المسرحية والراقصة اللبنانية يارا بستاني تتحدث عن علاقة الإنسان بالطبيعة
يارا بستاني (تصوير: ليليان رحال)

FYI.

This story is over 5 years old.

فن

المسرحية والراقصة اللبنانية يارا بستاني تتحدث عن علاقة الإنسان بالطبيعة

لا يمكن أن يصبح أي فنّان غنيّاً في بيروت، لكنه لن يموت جوعاً أيضاً

لا يمكن أن نفهم مدى الضّرر الّذي نتعرّض له يومياً في المدينة إلّا عند العودة الى نقطة الصّفر، إلى البدء. أي من اللّحظة الّتي تتكوّن بها أولى الخلايا الإنسانيّة، مع الفراغ والعدم خلال سير تلك العمليّة. من بعدها الولادة، والتفاعل مع الطبيعة، أصواتها وألوانها، الاحتكاك بها يومياً، والشعور المذهل بالرّابط بين الإنسان والطبيعة. لا يمكن العودة إلى هذا الوقت، ولا يمكن إدراكه في سرعة العصر الّذي نعيش به. استيعاب هذا الواقع، والتحوّل السّريع فيه، فرضته اللبنانية يارا بستاني على جمهورها في مسرح المدينة في بيروت في عرضها المسرحي المنفرد "إيفولفو،" حيث شعر الجمهور معها بالفراغ الأولّي، وبعده بالسلام الدّاخلي مع الطبيعة، والوصول الفجائي الى ضوضاء المدينة والانزعاج منه. كلّ هذه الحالات مرّت على الجمهور خلال ساعةٍ فقط.

إعلان

درست يارا بستاني السينما في الأكاديميّة اللبنانيّة للفنون الجميلة في بيروت، التابعة لجامعة البلمند اللّبنانيّة، ثمّ انتقلت إلى مدينة غرينادا الإسبانيّة حيث درست المسرح والسيرك. عادت من بعدها إلى بيروت وأسست استوديو للرقص والمسرح، وهي اليوم تعطي صفوفاً بالرّقص المعاصر. في العامّ الماضي قامت يارا بعرضين مختلفين، سولو، وبشكلٍ متتالٍ. في هذا العامّ عرضت عرضها الثّالث "إيفولفو" وهي كلمة لاتينيّة تشكّل الأساس لكلمة "التطوّر" (Evolution) وهي تعني "التفتّح." ركز هذا العرض على محاولة الإنسان التكييف الدائم مع التغييرات التي تفرض على الإنسان الطّاعة والخضوع لواقعه الجديد، بالاضافة إلى علاقته مع الطبيعة والمدينة. بعد حضوري لعرض "إيفولفو" هذا الأسبوع، شعرت بأحاسيس مختلفة، يرتكز عرض "ايفولفو" على الأصوات والموسيقى، البصريات والإضاءة، والأهم على جسد يارا الّذي اتّبع كلّ خطوة لتعبّر من خلالها عن فكرة واضحة، أوصلتها يارا للجمهور من خلال تصميم راقص دقيق ومعاصر. العرض كان ساحراً، وهذا ليس رأيي فقط، سألت عدّة أشخاص عن رأيهم بعد العرض، وكانت أولى ردّات الفعل تتباين بين "واو!" "مخيفة" "أنا بحاجة إلى مشروب." جلست مع يارا بعد العرض في مسرح المدينة في بيروت وتحدثنا عن العرض، المسرح ومكانها كفنّانةٍ معاصرة اليوم في بيروت.

يارا بستاني، الصورة مقدمة منها.

VICE عربية: اخترت التخصص في المسرح والسيرك، أفهم المسرح ولكن لماذا السيرك؟
يارا بستاني: في سن عمر السادسة عشر بدأت بتعلم الـ Juggling وانتقلت بعدها إلى التهريج. التهريج لا يعني تحديداً "المهرّج" بمعناه التجاري، التهريج هي مدرسة موجودة في المسرح. التّهريج هو عندما تسمح لنفسك أن تكون "مجنوناً" بحركات الجسد والأصوات. التهريج يعني أيضاً أن تكون شفّافاً مع نفسك ومع الأشخاص حولك وتتركهم يراقبونك بطبيعتك ويضحكون معك. طبعاً، التهريج يقوم على الانتقال إلى الشوارع والتفاعل مع الأشخاص، وهذا ما أحبه وقد عملت فترةً في هذا المجال، خصوصاً في مشاريع صغيرة في شوارع بيروت. ولا زلت أقوم بها، مرّةً أو اثنين خلال العامّ بحدثٍ أو مشوار يسمّى "Clown Walk for Laughter" أنظّمه مع صديقٍ لي اسمه عبّاس بيرم، وقد بدأنا به منذ حوالي ثماني سنوات. كما أنني عملت مع Cirquenciel لفترةٍ، وهو جزء من برنامج جمعيّة Arcenciel اللّبنانيّة عبارة عن سيرك اجتماعيّ يهدف الى نشر السلام من خلال فنون السيرك. أحببت السيرك وبنفس الوقت أحب المسرح، لهذا عندما فكرت بإكمال دراستي، اخترت مدرسة تدمج السيرك بالمسرح، فهذا هو تماماً ما كنت أبحث عنه.

إعلان

جميل. حدثينا أكثر عن Clown Walk for Laughter؟
الموضوع مرح جداً والجمهور يتفاعل معنا بشكل رائع. قمنا بهذا المشروع في عدّة أماكن في بيروت وخارجها. نحدّد نقطة تلاقي، وأحياناً يكون معنا موسيقيين وأحياناً نضع نحن الموسيقى. كما نحضّر الكثير من الأزياء وطلاء للوجه، وينضمّ الينا الكثير من الاشخاص صغاراً وكباراً، أحياناً يلبسون أزيائهم، وأحياناً أخرى نعطيهم بعض من أزياءنا ليشاركونا هذه المسيرة. وفي كلّ مرّة نختار موضوع معيّن. فكرة "المهرّج" كانت ممتعة جداً بالنسبة لي، فنحن كمهرّجين، لدينا سبب وعذر للمشي في الشوارع، ونحن نرتدي ألوان غريبة، ونقوم بحركاتٍ مجنونةٍ من دون أن يكون هناك ردّة فعل سلبيّة من الناس.

في عروضك المختلفة تقدّمين عدّة عروض في عرضٍ واحدٍ. تعملين على تصميم الرّقص، الثياب، الأضواء، الموسيقى وكلّ ما هو متعلّق بالبصريات. فأين تجدين نفسك في هذه الأمكنة؟
في هذا النوع من الأداء، وبالنسبة اليّ، أحبّ هذا المزيج بحدّ ذاته. هذا ما أحبّ أن أفعله. جميع هذه الامور مترابطة ببعضها، وهي جزء من عملٍ موحّد.

هل تعتقدين أن الجميع يمكنه أن يفهم اللّغة المعاصرة للعروض الّتي تقدّميها؟
عندما بدأت بتنفيذ عروضي الفردية، كنت قلقة من أنّ "لا أحد سيفهم أي شيء،" ولكن بعد العرض الأول، كانت ردة الفعل مختلفة عما توقعت، فهم الجمهور أدائي، عامّ فيما اختلفت الترجمات للعرض. هناك من وصل الى أفكارٍ ربّما أنا لم أفكّر بها من الأساس، وهناك من فهم تحديداً الفكرة الّتي أحاول تمريرها من خلال العرض. ليس لدي أي مشكلة بكون الجمهور فهم المغزى من العرض أم أنه وصل إلى نتيجة مختلفة، هذا جمال الفن، وهذا هو جوهر عملي. كما أنني لست بموقع "لإيصال رسائل،" أو "مغزى" معيّن. أنا مع إيصال شعور عام للجمهور. اللّافت أنّه هناك أطفال شاهدوا العرض وتفاعلوا معه بشكلٍ كبير، ربّما فهموا أموراً مختلفة تماماً، لكنّهم فهموا شيئاً ما. هذا يعني أنّ طبيعة العروض الّتي أقدّمها يمكنها أن تمتزج مع أي فكرة أريد اظهارها.

إعلان

يارا بستاني في عرض "ايفولفو" (تصوير: ليليان رحال)

هل هذا ينطبق على عرضك إيفولفو؟ هل أردتِ إيصال أيّ مغزى محدّد أو تركتِ الأفكار تترجم بشكلٍ مختلف من شخصٍ الى آخر؟
فعلياً العرض يترك نوعاً من الأسئلة لدى الجمهور. أنا أطرح فكرة معيّنة على المسرح لكن لا أملك الحلول. موضوع العرض، هو موضوع شخصي مبنيّ على أفكار شخصية قررت مشاركتها مع الجمهور، أسئلة وجوديّة (تقول ضاحكةً). العرض بشكل عام يتعلّق بطريقة تحليلي للأمور ونظرتي للحياة، ورأيت أنّ الطريقة الأفضل لطرح هذه الأفكار هو البدء من نقطة الصّفر أيّ الخلق، وأوّل خلايا تكوّنت ليصبح الانسان "إنساناً" وصولاً الى الانسان المعاصر اليوم وتحديداً الآن. كان عليّ أن أشكّل قصّة بترتيبٍ زمنيّ، فبدأت من الأوّل. تربيت في ضيعةٍ، ثمّ انتقلت إلى المدينة. لا يمكنني العودة الى الضيعة، وبذات الوقت "مش ظابطة" بالمدينة.

الأمور متداخلة وهناك نوع من الضياع والقلق، وهذا هو موضوع إيفولفو. المدينة أصبحت همجيّة، تراكم يوميّ الأشياء والأغراض، الاستهلاك المكثّف، عدم التوقّف للحظة للعودة ولو قليلاً الى أنفسنا وطبيعتنا… حتّى اذا هروبنا ليومٍ واحدٍ من المدينة، لا يكفي لتهدئة القلق اليومي الّذي نعيشه في المدينة. فعلياً نحن لا نقوم بأي شيء يريحنا داخلياً، مع أننا نحاول.

يارا بستاني في عرض "ايفولفو" (تصوير: ليليان رحال)

في مدينة مثل بيروت، هناك الكثير من الفنانين وبنفس الوقت هناك خوف دائم من دخول عالم الفنّ. هل تعتقدين أنّ بيروت هي مكانٍ آمن لهذه المواهب ولهذه المهن؟
العمل في عالم الفن والمسرح بشكل خاص ليس مستحيلاً أبداً. هي صعبة وسهلة في نفس الوقت، وتحديداً في بيروت، فهي مدينة صغيرة، الجميع يعرف بعضه. لا يمكن أن يصبح أي فنّان غنيّاً في بيروت، لكنه لن يموت جوعاً أيضاً. هناك دائماً مساحة للفنّ هنا. كما ذكرت، الأمر صعب، لكن ليس مستحيلاً. في العادة، الفرص الصغيرة غير متوفّرة في المدن الكبرى، ولكن في بيروت هناك دائماً مشاريع يمكن أن يقوم بها الفنّان. فبالنسبة إليّ، بيروت أسهل، ويمكن لأيّ شخص أن يصل وأن يستفيد من الفرص الموجودة حوله.

أنت تقومين أيضاً بتعليم الرقص أيضاً؟
أعطي صفوفاً بما يسمّى: الشعر الجسدي (Physical Poetry) والذي يقوم على استخدام لغة الجسد من حركاتٍ وأصواتٍ، مقابل استخدام نصوص معيّنة، صور، قصائد، والألوان. في هذا الصفّ نحاول ترجمة هذه النصوص أو الصور بلغة الجسد، بالحركات والأصوات فقط. يتمّ البحث خلال هذه الصفوف بالعناصر الأساسيّة للرقص، كالشكل، والإيقاع وغيرها. كما نستخدم تمارين متعلّقة بالرّقص، والمسرح، وكيفيّة التلاعب بالأشياء، لينطلق منها كلّ فرد، ويعثر على مفرداته الخاصّة للتعبير بها عن ما يراه.

كيف يختلف بالنسبة اليكِ تعليم الرّقص عن كونك راقصة؟
يختلف تعليم الرّقص عن الرّقص بحدّ ذاته، لكنّه مرتبط فيه كثيراً. التعليم يفتح لي المجال للتقدّم كراقصة، وتجربة أمور جديدة، مع أشخاص جدد، بالاضافة الى التشارك بما نعرفه. التعليم هو رحلة اكتشاف دائمة وستمرّة، بالنسبة اليّ وبالنسبة للمشاركين. أمّا المكافئة الحقيقيّة بالنسبة لي، فهي عندمما نبدأ بصفٍّ معيّن مع أشخاص لا يتحرّكون كثيراً، وغير مرتاحين، ونصل الى مرحلةٍ ينفتحون فيها حقيقةً على أنفسهم وأجسادهم. بالنسبة لي، أشعر بإنجاز صغير في كل مرة أرى تقدّم حقيقيّ في حركاتهم، وخطاهم، وصوتهم وجسدهم ككلّ.