يكن هناك مسار أكاديمي يمكنني التسجيل فيه، ولهذا درست تصميم الجرافيك. لم أكن أعتقد أن إيجاد مهنة في صناعة ألعاب الفيديو هي إمكانية في العالم العربي."

معظم المستخدمين كانوا يتحدثوا عني وكأنني كائن جنسي. إذا ارتديت قميص ضيق، فإن معظم التعليقات ستكون حول جسدي، وهناك من وصفني بأنني "الجسر بين الشيطان ورغبات الرجال"

لين جسر. تصوير: طارق جسر

لاحقاً، بعد سنوات من تخرجها، انتقلت لين وزوجها إلى دبي والتقت بشخص كان يعمل في IGN وأخبرها أنهم يبحثون عن محرر فيديو جديد، تقدمت لين وحصلت على الوظيفة. لين، التي تتحدث عن ألعاب الفيديو عبر صفحتها على يوتيوب تتفق مع ياسمين بأن النساء يعاملن معاملة مختلفة أونلاين. "لا يوجد نقص في القوالب النمطية السلبية حول ما تحب أن تلعبه المرأة أو كيف تتصرف. هناك سُمية toxicity في مجتمع الألعاب في جميع أنحاء العالم." تتحدث لين عن التعليقات التي تُركت على مقاطع الفيديو الخاص بها، تعليقات أشعرتها بالرعب. "لم أكن قد شهدت هذا النوع من عدم الإحترام من قبل في حياتي. معظم المستخدمين كانوا يتحدثون عني وكأنني كائن جنسي. إذا ارتديت قميص ضيق، فإن معظم التعليقات تكون حول جسدي، وهناك من وصفني بأنني "الجسر بين الشيطان ورغبات الرجال." أعلم أن هناك أموراً مشابهة تحدث في هذا العالم كل يوم، ولكني لم أدرك حجم تأثير ذلك على نفسيتي. الحل كان الحظر."

مع الوقت، بدأت لين بالتركيز على الأشخاص الذين كانوا يعُلقون على المحتوى الفعلي وقامت بتشجيعهم على التعليق أكثر وبذلت جهوداً واضحة لإبعاد المتصيدين، وتدريجياً، بدأ أعضاء المجتمع بالرد على المتحرشين والمتصيدين، إذا ترك أحدهم تعليقاً سيئاً، يقوم أحدهم بالرد عليه قائلا: "عليك أن تخجل نفسك." "كنت سعيدة جدا وممتنة. في الوقت الحاضر لهؤلاء الأشخاص الذين قرروا التصدي للمتحرشين. الآن، لا تصلني تعليقات بذلك السوء، معظم التعليقات التي نحصل عليها إما بناءة أو لا فائدة منها."

هالة شريف، 19 عاماً، من مصر، تلعب منذ كانت في الخامسة من عمرها. في حالة هالة، كان حبها للألعاب عاملاً مهماً في حصولها على فرصة عمل كمنسقة تسويق في عرب هاردوير، واحد من أكبر المجتمعات التقنية في الشرق الأوسط الذي يتخصص بنقاش أحدث التقنيات في مجال تكنولوجيا المعلومات. "الألعاب بالنسبة لي ليست هواية، وعمل فقط، بل هي أسلوب حياة، يجب أن ألعب على الأقل ساعتين يومياً، وأحيانا قد يتطور الأمر لـ 8 ساعات،" تقول هالة التي تعلمت كل شيء عن ألعاب الفيديو لوحدها في المنزل.

التعليقات كانت بتوصل إلى قلة أدب، شتايم وتحرش. في أول يوتيوب لي، قام أحد اللاعبين بعمل فيديو كامل يناقش فيه حقيقة أن هناك فتاة تتحدث عن ألعاب الفيديو وما الذي علينا فعله، كمجتمع لاعبين ذكور

هالة شريف. تصوير: نوران عويس

على الرغم من أن والدها كان سبباً في حبها للألعاب، إلا أن عائلة هالة كانوا ضد عملها في هذا المجال وخاصة عندما قررت فتح قناة يوتيوب خاصة بها للحديث عن الألعاب وآخر التقنيات والمنتجات. وبعد ما تعرضت له هالة، أدركت سبب اعتراض أهلها، وعن ذلك تقول: "التعليقات كانت بتوصل إلى قلة أدب، شتايم وتحرش. في أول يوتيوب لي، قام أحد اللاعبين بعمل فيديو كامل يناقش فيه حقيقة أن هناك فتاة تتحدث عن ألعاب الفيديو وما الذي علينا فعله، كمجتمع لاعبين ذكور و"حاجات تانية مش لطيفة." وهناك أشخاص آخرين تمادوا في الموضوع واستخدموا فيديوهاتي بطريقة تظهر أنني أقوم بلمس جسدي، وقاموا بتغيير طريقة كلامي وصوتي وغيرها." هالة تقول أن هذه التجربة أثرت عليها بشكل كبير: "الكل كان يقول لي أن الامر ليس شخصياً، أنهم أشخاص سيئين، أنه مجرد عمل، وأن علي أن أتجاهل كل رسائل الكره. ولكن لا تستطيع تجاهل كل ذلك، الأمر يؤثر عليك، وهم يعرفون ذلك جيداً."

على الرغم من كل هذه السلبيات وإضطرارهم للتعامل مع تعليقات بغاية السوء، تتفق جميع اللاعبات أن لا شيء سيؤثر على حبهم للالعاب. ليلي، 31 عاماً من الكويت، والتي بدأت اللعب منذ كانت في الرابعة من العمر، استقالت من وظيفتها الحكومية الصباحية (بعد 9 سنوات من الخبرة) كي تعمل كمديرة تسويق في متجر ألعاب الكمبيوتر في الكويت وStreamer في الليل. ليلي تقول أنها في بداية دخولها مجال ألعاب الفيديو كانت تدعي أنها لاعب رجل لفترة من الوقت وتضيف: "هذا ليس هو الحال الآن، ويرجع ذلك إلى النساء اللواتي بدأن وجعلهن من الطبيعي لنا أن ندخل هذا المجال." ليلي ترى أن ما تتعرض له النساء في مجال ألعاب الفيديو وعلى يوتيوب لا يختلف عنه في أي مجال آخر. "هذا هو الحال مع كل امرأة في المنطقة سواء كان ذلك في ألعاب الفيديو أو الأزياء والفن أو حتى الأدب. هناك ثقافة وفكرة نمطية عن كل فتاة تدخل في مجال كان حصراً على الرجال." وما بين الواقع والافتراضي، ترى ليلي أنه العالم ذاته، الفرق أنه "واحد هو رقمي والآخر مادي."

مشاعل، 25 عاماً، من السعودية التي تعمل مع بلايستيشن السعودية، ترى أن الأمور تتجه نحو الأفضل. لا تخفي مشاعل أنها سمعت تعليقات سلبية وكان هناك استغراب واندهاش من قبل اللاعبين في بدايات لعبها، ولكنها لم تعتبر هذا الاستغراب تقليل من شأنها كجيمر وتقول: "نحن عشنا لفترات طويلة كمجتمع منعزل عن نصفه الآخر ويشعر البعض بالاندهاش عندما يكتشف وجود أشياء مشتركة بيننا وكأننا نتعرف على بعضنا لأول مرة. ولكن الأمور تغيرت، نحن نعيش حالة من التغيير الاجتماعي الإيجابي. أنا الآن محاطة بعدد كبير من اللاعبين واللاعبات سواء عبر الشبكة أو في حياتي الواقعية، نتشارك اهتماماتنا وآراءنا ونختلف ونتشاد في الحديث أحيانًا ولكن ذلك يضيف مزيداً من المتعة."

على الرغم من رسائل التهديد التي وصلتها، ترى رناد أن ألعاب الفيديو ساعدتها أكثر من أي شيء آخر: "تعلمت اللغة الإنجليزية من ألعاب الفيديو، أصبح لدي هدف واضح وهو صناعة موسيٍقى للألعاب، كما توسعت معارفي من خلال هذه الألعاب التي تجعلك تفكر كيف تخلق قصة، كيف تصنع شخصيات، تتعلم عن الموسيقى والتاريخ. هناك ناحية تعليمية للألعاب إضافة إلى الناحية الترفيهية الممتعة." ياسمين أيضا ترى أن عالم الألعاب هو مهربها من الواقع وفرصة لتجربة أمور جديدة والعيش في عالم مختلف: "بعد رجوعي من العمل -من الواقع- يجب أن أجد الوقت للعب، لشحن طاقتي مجدداً. يجب أن أقضي ثلاث الى أربع ساعات، يومياً، في عالم آخر."

@BadarSalem