يعيش الشباب العربي واقعًا محبطًا لأسباب تتأرجح بين السياسة والاقتصاد، لكن البطالة تبقى الكابوس المؤرق لحوالي 25.6% من الشباب العربي الذين لا يجدون فرصة عمل حسب إحصاءات وتقارير دولية. الأرقام المفزعة حول واقع الأزمة في الدول العربية لا تتوقف، إذ تبلغ نسبة البطالة عربيًا 15 إلى 20% من إجمالي قوة العمل، وهي نسبة تزيد عن ضعف المعدل العالمي البالغ 6.2%، حسب تقارير منظمة العمل الدولية، والتي واصلت أرقامها بالإشارة عن معدل زيادة سنوي بنسبة 3%. في هذا المقال المرتبط بالفيلم الوثائقي "بالعربي" الذي أنتجته VICE عربية عَبر العديد من الشباب عن عدم تفاؤلهم بمستقبل بلادهم. "كيف كان البلد قبل خمس سنين، هيك رح يكون بعد خمس سنين، التاريخ يعيد نفسه عنا بلبنان" هذه واحدة من الأمثلة التي تعبر بطريقة أو بأخرى عن شكل المستقبل الذي يتوقعه الشباب العرب. هذه النظرة التي تجمع ما بين التشاؤم واللامبالاة مرتبطة بانعدام فرص العمل للشباب في بلدان عربية كثيرة. تحدثنا إلى عدد من الشباب من الدول العربية التي تعاني من نسب بطالة مرتفعة وسألناهم عن كيفية تعايشهم مع هذا الواقع الصعب.
إعلان
"تخرجت هذا العام، بحثت عن عمل باختصاصي ولم أجد،" بكلمات موجزة لخصت فوز من العراق، 22 عامًا ما يجابه حديثو التخرج. وتضيف الفتاة العشرينية التي تحمل شهادة عليا في هندسة الشبكات "لم أعثر على أي فرصة عمل بعد تخرجي، يبحثون عن أشخاص لديهم الخبرة، كيف ستتطور هذه الخبرة دون إعطائنا فرصة للعمل أصلاً."لم تيأس فوز من واقع سوق العمل المحبط، وقررت تحدي الظروف بتحويل هذه الفترة إلى مرحلة تحصيل جديدة: "أقضي وقتي الآن بتطوير نفسي والالتحاق بدورات تدريبية متخصصة في مجال عملي. لست الوحيدة التي تواجه ذلك، الكثير من زملائي الذين تخرجوا معي لم يستطيعوا أن يجدوا أي عمل." وعلى الرغم من تشبثها بأي بصيص من الأمل. لا تتوقع فوز أن تجد عملاً خلال وقت قريب، وهو ما تخالجها حياله مشاعر متضاربة، تتبدد أحيانًا، وتستعصي أحيانا أخرى. "أشعر أحيانا باليأس ولا أستطيع التفكير بالمستقبل."أشعر أحيانا باليأس ولا أستطيع التفكير بالمستقبل

لا يختلف حال فراس (27 عامًا) عن مواطنته فوز كثيرًا، رغم أنه تخرج قبلها بخمس سنوات كاملة، إذ حصل على دبلوم هندسة الإلكترونيات من إحدى الجامعات العراقية، لكنه فشل في الحصول على فرصة عمل في مجال تخصصه حتى الآن، ما دفعه للتنازل عن حلمه بالعمل في مجال دراسته، والبحث عن أية فرصة عمل ممكنة، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة أيضا: "صارلي سنة ونص او أكتر أسجل اسمي، وأروح لاي إعلان شغل لكن ما بلاقي أي شغل." وتشير آخر أرقام لجنة الاقتصاد النيابية العراقية إلى أن نسبة البطالة بلغت أكثر من 32٪ بين قوى العمل، فيما انتقدت عضو اللجنة، نورا البجاري في مقابلة منشورة الخطط والاستراتيجيات التي تُعلنها الحكومة العراقية بين فترة وأخرى والتي هدفها الحد من البطالة "كونها نمطية ولا تتعامل بواقعية مع الوضع العام للبلاد."
إعلان
خلال رحلة بحثه عن أي وظيفة مناسبة، صادف فراس عروض عمل لم يتمكن من قبولها، رغم حاجته، كونها لم ترقى إلى حد تطلعاته الدنيا: "الوظائف المتوفرة يكون راتبها قليل جدًا وساعات وظروف عملها صعبة جداً." ويضيف الشاب العراقي المتزوج والذي يعيل عائلته: "أنا الحين مقدم على طلب عمل في مطعم ولكن الشغل أشبه بالاستعباد."
فراس، 27 عاماً من العراق
اتجاه الشباب لأعمال غير مناسبة لمؤهلاتهم العلمية أصبح يمثل ظاهرة ملموسة في عدد من الدول العربية، خاصة الدول مرتفعة الكثافة السكانية والتي تعاني أيضاً من انخفاض في جودة التعليم، إذ أن ذلك الوضع يؤدي إلى ظاهرة غريبة٬ تتمثل في زيادة نسب البطالة بين حملة المؤهلات الدراسية، حسب دراسة للمعهد العالي للدراسات المالية والمصرفية بالخرطوم (السودان). ووصفت الدراسة التي حملت عنوان "ظاهرة البطالة في الدول العربية" مؤسسات التعليم والتدريب في معظم الدول العربية بأنها "مفرخة للعاطلين عن العمل أكثر من كونها مساهمة في جهود التنمية."عدم وجود خطط واضحة من قبل الحكومات لتطوير التعليم أو دعم الاقتصاد، ومن ثم تشغيل الشباب وتقليل نسبة البطالة يترك القليل من الخيارات للشباب، ويصبح خيار البحث عن منحة دراسية أو فرصة عمل في الخارج مبلغ آمال الجانب الأكبر منهم. أحد هؤلاء الباحثين عن فرص خارج البلد هو خليل، 24 عامًا من غزة. بعد رحلة إخفاق طويلة في الحصول على وظيفة مناسبة في مجال دراسته الإعلامي، تقدم خليل لعدد من المنح الدراسية في الخارج، تمكن من اقتناص إحداها للدراسة في أكاديمية نيويورك للسينما، لكنه لم يتمكن من السفر بسبب عدم قدرته على جمع المال اللازم لدفع تكاليف المعيشة هناك مع أن مصاريف الجامعة كانت مدفوعة، لتضيع عليه فرصة اعتبرها طوق النجاة الذي لم يحالفه الحظ للحاق به.
إعلان
سَبق قرار خليل بالسفر رحلة بحث طويلة عن فرصة عمل ويحدثنا عن رحلة بحثه الطويلة قائلاً: "جربت كتير اقدم على شغل، وتطوعت في العديد من المؤسسات الغير حكومية،" تخلل ذلك بعض مشاريع العمل الحر، لكنه لم يظفر أبدًا بفرصة عمل بدوام كامل تؤمن له راتبًا معقولًا أو تحقق له قدرًا من الاستقرار: "أحيانا أجد عملا بسيطاً هنا وهناك لكن ليست وظيفة ثابتة من الممكن أن تبني حياتك عليها كشاب."
خليل، 24 عاماً من غزة
ولا يتعلق الأمر بالشاب العشريني فقط، بل يمتد إلى معظم أقرانه: "تقريبًا 85% من أصدقائي والذين تخرجوا معي لم يجدوا أي فرصة عمل، بعضهم اضطر للعمل في "البسطات" كباعة متجولين في السوق. واحد فقط نجح مشروعه، لكن الباقيين لم يوفقوا في العمل على أية مشاريع ثابتة، خصوصًا أنهم يعيلون عائلاتهم كذلك." وبحسب جهاز الإحصاء الفلسطيني بلغ معدل البطالة بين الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة (15- 29) سنة، 40% من بين الشباب المشاركين في القوى العاملة، فيما ارتفع المعدل بين الخريجين الشباب إلى 53% خلال الربع الأول من عام 2017.
أمام القليل من الفرص، يضطر خليل للعمل بأي شيء يساعده على الوفاء بالتزاماته الرئيسية، بأسى واضح يعبر خليل عما يشعر به: "أنا حاليًا في فترة إحباط، محبط حتى من البحث عن عمل. أوقات بشعر إنه خلاص، أشعر بالضيق من كل شخص، أحيانا أتضايق حتى من أهلي." يصمت لحظات ثم يستدرك: "شعور مش عارف اشرحه. لكن حتى الآن انا مصر اني أعمل أشياء وأحقق حلمي في يوم من الأيام."أحمد من مصر (22 عامًا) يشير إلى جانب آخر من المشهد، بعد اضطراره للعمل في وظيفة مؤقتة كـ "مدخل بيانات" بإحدى شركات النفط، بعد أن فشل في العمل بمجال السياحة الملائم لتخصصه كدارس للغات في كلية الألسن، بجامعة عين شمس المصرية، حيث حصل على "عقد مؤقت لمدة 6 أشهر." وعن إحباطه يعترف بأنها فرصة أفضل من أول عمل التحق به بعد التخرج في إحدى شركات الاتصالات.
أمام القليل من الفرص، يضطر خليل للعمل بأي شيء يساعده على الوفاء بالتزاماته الرئيسية، بأسى واضح يعبر خليل عما يشعر به: "أنا حاليًا في فترة إحباط، محبط حتى من البحث عن عمل. أوقات بشعر إنه خلاص، أشعر بالضيق من كل شخص، أحيانا أتضايق حتى من أهلي." يصمت لحظات ثم يستدرك: "شعور مش عارف اشرحه. لكن حتى الآن انا مصر اني أعمل أشياء وأحقق حلمي في يوم من الأيام."أحمد من مصر (22 عامًا) يشير إلى جانب آخر من المشهد، بعد اضطراره للعمل في وظيفة مؤقتة كـ "مدخل بيانات" بإحدى شركات النفط، بعد أن فشل في العمل بمجال السياحة الملائم لتخصصه كدارس للغات في كلية الألسن، بجامعة عين شمس المصرية، حيث حصل على "عقد مؤقت لمدة 6 أشهر." وعن إحباطه يعترف بأنها فرصة أفضل من أول عمل التحق به بعد التخرج في إحدى شركات الاتصالات.
أحمد، 22 عاماً من مصر
يعود أحمد بالذاكرة أكثر للوراء، ليتذكر الفترة ما بين تخرجه من الجامعة والتحاقه بأول عمل "أكتر من 6 شهور كنت بدون أي عمل.. تخرجت في يونيو واشتغلت في نهاية ديسمبر." لم تكن وظيفة الأحلام بالنسبة للشاب حديث التخرج، لكنه كان في حاجة إلى أن يضع قدمًا على بداية طريق مهني لم يكن يتصور مدى صعوبته مع نسبة بطالة تبلغ 12% من إجمالي قوة العمل، بينما تتخطى الفئة العمرية من 20 إلى 29 عامًا نسبة 70% من إجمالي عدد العاطلين، حسب آخر إحصاء حكومي مصري للعام 2017.رغم الواقع المحبط يحلم أحمد بالسفر خارج مصر لتحسين لغته ومعايشة ثقافات مختلفة. يحلم بالعودة لاحقًا ليلتحق بورشة تمثيل لصقل هوايته المفضلة. قائمة أحلام أجهضتها الأوضاع الاقتصادية واحباطات تعثر الخطوات الأولى، لكنه كغيره من الشباب العربي على اختلاف بلدانهم، يتشبث ببصيص الأمل، لا يعرف منبعه لكنه لا يهتم، فلن تكون خسائره في جميع الأحوال أكثر مما يفرض عليه الوضع خسارته.
