حياة

يا أيها المدخنون .. أنا أكرهكم

لقد كنتم آخر حصن ضد ديكتاتورية الخلود ولكن السيجارة الالكترونية غَيرتكم
4.2.19
تدخين
Illustration:Pierre Thyss

"بول، هل يمكنك أن تبقي عينيك على الحقيبة بينما نخرج لتدخين سيجارة؟" هذه حياتي كلما خرجت من أصدقائي إلى واحدة من الحانات التي منع فيها التدخين، مما يعني أنهم سيخرجون مرات كثيرة لتدخين سيجارتهم، ويتركوني وحدي مع شخص لا أعرفه - ومجموعة من الحقائب التي علي أن ابقي عيني عليها لحين عودتهم. أنا لا أدخن. لقد حاولت التدخين قبل سنوات، لكن في النهاية لم يعجبني ولم أعاود ذلك أبداً.

النيكوتين، إلى جانب رائحة النفس الكريهة بسبب القطران، لا يشجع أبداً على التدخين، ولكن أنا آخر شخص يمكن أن يعطي محاضرة للمدخنين. لقد أمضيت بالفعل ربع سنوات عمري الـ 28 في انتظار أن يقلع أصدقائي عن تدخين السجائر، لكن دائمًا ما كانت مشاعري تنقسم بين رغبة عميقة في تعنيفهم، والإحساس بالغيرة منهم. في العمل، على سبيل المثال، كيف لا تريدني أن أصبح مدخنًا؟ ويمتلأ يوم العمل بالعشرات من استراحات السجائر حيث يمكن للمدخنين الدردشة والاستماع بالخارج. أنا معجب بشجاعتهم، وحقيقة أنهم ربما يعملون لساعتين أقل مني يوميًا، وهو ما يجعلني أعتقد أن هناك حجة قوية للتدخين.

إعلان

بالنسبة لي، أنا هذا الموظف الذي يجلس بهدوء شديد في مكتبه ويسمح من وقت لآخر لنفسه بالذهاب للمطبخ لشرب شاي بطعم الفاكهة، وتناول بعض الحلوى في الكافتيريا، قد يكون التدخين في العمل الطريقة التي كان يفتقر إليها طموحي. نفس الشيء في المساء، أرى أصدقائي المدخنين يتسكعون على الأرصفة بنظاراتهم البلاستيكية وضحكاتهم العالية. على الرغم من سخافة وضعهم بسبب اضطرارهم لاحتساء مشروباتهم في البرد، إلا أنه يبدو وكأنهم يستمعون بوقتهم أكثر مني.

يجب أن أعترف بأنني أحسد هؤلاء المدخنين المارقين، الذين يدوسون على قواعد المنطق، ولا يفكرون بالمستقبل ولا يخافون الإصابة بالسرطان

أخيراً، أنا مثل هذا الرجل الذي لا يعرف كيف يرقص ويخبر الجميع أن "الرقص عديم الفائدة" بينما يغار من أولئك الذين يقومون به بشكل جميل وطبيعي. أنا هذا الرجل. إذا تجاهلنا حقيقة أن هؤلاء الناس لديهم شعر سيء برائحة كريهة، يجب أن أعترف بأنني أحسد هؤلاء المدخنين المارقين، الذين يدوسون على قواعد المنطق، ولا يفكرون بالمستقبل ولا يخافون الإصابة بالسرطان.

لنكن واقعيين، التدخين رائع، كاد المدخنون يصلون إلى مستوى السعادة الذي يحققه الجنس. على مدار اليوم، تلتقي عيونهم المُجهدة بمئات الصور لأطفال يموتون، وحناجر وشفاه مشققة، وكلمات مزعجة على علب السجائر، لجعلهم يفهمون أنهم سيموتون في وقت قريب وأنه سيكون هناك الكثير من الألم. ولكن مع ذلك فهم لا يهتمون، على عكسي أنا، الذي أعيش حياة فيها الكثير من القيود التي لا يمكنني تجاوزها.

المدخنون هم آخر الناجين من العالم حيث يمكنهم أن يفعلوا ما يريدون دون طرح الكثير من الأسئلة، إنهم في الأساس تجسيد حي لقصص والدي عندما يتحدثان عن فترات شبابهم - وهو شيء قديم مسلي يذكرنا بأن هناك عالمًا آخر ممكن. اليوم، يحثنا المجتمع على اتباع نظام غذائي صحي والنوم ساعات أكثر وغيرها من الأمور لكي نعيش أطول. ولكن يشعر المدخنون بالرضا عن العمر المتوقع لحياتهم، الذي لا يزيد عن ستين عامًا وهم على أتم الاستعداد لتدمير أنفسهم يومًا بعد يوم، إنه أمر جميل.

الآن يريد الجميع التوقف عن التدخين، لأنهم اكتشفوا فجأة أنه ليس جيد لصحتهم، أو لأنهم قرروا الإنجاب، أو أنهم أدركوا اليوم فقط أن شركة مارلبورو هي شركة متعددة الجنسيات

لكن بينما كنت على وشك تبني فلسفتهم، الآن يريد الجميع التوقف عن التدخين، لأنهم اكتشفوا فجأة أنه ليس جيد لصحتهم، أو لأنهم قرروا الإنجاب، أو أنهم أدركوا اليوم فقط أن شركة مارلبورو هي شركة متعددة الجنسيات - وأن الشركات متعددة الجنسيات سيئة. أيا كان السبب، فإن المزيد والمزيد من الناس يجدون المبرر للابتعاد عن التدخين، حسناً، شكراً جزيلاً.

بعد سنوات من مراقبة عالم المدخنين في الحانات، وسماع أصواتهم وضحكاتهم أثناء التدخين في الخارج، الآن يتراجعون. خلال فترات طويلة من حياتي تم تركي وحدي في مكتبي مع الشاي الصحي، والآن بعد أن أصبحت على وشك الخضوع لسحرهم، يقولون لي: لا لم نعد نحب التدخين. والأقسى، ليس توقفهم عن التدخين، ولكن تدخينهم سيجارة إلكترونية.

في أيامنا هذه، أصبح من الطبيعي رؤية أشخاص يطلقون الدخان من أقلام حبر سوداء هي في الواقع سيجارة إلكترونية. من المفترض أن يكون المستقبل عبارة عن سيارات تطير وملابس براقة، وليس أشخاص الذين يستمعون إلى موسيقى الجاز وهم يدخنون سيجارة إلكترونية. لدي شعور بأنه تم التخلي عني من قبل فرقة المقاومة الأخيرة. لقد كنتم آخر حصن ضد ديكتاتورية الخلود، أيها المدخنون. ولكن لقد خاب أملي فيكم.

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE فرنسا.