مرأة

يوم عالمي للمرأة عدا هذه البقعة من كوكب الأرض

يتحول اليوم العالمي للمرأة في الدول العربية إلى اليوم العالمي لـ"الدين" و"شعبوية الفتاوي" التي تتمحور حول أن الله ميز الرجل عن المرأة!

إعداد نوارة نجم
2019 08 01, 12:37pm

يعج شهر مارس بالمناسبات والاحتفالات على المستوى المحلي في كثير من دول العالم، وعلى المستوى الدولي؛ ففيه يوم الشجرة في الصين، وعلى مدار الشهر، تحتفل دولا كثيرة بعيد الأم في أيام مختلفة منه، كما أن فيه اليوم العالمي لمناهضة وحشية الشرطة، واليوم العالمي للغابات، واليوم العالمي لحق معرفة انتهاكات حقوق الإنسان وكرامة الضحايا، واليوم العالمي للسعادة، واليوم العالمي لضحايا العبودية، واليوم العالمي لمحو التمييز العنصري، لكن المناسبات الأبرز في هذا الشهر، هي اليوم العالمي للمرأة في يوم الثامن من مارس، وعيد التحول الربيعي في يوم 21 مارس، والذي تحتفل به دول المشرق غالبًا، والذي يتزامن مع عيد الأم في أغلب الدول العربية.

ربما يستطيع جوجل أن يخبرك بتأريخ موجز حول الاحتفال بيوم المرأة العالمي، ودور الحزب الاشتراكي في الولايات المتحدة في نضال النساء للحصول على حقوقهن، وتعثر المناضلات حقوق المرأة في إقناع الأمم المتحدة بالاحتفال بيوم المرأة العالمي حتى عام 1977، حين أذعنت الأمم المتحدة لهذا المطلب المتكرر على مدى عقود، غير أنه من الهذيان بمكان أن نتحدث عن إنجاز المرأة العالمي ونحن نحيا في هذه البقعة الحزينة من كوكب الأرض.

بالنسبة للوطن العربي، المرأة، التي يكرهون سماع ذكرها ورؤية شخصها وينكرون ذلك طوال الوقت قائلين: إزاي يعني ما بنحترمش المرأة؟ ده هي الأم والأخت والابنة والحفيدة والجارة والزميلة في العمل وبياعة الخضار ومدام عفاف في الدور التالت، وكأن المرأة ليس لها صفة في ذاتها، وقيمتها لا تنبع إلا بما تشكله من أهمية بالنسبة للرجل. ذكرى هذه المأسوفة لا تبزغ إلا في مناسبتين: عيد الأم ويوم المرأة العالمي الذي يحظى بكثير من السخرية، والتسفيه، والتحقير، وإنكار الحقوق، وترديد عبارات أقل ما يقال عنها أنها دنيئة مثل: هم يعني الرجالة اللي واخدين حقوق، ده الستات واخدين حقهم أكتر من الرجالة، ده الستات مفترية، أمال عايزينا نقف ونقعدكم في المواصلات ليه لما عايزين مساواة؟

إلا أن كل هذه الدناءة لا تضاهي دناءات بعض النساء اللاتي ينطبق عليهن وصف مالكوم إكس House negro حيث يمضين في ترديد عبارات، ربما أكثر وقاحة مما ذكر سابقًا، حول النساء المفتريات، وجمعية المرأة المتوحشة، والنساء قليلات العقل اللاتي يرغبن في المساواة في الحقوق والواجبات، لتعرض نفسها برخص منقطع النظير في "فاترينا" أمام الرجال بوصفها بضاعة أفضل، وأعقل، وأهدأ، وأطوع.

السخرية من المرأة في هذا اليوم تحديدًا، تكون معبأة بالمرارة والغل والخوف. خوف على فقد السلطات، خوف من المواجهة، خوف من تغيير الثوابت.. خوف من اكتشاف أن المرأة إنسان كامل الإنسانية.

من نافلة القول أن نذكر بأن اليوم العالمي للمرأة يتحول في الدول العربية إلى اليوم العالمي للدين، وشعبوية الفتاوى، التي تتمحور جلها حول أن الله ميز الرجل عن المرأة، وكأنهم يؤسسون إلى أن المؤمن يجب أن يقهر المرأة ويلسعها ويتعامل معها بوصفها محظية، وإلا البعيد كافر وخرونج ومش راجل. وأن المرأة التي تشعر بإنها إنسانة، هي مارقة، كافرة، مخبولة، سايبة شنبها. وأن كرامة المرأة تكمن في تبعيتها للرجل وطاعتها "للولي الشرعي"، وأن لا كرامة لامرأة سايبة كده مالهاش حد.

الدين هو الذريعة التي يتمترس خلفها كل ظالم، فهو ملاذه الذي يقطع به قول كل خطيب: ربنا اللي بيقول، اكفري بقى.

وهناك تمسك مرضي، بتأويلات هي فعلا ظالمة للمرأة، بلغت إلى حد أن العامة من الناس كفروا دار الإفتاء حين أصدرت فتوى بحرمة ختان الإناث، وتطاولوا على شيخ الأزهر وكادوا يكفرونه، حين أدان التحرش بصرف النظر عن ملابس المرأة، وحين قال أن تعدد الزوجات ظلم للمرأة والأصل هو الزوجة الواحدة. ومن التعليقات المضحكة على فتوى دار الإفتاء التي حرمت الختان، كتب أحدهم: "انتوا حتفتوا؟"

أيوه حررتك، حيفتوا.. دي شغلتهم اللي بياخدوا عليها مرتب.

السخرية من المرأة في هذا اليوم تحديدًا، تكون معبأة بالمرارة والغل والخوف. خوف على فقد السلطات، خوف من المواجهة، خوف من تغيير الثوابت.. خوف من اكتشاف أن المرأة إنسان كامل الإنسانية.

على النقيض تمامًا، يتم الاحتفال بعيد الأم ببالغ الابتهاج والتقديس. حتى أصحاب السخرية المزمنة، لا يسخرون من الأم بالطبع، ولكنهم يضاحكونها بمحبة، فهذا هو الدور الوحيد الذي تقبل فيه المرأة، وهو العنوان الوحيد الذي تستظل به كي تحظى ببعض الاحترام وقليل من التقدير.

أقول بعض الاحترام وقليل من التقدير، لأن هناك شروطًا على الأم أن تلتزم بها كي تحظى بالاحترام:

أولا: أن تكون أنجبت في إطار زواج رسمي، وبموافقة والدها، أو أخيها، أو عمها، أو خالها، أو أي دكر في عيلتها. فالأم التي تنجب خارج المنظومة الرسمية ليست أمًا وإنما فاجرة، وليس لها أية حقوق. لا يرحمها أحد وهي تدور في المحاكم لتثبت نسب وليدها: تستاهل. لا يفكر فيها أحد وهي ترضع طفلها باكية، وهي تتعرض لأقسى وأحط أنواع الضغوط النفسية والاجتماعية، هي وطفلها أقل من القطط التي تلد على سلالم البنايات. قد يضعون بعض الطعام لهذه القطة، لكنهم لا يرحمون أمًا أنجبت خارج منظومتهم.

ثانيا: أن تحافظ على السلوك الملائكي، ولو ظاهريًا، للأم، فهي متفانية، تطهو الطعام، وتدلل الأطفال، وترعاهم، وليس في حياتها سواهم، فهي إن كانت تعمل، فهي تعمل من أجلهم، وإن كانت لا تعمل، فهي تجلس في بيتها من أجلهم، تهمل نفسها حتى تبدو أكبر من سنها بعشرات السنين، لا تنال قسطًا من الراحة، لا تخرج للتنزه، هي النباطشي بتاع البيت كما يقول سلطان السكري، ليس لديها اهتمامات شخصية أو طموحات لذاتها، وإذا ما اهتمت بنفسها فهي تفعل ذلك كي تحافظ لأبنائها على أبيهم عشان ما يبصش برة.

ويأتي كل هذا التوريط على شكل مدح: الأم هي اللي بتسهر واحنا بننام، هي اللي بتتعب واحنا بنرتاح، هي اللي بتنسى نفسها وتفتكرنا، هي اللي بتضحي بصحتها عشانا، والستات تفرح اااااووووييي بالكلام ده، أنت فرحانة على إيه يا هابلة؟ ده بيدبسوكي. فمثلا الأم التي تهتم بمظهرها ولديها أطفال في سن المراهقة أو الشباب ينظر لها المجتمع ضاحكًا: شوف الولية مش محترمة سنها ولا محترمة الجدعان اللي بقوا طولها وعاملة لنا فيها صباح. الأم التي لديها طموح، أو أصدقاء، أو اهتمامات، قد يقف بعض الآباء، كما علمهم المجتمع، وهم يوبخونها مثل زكي رستم في نهر الحب: سايبة ابنك يا هااااانمممم بقه ملحوس طبيخ ونازلة تقعدي مع صحابك؟ طب ما تغسلهوله انت يا حاج! وهي جابته لوحدها؟! وهناك بعض الآباء المتعاونين، سرا، مع زوجاتهم، بدافع مشاعر الأبوة الفطرية يرعى أطفاله (وهي واجباته بالمناسبة)، لكنه يتوسل إلى زوجته ألا تخبر أمه وأخوته وأقاربه ألا يفضحوه بقى ويقولوا عليه خرونج ومش راجل ومراته راكباه.

بالطبع هذا هو الدور الرئيسي في مجتمعات نامية تنتمي إلى العالم الثالث ويسبقها دول العالم المتحضر بعدة قرون، بينما تعيش هي في أزمان سحيقة، بقيم بالية: المرأة أداة إنتاج. حين تنتج بحسب الشروط والأحكام فهي جاموسة عشر وغالية ولازم نحافظ عليها. أما أن يكون للمرأة مطالب، أو احتياجات، أو اختيارات، أو اعتراضات... هو على مزاج الجاموسة؟

يوما المرأة العالمي والأم يكونان احتفالًا في العالم، لكنهما يتحولان إلى "مندبة" في العالم العربي، هذا يوم تذكير بظلم وقهر واستعباد متغلغل، حتى أن جل الضحايا متصالحات معه، بل ويروجن له، ويدافعن عنه.

مما لا شك فيه أن الأمومة تجربة مقدسة إلهية نورانية: نمو حياة داخل حياة، خروج حياة من حياة. حياة تبذل للحفاظ على حياة أخرى حتى تنمو وتشتد؛ إلا أن هذه اللحظات المقدسة، والتي تنبني عليها الأمومة، لا تحظى باحترام أو تقدير، بل وربما تثير الاشمئزاز لدى حاملي لواء: ست الحبايب يا حبيبة.

فمثلا، إذا أخرجت أم ثديها أمام الناس لترضع طفلها، فإن الجميع يشعرون بالقرف، ويرمقون الأم بنظرات الاحتقار، وربما يتدخل بعضهم: يا ست ما تستري نفسك إيه المنظر ده؟ يحدث ذلك بالذات في الطبقات المتوسطة من المجتمع. ربما في الطبقات الدنيا يكون هناك تسامحًا أكبر مع أم يصرخ طفلها جوعًا، وتجلس على فرشة خضروات، وتضطر لإرضاع طفلها وهي تقوم بعملها.

وأنا لا أعلم حقيقة ما هو المقرف في هذا المشهد الإلهي الرائع؟ تلك لحظة مقدسة كقدسية لحظة الولادة التي تثير اشمئزاز الناس هي الأخرى.

يوما المرأة العالمي والأم يكون احتفالًا في العالم، لكنه يجب أن يتحول إلى "مندبة" حقيقية في العالم العربي، هذا يوم تذكير بظلم وقهر واستعباد متغلغل حتى أن جل الضحايا متصالحات معه، بل، ويروجن له، ويدافعن عنه، وحين تتحول المرأة إلى شخص معتنق لأفكار استعبادها تكون أكثر شراسة من الرجل الذكوري.

وإليكم المفاجأة التي لا أكف عن ترديدها صباحًا ومساءًا، ولا يكف الناس عن الاندهاش أمامها: المرأة إنسان. يفكر، ويشعر، ويتألم، تمامًا كما يفكر الرجل ويشعر ويتألم.

أيها السيد الزميل في الكوكب الرجل: أنت ستتألم إذا ما شعرت أنك لست حر نفسك، وأنك دوما لك "ولي" يتحكم في سكناتك وحركاتك. ستتألم إذا ما ميز أهلك بينك وبين أخيك، ومنحوه مالًا أكثر منك، وحرية أوسع منك، واحترامًا أكبر منك. ستتألم إذا ما تعامل الناس معك بوصفك عار يجب إخفاؤه، وأن رجولتك عيب يجب عليك أن تخجل منه، وأن عليك كل صباح أن تقف أمام المرآة لا لترى ما يناسبك من ملابس، ولا لتبدو في شكل أفضل، ولكن لتخفي كل معالم رجولتك، التي خلقها الله ولم تخلقها أنت، حتى لا يحتقرك الناس، وربما تتعرض بسبب ذلك للإيذاء البدني واللفظي والنفسي، وأن عليك ألا ترى نفسك جميلاً لأنك تريد أن تبدو جميلاً، بل يجب أن تبدو جميلاً من أجل شخص معين، دفع مالا فيك.

ماذا لو حاولت أن تبدو جميلاً وجاء هذا الشخص بمنتهى البساطة قال لك: لا مش عاجبني، أنت لا تستمد رضاك عن نفسك سوى من خلال عين هذا الطرف الذي ملك هذا الحق ببعض المال. أنت ستتألم إذا ما اقتطعوا جزءا من جسدك كي لا تستمتع بما يستمتع به حتى القطط والكلاب، فهي متعة حل لكل المخلوقات وحرام عليك وحدك. ستتألم إذا ما دخلت في علاقة أو زيجة، وشعرت أن مستقبلك، وحياتك، وبيتك، الذين بذلت جهدًا في بنائهم والحفاظ عليهم، معلقون جميعًا على طرف لسان الطرف الآخر، الذي إن استيقظ يومًا بعد حلم سيء قد يهدم كل هذا بكلمة، ولم يعد أمامك فرصا كثيرة، فهذه مرة، وبقي لك مرتان كي تبصق حياتك بأكملها من فم الشريك.

ستتحطم تمامًا، وتشتعل النار في بدنك وعقلك، وربما تمرض مرضًا عضويًا يؤثر عليك بقية حياتك، وقد تصاب بلوثة مؤقتة، إذا ما علمت أن شريكتك أقامت علاقة مع رجل غيرك، أشعرتك أنك لست كافيًا، وخدعتك، وتركتك من أجل آخر فضلته عليك، لا... بل لم تتركك، حجزتك تحت سيطرتها، ومضت تقضي ليال مع غيرك، وتناوبت عليكما، أو عليكم، وربما قتلتها، وربما لن تثق في امرأة بعدها، وربما قعدت تسمع ألبوم "اعذريني" وتكتب على فيسبوك أحزانك وتشقط ستات عشان أنت محطم ومغدور يا قلبي. أنت لن تقبل أن تُجبر على علاقة جنسية لا ترغب فيها ماذا وإلا لعنتك الملائكة. أنت لن تتحمل أن تعيش تحت تهديد مستمر فيما يتعلق بجسدك ومستقبلك وحياتك ومشاعرك وسلامتك الذهنية، وفوق ذلك كله، لن تتحمل أنك إن أعلنت أنك لا تتحمل ستُتهم بالكفر والتجديف ودعوات بصب غضب الله عليك.

كل هذه المشاعر التي إذا حاولت بصدق وأمانة تخيلها، تشعر بها المرأة تمامًا، أنا مش فاهمة من قال لك أنت الستات ما بتحسش، أو إن جهاز الإحساس عندهم متسطب بطريقة تانية؟

هذه ظروف اجتماعية ونفسية وعاطفية وذهنية تخلق إنسان مشوه تمامًا.

لذلك، فلا نقاش مع سيدات يحملن لواء قمعهن بمنتهى الحماسة، لأنهن ببساطة مشوهات.