سينما افلام


رأي

معاناة السينيفيل: سلبيات أن تكون مدمناً للسينما

المشكلة ليست أنني لا أصدق فيلليني وبينيني حين يخبروننا بأن الحياة جميلة. بالعكس، المشكلة أنني أصدقهم. أصدقهم كثيراً
20.2.19

امتلاكنا للشغف تجاه أي موضوع أو جانب من جوانب حياتنا قادر حتمًا على إكساب هذه الحياة طعمًا مختلفًا تمامًا. بوسعه أن يكون موجهًا نحو هواية، أو رياضة نمارسها، أو نتابعها، أو تجاه عملنا والمهنة التي نزاولها، أو حتى تجاه شخص تجمعنا به علاقة عاطفية. شخصيًا، وبغض النظر إن كنت أُصنف فعلًأ ك"سينيفيل" أم أنني لا أقابل المعايير المطلوبة لأنال هذه التسمية (أعني من يضع هذه المعايير بكل الأحوال؟) إلا أنني تأكدت أن أكبر شغف أملكه كان موجهًا للسينما، وأن هذا الشغف كان يملأ قلبي ويفيض (إي نعم فيني أحيانًا كون دراما كوين، وبحب حط الحق عالسينما) حين بلغت الخامسة والعشرين وبقيت شارة بداية أي فيلم تثيرني كما حين كنت في الخامسة، وحين كانت بوصلتي الداخلية تتأثر حين يمر يوم دون أن أشاهد فيلما جديدًا أو أعيد مشاهدة فيلم حضرته سابقًا، أو مينيموم دون أن أخوض نقاشًا سينمائيًا محتدمًا مع صديق شُخِّص بنفس حالتي. ولكن، بقدر ما يسعدني وجود السينما في هذا الكوكب، ورغم قناعتي المطلقة أن فن السينما قد جعل هذا العالم أجمل وأغنى خلال القرن الماضي، إلا أن بعض الأعراض الجانبية بدأت تصاحب فترات مشاهداتي السينمائية الكثيفة، وبات بوسعي التقاط بعض السلبيات التي تطفو على السطح، فيما يلي بعض منها.

FOMO
الفومو، أو fear of missing out هو مصطلح استخدم للمرة الأولى لتوصيف تأثير السوشال ميديا حين تشعرنا كمستخدمين أو متابعين أن نشاطات كثيرة تفوتنا بالمقارنة مع الأشخاص الذين نتابعهم ويبدو في منشوراتهم وصورهم أنهم يعيشون حياةً اجتماعية نشطة أو حتى جامحة. ولكني مؤخرًا استطعت إسقاط المصطلح على الفترة التي انشغلت خلالها بالعمل والتنقل على نحو غير مسبوق مما هز أركان روتيني اليومي المعتاد والذي يتضمن مشاهدة فيلم يوميًا قبل النوم. ظننت أن الأمر طبيعي وأنها فترة وبتمر ويجب أن أركز على أولوياتي، إلا أنني استيقظت بداية هذا الشهر أشعر بالانقباض والكثير الكثير من الذنب تجاه موسم الجوائز الذي مر معظمه وأنا مشتتة الانتباه فلم أحتفظ باسم أي فيلم جذب الانتباه أو ترشح لجائزة أو ربحها. ولم أتابع من المخرجين استجد على الساحة، ومن من الممثلين كان الأكثر إثارة للجدل. زيارات سريعة ومحبوكة على السوشال ميديا وحسابات الأصدقاء "السنيفيلز" لتدارك الأمر نجح فقط في تفاقمه وزيادة الطين بلة: الجميع سبقني! هناك من يقول إنه قرصن ونزّل أكثر من خمس أفلام جديدة شاركت في دورة مهرجان كان الأخيرة، وتابع ثلاثة آخرين في السينما. ثمانية أفلام من هذا الموسم وحده. لا بد أنه تابع أضعاف هذا الرقم من الكلاسيكيات، وبحبش هنا وهناك عن صناعة كل من هذه الأفلام ومخرجيها وما يتبعها. توترت، وبدأت بالتفكير: كان يجب أن أرتب أموري وإجازاتي كما فعلت السنة الماضية بحيث يكون الشهر الأول مخصصًا ومكثفًا للأفلام الجديدة فلا تفوتني فائتة قبل أن أعود إلى معدل المشاهدة الوسطي. أما الآن فقد فاتني الكثير وعليّ أن ألحق حالي وأعوض قبل أن أبقى جاهلة وتتم إعادتي إلى صفوف المتفرجين العاديين.

يمكن أن تخرج جملة ما من فمك دون أن تعرف من أين جئت بها أو أين سمعتها مهما حاولت أن تتذكر. صدقني، لقد سمعتها في فيلم

ديجا فو؟
أن تكون متابعًا حقيقيًا للسينما يعني بالضرورة أنك قد تابعت مئات القصص خلال حياتك، سواء قصص رئيسية أساسية أو أخرى ثانوية، عن عوالم وتجارب وحقب زمنية مختلفة وأماكن غريبة عجيبة، وعن مئات الشخصيات سواء المثيرة للاهتمام أو التقليدية. في لحظة ما، تتكرر بتواتر أكبر مع ازدياد مشاهداتك وضيق الفاصل الزمني بينها، سيتعرج كثيرًا الخط الفاصل بين الواقع والسينما، وستتداخل عليك الأمور في سياق الحياة اليومية الطبيعية لتفكر فجأة: هل سبق أن مررت شخصيًا بهذا الموقف أو أنني فقط تابعته في فيلم ما؟ يمكن حتى أن تجد نفسك في منتصف حديث خبير تشرح فيه تجربة "أحد أصدقائك" قبل أن تدرك أنها في الواقع تجربة شخصية في فيلم تابعته في الماضي (ولكنك طبعًا تتابع الحديث لأنك مقتنع أن هذه الشخصية السينمائية بمثابة صديق، وأعز، وأن تجربتها واقعية إلى حد كبير). يمكن حتى أن تخرج جملة ما من فمك دون أن تعرف من أين جئت بها أو أين سمعتها مهما حاولت أن تتذكر. صدقني، لقد سمعتها في فيلم ما، فجلست وتربعت في اللاوعي بانتظار اللحظة المناسبة لتخرج.

التجهيزات التقنية
حين بدأت متابعة الأفلام بمعدل أكثر كثافة قبل ست سنوات تقريبًا، كان هاتفي المحمول هو كل التكنولوجيا التي أملكها. لم أكن أملك لابتوب أو شاشة عرض معتبرة، ولم أمانع ذلك فعلًا. كنت أقوم بتحميل الأفلام الجديدة عبر الموبايل عن أي منتدى أو موقع (مصري طبعًا) وأشاهده على شاشة الموبايل. إلا أن تعرفت مرةً على "سنيفيل" لم يكد يسمع بسيرة الموبايل حتى بدأ بالبهادل دون توقف ودون حرج. دون حرج من ناحيته هو طبعًا، لأني أنا كنت في قمة الإحراج فيما كان يقول كيف أدعي حب الأفلام وأنا أقلل من احترام الصناعة إلى هذه الدرجة؟ وأتابع الأفلام على شاشة صغيرة على نحو يمنعني من متابعة كل التفاصيل البصرية الحرفية التي تمرمط المخرج وطلعت عيونو ليظهرها، وأنني مجرد متابعة سطحية يهمها سير القصة فقط.

إعلان

خلال شهر من هذا النقاش "دبرّت" لابتوب بطريقة ما، نقلت له مخزوني الفيلمي وبدأت أتابع على شاشة أكبر، وبتأهب لأي تفاصيل قد تتاح مشاهدتها بوضوح أكبر. ولكن لا، القصة لم تنتهي هنا، على شاشة أكبر باتت أية عيوب في دقة الفيلم تظهر مضاعفة، ولأن شاشة الموبايل لم تتطلب في السابق تنزيل الأفلام بأعلى دقة متاحة، كنت قد وفرت على خط الانترنت المتاح لديّ جهد تنزيل أفلام خيالية الدقة بأحجام هائلة، أما الآن ما بيمشي الحال مع هذا النت البطيء ويجب التواصل مع شركة الانترنت ومحاولة رفع جودة الخط ليتمكن من تحميل أفلام عالية الدقة دون أن أعاني لأيام مع كل محاولة تنزيل. الأمر ارتبط تلقائيًا بارتفاع الفاتورة آخر الشهر ولكنني قلت لنفسي لا بأس. هذا استثمار صغير له أثر كبير. أقول لا بأس لنفسي كذلك كلما اقتطعت من راتبي لأزيد إلى المدخرات التي خصصتها لشراء شاشة عرض محترمة الحجم، يعني عيب أن أستمر بالمشاهدة على اللابتوب وهناك خيارات أفضل للاستمتاع. أقول لا بأس كذلك حين أدفع خمسة عشر دولار لأشاهد فيلمًا جديداً في السينما، يا أخي تجربة السينما غير ويجب ألا أنقطع عنها، كما أنها أحيانًا تشعرني ببراءة الذمة تجاه كمية الأفلام التي أحملها مجانًا أو أقرصنها. قلت لا بأس كذلك حين وجدت نفسي قبل أيام في متجر أسوم أسعار أجهزة الإسقاط (البروجيكتور) لأقتني واحدًا أضعه في غرفتي وأحظى بتجربة سينمائية منزلية. لا بأس فعلًا ولكنني شعرت فقط بوجوب إضافة هذه النقطة إلى القائمة.

ليس هناك بيننا من لم ينهي في مرحلة ما فيلمًا أخاذًا عن الحياة والحرية والاستقلالية والإبداع والفن والحب، ليشعر واحدنا بعدها أن كل حياته حتى الآن بتسوى قشرة بصلة

La Dolce Vita
في السينما شيء من القسوة التي لا تنفصل بأي شكل عن أهم جمالياتها. قدرتها التي تفوق الخيال على اصطحابك إلى عوالم جديدة وراء شخصيات مثيرة بتجارب غير تقليدية. يُخلف هذا كله شعورًا سحريًا بمدى اتساع هذا العالم، وجماله، وغناه، وتنوعه. الأمر الذي بقدر ما هو ملهم ومنعش، بقدر ما بوسعه أن يتحول في لحظات إلى مادة إحباط خام. خاصةً إن كنت من سكان العالم الثالث. ليس هناك بيننا من لم ينهي في مرحلة ما فيلمًا أخاذًا يعظنا بالصورة والموسيقى والتصوير قبل القصة، عن الحياة والحرية والاستقلالية والإبداع والفن والحب، ليشعر واحدنا بعدها أن كل حياته حتى الآن بتسوى قشرة بصلة، وأنه على هامش الهامش، والأنكى أنه لن يستطيع حتى تغيير أي من هذا. فهو بالنهاية وصل إلى حضور هذا الفيلم بعد انتهاء يوم مضني في العمل، على لابتوب تكاد تنفذ بطاريته، بسبب انقطاع الكهرباء شبه الدائم، في مدينته التي إن لم تكن تشهد حربًا ما في هذه المرحلة، فهي حتمًا تخوض أزمات اقتصادية وخمة. وأن أجمح تجارب حياته حتى اليوم هي حين هرب مع الشباب للتدخين خلف سور المدرسة ولم يكتشفهم يومها المدير. هذا لا يعني أنه جاهل، أو ممل أو أن حياته ليس لها أثر، الأزمة فقط أنه يعرف الكثير عن أشياء لا يعرفها حقاً. السينما تسمح لنا أن نتابع قصصًا في بلدان وقارات قد لا نزورها في حياتنا، وأن نتفاعل وننفعل لتجارب لن نخوضها أبدًا، وأن نتعرف على مطابخ وأكلات وموسيقى ومسارح وإمكانيات وثقافات قد لا نقترب منها في الواقع على الإطلاق. طب مو وجع قلب زيادة هيك؟ يعني المشكلة ليست أنني لا أصدق فيلليني وبينيني وغيرهم حين يخبروننا بأن الحياة جميلة. بالعكس، المشكلة أنني أصدقهم. أصدقهم كثيرًا. الحياة لذيذة، وواسعة، وغامرة، وعلى قدر سحر هذه الفكرة، يزداد قدر الإحباط الذي تسببه.

الاقتراح المظلوم
رغم أنني لا أؤمن بمفهوم السينما النخبوية، ووجوب صناعة أفلام مخصصة للمشاهد الأعلى ثقافةً سينمائية وحده، لأن الناس العاديين "ما بيفهموا" لكن أن تكون سينفيل يقتضي بالضرورة امتلاكك لخبرة تراكمية كبيرة كمُشاهد ترفع السقف والمعايير للأفلام التي تتمكن من إدهاشك بعد سنين من المتابعة المنتظمة. مع الوقت، ستمتلك عينًا خبيرة تجعلك تفضل أساليب إخراجية معينة أو أنماط أفلام قد لا تكون بالضرورة الأكثر شعبيةً وانتشارًا بين المتابعين العشوائيين. الأمر الذي سيفسد عليك حتمًا أي مشروع حضور فيلم مع الأصدقاء أو أولاد العم ضمن التقليد المبهج عادةً لمشاهدة الأفلام جماعياً. سيكون السيناريو الأول المقترح عادةً هو أن تنضم إليهم في السينما وتتابع فيلمًا من اختيارهم ليتبين أنه مجرد فيلم تجاري بيتمرق مع صوت قرقشة الشيبس والبوشار يُسعد أصدقائك ويتركك قريبًا من الغيبوبة كلما تذكرت سعر التذكرة التي اقتطعت منك أو الساعتين اللي راحوا من عمرك. أو في سيناريو ثاني، بإمكانك جمع الشلة على شاشتك، لتتابعوا فيلمًا من اختيارك، وعلى ذوقك، وبحسب نصيحتك، الفيلم الأكثر استقبالًا نقديًا لهذا العام، للمخرج الأهم منذ وفاة ستانلي كوبريك، سبع دقائق من التصفيق المتواصل في مهرجان كان، وعشرات المراجعات التي تناقش رمزيات وماورائيات كل تفصيل، فينتهي بك الأمر بالبهادل والشتائم من أصدقائك المحبطين الذين لم يفهموا آخر ساعة ونصف من الفيلم. سيتم عزلك نهائيًا ومنعك من اختيار فيلم السهرة لأشهر قادمة، وتجبر على العودة على السيناريو الأول متل الشاطر.