علاقات

لماذا لن أستخدم تيندر أو أي تطبيق مواعدة آخر

أغلب الفتيات في مرحلة ما تَخيلن فارس الأحلام الذي سيمضين حياتهن معه أشبه بـ جوني ديب فوَجدن سعادتهن بالنهاية مع شخص أشبه بـ وودي آلان
17.1.18
love

رغم أنني لا أصنف نفسي كشخص يدمن هاتفه الذكي وتطبيقاته أو وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن يوماً بعد يوم أجد نفسي بمواجهة تطبيقات جديدة تقترح أن تساعدني في جوانب حياتي المختلفة. فإلى جانب فايسبوك، تويتر، انستغرام، هناك تطبيق يتضمن وصفات الطعام الهندي تنتظرني أن أجربها ذات يوم، وتطبيق يختص بإصدار صوت المطر إن كنت أحاول التركيز في العمل أو القراءة، كما هناك العديد من تطبيقات تعديل الصور التي ستمنحني تبرجاً كاملاً وخصراً أنحل وتمحو البثور عن وجهي، ومئات التطبيقات الأخرى التي مهما تجاهلتها، فلا بد أني سأسمع أحد الأصدقاء يتحدث عنها وعن روعتها، تماماً مثل تطبيق "تيندر" للمواعدة، الذي يذكره بعض الأصدقاء بحذر، متناقلاً تجارب الآخرين عبره، فيما ينسب البعض إليه الفضل في تعرفهم على "الشريك المثالي." حاول عدد من أصدقائي إقناعي أن أحد طرق العصر الحديث للتعرف على شريك عاطفي هي ربما عن طريق استخدام "تيندر" أو غيره من تطبيقات المواعدة. حتى الآن، كل محاولاتهم باءت بالفشل، ليس لأنني عنيدة (حسناً ربما قليلاً) ولكن لأني لم أقتنع بالمبدأ الذي يقوم عليه كلياً. بل إنني متأكدة أنني لن أستخدم تطبيقاً للمواعدة تحت أي ظرف وتحت أي ضغط (ارتاحوا). لماذا؟ حسناً، دعوني أعدد لكم أسبابي:

إعلان

لا أشبه صوري ولا شخصيتي الافتراضية
أولًاً، علينا هنا أن نتفق أن شَكلنا جميعاً دون استثناء يختلف في الصور عن الواقع، ربما بطريقة أفضل أو أسوأ، وأحيانا نبدو مختلفين في صورة وأخرى (شخصياً مثلاً أفضّل أن أفكر أن شكلي مختلف كلياً عن صورتي في جواز السفر). بالعموم يبدو أننا بعد سنوات من تبديل صورنا الشخصية على فيسبوك وانستغرام قد طورنا تلقائياً مهارة التقاط الصورة التي تبرز ملامحنا بشكلها الأفضل. هذه الفكرة بحد ذاتها كافية لتسقط المبدأ الذي يقوم عليه "تيندر" بالكامل. أغلب من التقوا بأشخاص عرفوهم عن طريق الصور فقط انتهوا بخيبة أمل. الصورة لن تخبرك شيئاً عن لغة الجسد أو طريقة الكلام أو طريقة الضحك، أشياء تغير كثيراً من انجذابنا إلى الآخر والكيمياء التي ستربطنا به لاحقاً. شاهد أيضاً:

أما محاولة التسويق لذاتنا في موقع للمواعدة من خلال تقديم سيرة ذاتية في بضع أسطر، معظمها غير صحيح، أو لنكن منصفين نصف صحيح إذا أضفنا البهارات التسويقية المعتادة في هذه الحالة، فهو أمر مربك حتماً (بالنسبة لي على الأقل). الحديث عن اهتماماتنا في الحياة، طموحاتنا وطريقة تفكيرنا، أمر يستغرق منا أشهر في نطاق الحياة الطبيعية قبل أن نشعر أخيراً أننا عرفنا الآخر وأخبرناه عن أنفسنا بصدق. لذا تبدو لي، محاولة اختصار من أنا في بضعة أسطر لأبدو مثيرةً للاهتمام ومُسلية بما يكفي للآخرين، مهمة تتطلب أخصائياً. بالنهاية لا تطالبنا الحياة اليومية أن نقوم بحمل بطاقة تعريف والسير بها في كل مكان فلماذا نحمّل أنفسنا هذا الجهد الإضافي؟

أفضّل البشر الحقيقيين من حولي
قد تقولون أنني أعيش في زمن آخر، ولكني لا أدري حقاً ما هي الحاجة التي قد تدفع بي لأن أفتش عبر تطبيق على الهاتف المحمول عن أشخاص للمواعدة وعماذا أبحث فيهم؟ لما لا أستطيع القيام بالعملية ذاتها على أرض الواقع في عملي أو بين معارف أصدقائي أو خلال أي نشاط اجتماعي تتضمن احتمالات تواصل أفضل وفي محيط موثوق أكثر من العالم الافتراضي بمئات المرات. بالنهاية، أدرك أن التكنولوجيا بأكملها وجدت في محاولة جعل حياتنا أسهل، ولكنني شخصياً أجد أنها جعلتنا كائنات أكثر كسلاً وانعزالاً فقط. فما الصعوبة البالغة في التواصل البشري الطبيعي؟

إعلان

التعرف على أشخاص على أرض الواقع بشكل طبيعي لا يحمل معه أي توقعات من أي طرف، والأهم أنه لا يفرض عليك التصرف بغير طبيعتك بمحاولة إثبات أن الشخص الذي اخترعته على تطبيق المواعدة يشُبهك. كما أن هناك مجال للسؤال والجواب، قد لا أعرف مسبقاً عمرك، ولا نوع الطبخة التي تُحبها أو الموسيٍقى التي تسمعها، ولا البلدان "الكثيرة" التي زرتها. ولكنني أفضل أن أعرف هذه التفاصيل تدريجياً، في سياق التعارف والتقارب الطبيعي. قد يفيدني أن أعرف اللون المفضل للشخص الذي سألتقيه (لا يمكنني أن أكون مع شخص يُحب اللون البرتقالي)، ولكني مستعدة للمغامرة والتعرف على هذا الشخص و"تضييع" وقتي معه، على أن أقرر أن ألغي هذه الفرصة بالسحب إلى اليمين أو اليسار.

ماذا عن الوجوه التي أطحت بها أرضاً للتو؟
تيندر وجميع مواقع المواعدة المشابهة تقوم على المبدأ نفسه بأن تستعرض صور أشخاص قريبين إلى حيث تقيم تمرر إبهامك نحو اليمين أو تضغط لايك على صورهم إن كانت قد أعجبتك وترغب في التواصل معهم، أو تمرر صورهم نحو اليسار أو تتجاهلها أو تضغط ديسلايك أو أياً تكن الطريقة لتعبّر عن رفضك لما رأيته للتو. أتخيل لو كان لـ تيندر قابلية التطبيق في الواقع، تخيل معي: يقف رجل ما من الحي في أول الشارع فيما تصطف النساء للمرور من أمامه، يعاين كلاً منهن لبضع ثوان قبل أن يصدر حكمه: "لستُ مهتماً،" "لا أحب القصيرات،" "حسناً أنت لطيفة،" "مستحيل،" "تعجبينني." لا أملك أدنى فكرة لما قد تعرض أي امرأة نفسها لإحراج التقييم والرفض هذا، أو حتى أي إطراء هو الذي ستشعر به إن جاء الحكم إيجابياً. الإحراج ذاته سيحدث لو كان الوضع معكوساً.

البحث عن فارس الأحلام، أو حتى مجرد شخص مسل لتخرج معه في بضعة مواعيد لن ينجح بمجرد تصفح صور بعض الشبان وتقييمها. أغلب الفتيات في مرحلة ما تَخيلن فارس الأحلام الذي سيمضين حياتهن معه أشبه ما يكون بـ جوني ديب فوجدن سعادتهن بالنهاية مع شخص أشبه بـ وودي الآن. بعض الشبان ينجح في استمالة فتاة من خلال حس داعبته أو أسلوب تعامله قبل حتى أن تلاحظ الفتاة حجم أنفه أو تسريحة شعره. أما عبر تيندر قد ترفض عشرات احتمالات الشخص "المناسب" دون أن يُعطى أي فرصة ليقدم نفسه بطبيعية. استناد التطبيق في الغالب إلى التقييم الشكلي فقط، يعيدنا إلى زمن الزيجات المدبرة رغم ادعاء معظمنا بأننا تخطينا ثقافياً تلك التقاليد ورفضناها.

وراك وراك
فيما تجتهد التطبيقات الأخرى في محاولة تطوير مساحة الخصوصية الشخصية لجميع مستخدميها، فإن تطبيقات المواعدة تقوم على العرض المفصل لجميع البيانات الشخصية، هناك صورتك ومكان سكنك وغالباً عُمرك ومهنتك والتفاصيل الأخرى التي مهما حاولت إخفاء بعضها إلا أن واحداً منها كافٍ مع بعض جهود "التعقب" للإحاطة بكافة تفاصيل حياتك -وكأن مساحة الاختراق التي نتعرض لها من خلال التطبيقات الأخرى لا تكفي. مجرد التفكير بعدد المتعقبين أو غريبي الأطوار اللذين قد يسيئون استغلال التطبيق كاف لإثارة الرعب في قلبي. ولا أعتقد أن كل التطمينات التي قد تفكرون بها قد تغير من رأيي. أذكر أن متعقباً ما استطاع اختراق حساب صديقتي على فيسبوك منذ عامين ومنه استطاع الوصول إلى كافة بيانات حاسبها المحمول، تطلب الأمر التعاون مع فرع أمن المعلومات لإنهاء هذا الكابوس. ناهيك عن أنك أساساً عبر استخدام أي تطبيق، تقوم بتسليم كَم هائل من بياناتك الشخصية إلى جهة لا تعرفها ولا تدرك أياً من أهدافها.

لا يشبهني
حسناً، أنا طبعاً ضد تلك الآراء التي تقترح أن أي ابتكار جديد هو نتاج "الغرب الكافر الذي يود تهديم ثقافتنا وعلاقاتنا وتقاليدنا." ولكن لنكن واقعيين، نمط التفاعل الذي يقترحه التطبيق عبر مواعدة أشخاص غرباء هو أقرب للبيئة التي خرج منها التطبيق منه إلى مجتمعاتنا العربية حيث ما تزال فكرة المواعدة بحد ذاتها مثيرة للمتاعب بدرجة ما. أستطيع تخيل ما يصاحب التطبيق من افتراضات مسبقة عن الفتيات اللواتي يستخدمنه من قبل بعض الرجال ومرة أخرى أجد ذلك مخيفاً لما يوفره من بيئة مناسبة للتحرش أو الاستغلال.

شو بخصوص الوقت الضايع
أخبرني أحد الأصدقاء من مدة أنه قرر استخدام التطبيق لأنه شديد الانشغال في حياته المهنية ويصعب عليه إيجاد الوقت للتعرف على فتاة ما من خلال النشاطات الاجتماعية المعتادة. شخصياً أشعر أنه مجرد عذر. ربما يكون قد التقطه دون شعور من خلال السياسة التسويقية للتطبيق، وربما هو مجرد مبرر يستخدمه كي يغطي نوعاً من الارتباك الذي تسببه محاولة التعرف على شخص جديد في الواقع. ولكن بكل الأحوال فالوقت الضائع في تصفح عشرات الوجوه والحسابات يومياً، وانتظار أي تجاوب أو رد منهم، ثم عدد المواعيد الفاشلة التي لا بد أن تحدث قبل إتمام موعد ناجح، كل هذا الوقت إن جمع سيكون أكثر من كاف للانخراط في أي نشاط اجتماعي ولو لمرة في الأسبوع يؤمن بيئة أكثر صحيةً للتعرف على أشخاص جدد. وقتك ضايع، ضايع.

يبدو في النهاية أننا مضطرون رغم أنوفنا للتعامل مع هذا الضخ التكنولوجي الهائل دون نقاش، نحن معرضون في أي لحظة لإصدار تقني جديد يفرض نفسه على الكوكب بأكمله، وبشكل أو آخر، مطالبون بتلقيه والتفاعل معه. ولكن لا بأس فعلاً أن نتوقف قليلاً ونسأل أنفسنا عن رأينا في هذا "المفروض" الجديد. حسناً ربما لن يسأل أحد فعلاً عن رأينا هذا، وربما سنبدو قادمين من عصر آخر، ولكن تبقى هذه الصيغة أفضل من الإنجراف خلف السائد والمعتاد ولو لمجرد التجريب بغرض التجربة.