مقابلة

السوري محمد بدرة يتحدث عن التصوير وسط الموت

عندما أصور شخص مصاب أو متوفي، كنت أعتبر أنني أصور احتمالاتي المستقبلية لأن ذلك الشخص كان يمكن أن يكون أنا

إعداد لونا صفوان
2019 03 17, 9:40am

أطفال سوريون يتلقون الإسعافات الأولية في مستشفى ميداني في أعقاب غارة جوية على ضواحي دمشق سوريا، 10 نوفمبر 2015. تصوير محمد بدرة/ شترستوك

التصوير لم يكن خياره الأول، محمد بدرة، 28 عاماً، المصور السوري المرشح عن فئة صورة العام لسنة 2019 في مسابقة وورلد برس فوتو ضمن 6 صحفيين آخرين من حول العالم ومن المقرر الإعلان عن الفائزين في 11 أبريل. تخلى محمد عن دراسة الهندسة المعمارية في الجامعة، خوفاً من الاعتقال، بعد دخول سوريا دوامة الاحتجاجات، التي تحولت بعدها إلى حرب دامية لا تزال مستمرة منذ ثماني سنوات. عمل في البداية كمسعف، وليتحول بعدها إلى التصوير. من داخل دوما في الغوطة الشرقية، التي عايش فيها كل لحظات حصارها المرير، منذ عام 2012 حتى لحظة إجلاء المدنيين منها أواخر عام 2018، نجح بدرة في أن ينقل إلى عالم بأكمله، وبالصورة، حقيقة ما يجري على الأرض. في الذكرى السنوية الثامنة للثورة في سوريا، تحدثت مع بدرة - الذي التقيته في إسطنبول- عن سنوات الحرب التي عايش أحلك تفاصيلها.

1552477746670-badra
محمد بدرة - الصورة مقدمة منه.

VICE عربية: لماذا تركت عملك كمسعف واتجهت للتصوير؟
محمد بدرة: كل شيء اختلف من بعد الثورة السورية، التي قلبت المعطيات والعالم وعالمنا أيضاً. كان من الضروري أن أتفادى الاختفاء مع انطلاق الثورة. كنت أرى نفسي مهندساً معمارياً ناجحاً، لم أكن أتخيل نفسي كمصور من قبل. ولكن بعد التخلي عن حياتي الجامعية، ارتأيت أن الجلوس تحت القصف أكثر أمانًا من الاعتقال، وأثناء عملي في مجال الإسعاف شعرت أنني لم أكن مسعفاً جيداً، لذا بدأت بمحاولة التعبير عن نفسي بطرق مختلفة، وكان ذلك مدخلي للشروع في التصوير كهاوٍ. انطلقت الحكاية من تصويري لقطات داخل مشفى، صودف تواجدي داخله… بعد فترة، تعرفت على بسام خابية، وهو مصور ساعدني بالتواصل مع وكالة رويترز، ودعمني لكي أصور بشكل تقني، وكذلك بشكل معرفي نظري، كي تتحسن ثقافتي التصويرية، وأن لا تكون صوري مجرد لقطات بل تعبيرًا عن قصة متكاملة أيضاً." الصور الأولى انتشرت بين عام 2012 ونهاية عام 2013 وتحديداً صورتي الأولى على موقع وكالة "رويترز" سنة 2013 وكانت السنة التي حولتني إلى مصور.

كيف تصف حياتك كمصور حربي في سوريا؟
لم أكن أصنف نفسي كمصور حربي أصلاً، ولم أكن أصنف الأوضاع التي أعيش فيها كحرب. لأنني اعتدت عليها، لدرجة أنني سميتها "حياة يومية" ولكن حياة يومية مليئة بالقصف والموت والدموع والدم، تخللها القليل من السعادة. بعكس المصورين الأجانب، الذين كانوا أصلاً يعيشون في حالة من السلام قبل دخولهم مناطق الحرب، أنا دخلت مباشرةً إلى الحرب، لذا لم تتسنى لي فرصة لاختبار معاني الهدوء والسلام أصلاً. كنت أظن أنني سأبقى في سوريا للأبد، وبالتالي عودت نفسي على تلك الهالة السوداوية التي دفعتني للتصوير.

1582010166034-badraa

تغيرت وتغيرت صورك بعد انتقالك إلى تركيا؟
الموضوع اختلف كثيراً عن وصولي إلى تركيا، وبصراحة لم أستطع التصوير في تركيا حتى الآن، لا أشعر أنني مستعد، أصور رفاقي ضمن إطار البورتريهات، ولكنني لم أصور أي شيء صحفي حتى الآن/ هنا. وكل ما أقوم به حالياً هو تصوير مدربي الرياضي علي أبرم لأنه ساعدني على خسارة كمية كبيرة من الوزن خلال الأشهر الماضية، وهو أمر حفزني إيجابياً جداً، وأنا ببساطة أردّ له الجميل. وصورت صديق لي آخر هو الرابر بوناصر الطفار خلال حفلة غنائية له في تركيا، وهو صديق جمعتني به القضية الواحدة. في النهاية، الشغف الذي يحيط بمضمون الصورة هو الأساس. فمثلاً عندما أحضر حفلة الآن في إسطنبول، لا أشعر بها إلا من خلال التقاطي للصور، نفس الحال إذا كنت أراقب مشهد جميل، فلا أحسه إلى من خلال تصويره. الكاميرا في نظري أداة تجمد لحظات معينة، تحافظ على شغفها وجماليتها لأطول وقت. بشكل صحفي، لا أشعر أنني مستعد للتصوير حتى الساعة، ممكن أن يكون المانع نفسياً.

هل كان هناك لحظة معينة جعلتك تكره التصوير؟
تكررت لحظات عدم الاكتراث خلال عملي، أي عندما يفقد التصوير قيمته في نفسي، وذلك بصراحة أسوأ من الكره. قد مررت بهكذا حالة، خاصة في الحملة الأخيرة على الغوطة الشرقية، وشعرت بعدم اكتراث، لم أكره التصوير ولكنني لم أكن مهتمًا بسبب كثرة الأحداث، فتوقفت عن العمل وصورنا فقط 5٪ مما حصل، سبب ذلك هو القرف واعتياد على الموت بشكل يومي. أما اللحظات التي جعلتني أغرم بالتصوير تجلّت في كونه طريقة للتنفيس، والاحتفال بتفاصيل الحياة ورؤية العالم عبر عدسة الكاميرا. كنت أشعر بالفرح عندما أنظر إلى الصورة، أكثر من رؤية موضوعها بالعين المجرّدة. حياتي عبارة عن تصوير، وبين التصوير والتصوير كان هناك تصوير. أنا اليوم أعيش أول "استراحة محارب" منذ 6 سنوات.

هل هناك مشهد جعلك تنظر إلى التصوير كأكثر من مهنة؟
نعم تصوير الهجوم الكيميائي على الغوطة هو ما جعلني أعتبر التصوير ليس فقط أداة للتنفيس أو مهنة، بل بات شيء احترافياً، وأداة تاريخية لرفع الوعي العالمي حول ما يحصل في سوريا؛ التصوير كوسيلة لحفظ التاريخ، واجبار العالم مستقبلاً على تصديق ما حصل. ولكي أكون دقيقاً أكثر، التصوير بالنسبة لي منذ البداية هو أكثر من مجرد مهنة، مضمون الصور والأشخاص هم الصور، وهم مستقبل الكون وهم أشخاص عشت معهم، بالتالي عندما أصور شخص مصاب أو متوفي، كنت أعتبر أنني أصور احتمالاتي المستقبلية لأن ذلك الشخص كان يمكن أن يكون أنا.

1552812185443-badra2
صبي يقفز فوق أنقاض المباني المدمرة التي تعرضت للقصف في مدينة دوما، 22 نوفمبر 2016. تصوير: محمد بدرة/ شترستوك

هل اضطررت يوماً للاختيار بين التقاط صورة وإنقاذ حياة شخص؟
هناك لحظات كثيرة اضطررت فيها للتخلي عن كاميرتي إن كان هناك مصاب أمامي تحديداً، وضعت شروط معنية لنفسي؛ وهي أن أضع نفسي مكان ذلك الشخص المصاب. طبعًا، إن كان يوجد شخص غيري يقدم المساعدة أتابع التصوير والتوثيق، ولكن إن لم يكن، أعمل على المساعدة بنفسي. وإن طلب مني شخص المساعدة بدل التصوير كنت سأختار المساعدة، وهذا ما حدث فعلاً عدة مرات.

تصوير الموت .. أخبرني عنه قليلاً.
ابتعدت دائماً عن تصوير الموت، إلا في حالات معدودة، محافظاً على خصوصية وقداسة الحالة. أعتقد أنني لو صورت ذلك الموت بشكل متكرر سأكون متعدياً على ذكريات الذين بقوا على قيد الحياة الخاصة، وأنا لا أريد امتهان الجسد. ولكن، في مكان ما، كانت الضرورة تحتم توثيق بعض الصور، وضمن مواقف معينة، كنت كمصور أحاول أن آخذ الإذن من العائلة والأقارب قبل أن أرفع الكاميرا، ولو لهدف توثيقي. وفشلنا من الحصول على الإذن في أحيان مرات متكررة، وفي أحيان ارتكبنا أخطاء. لكنني ضمنياً أعتقد أننا كمصوّرين، يمكننا إيصال تفاصيل معينة دون توثيق صور الموتى، ومن واجبي كمصور أن أجد الطريقة الأمثل لذلك. طبعاً أنا لا ألوم المصورين الذين صوّروا موتى، بالنهاية لكل منا طريقته، ولكنني حاولت الهروب من تصوير الموتى شخصياً، هناك رهبة ولم أرد أن أقتحم ذلك العالم بشكل مباشر.

1582010204861-1562160450266-1552812276666-badra1

ما هي الصور التي بقيت بذاكرتك؟
التصوير كان وسيلتي لتمضية 6 سنوات في الغوطة الشرقية ولكي أخرج بأقل كمية ممكنة من العقد النفسية وهناك صور لن أنساها لو مهما حاولت، مثل صورة صورتها داخل المشفى الميداني لمسعف يحمل سيروم للمصاب، وهي صورة تشبه تمثال الحرية، وهناك صورة لمتطوع في الدفاع المدني يساعد شخص للخروج من منزله عبر القول له "أن منزله يحترق" ولكن الشخص كان يتجاهله، هذه الصورة أثرت بي جداً. بالإضافة إلى صورة لمتطوعي الدفاع المدني خلال بحثهم بين الأنقاض عن ضحايا وأحياء، وهي الصورة التي استخدمتها مجلة "تايم" على غلافها. الصور المؤثرة لا تنتهي أبدا لذا التصوير أكثر من مجرد مهنة، هو حياة وذكريات وموت وخوف.

ما الذي كنت لتغيره في حياتك لو أُتيحت لك فرصة إعادة الزمن إلى الوراء؟
كما أخبرتك، عشت 6 سنوات من الحصار بدرجاته ومراحله المتفاوتة. ولعل أكثر ما أفكر به هو الصور التي صورتها، وخصوصيات معينة، وحالات الموت المتكررة التي أتمنى لو أنني لم أصورها. إضافة إلى ذلك، صورت صور لم تكن مناسبة برأيي، تعلمت من أخطائها حقيقة، لكنني لازلت أشعر بالعار عندما أفكر بها لأنني أعتبرها اختراقًا لخصوصية معينة. شيء آخر كنت لأتنبّه إليه هو العمل المتتالي دون استراحة، وعدم الاهتمام بصحتي الجسدية. أتمنى أيضاً لو أنني استطعت تجنب تلك العدمية التي شعرت بها لفترة، لكن من ناحية أخرى، يبدو لي ذلك التمني غير منطقي، لأنني أرى كل ما مرَّ جزء من تجربة خضتها بكل انفعالاتها الحسية.

في النهاية، إلى من تدين بكل ما وصلت إليه اليوم؟
ليس هناك جواب معلّب بصراحة، ولا إسم مصور كبير أو شيء من هذا القبيل، يأتيني الإلهام من أي شيء وكل شيء. أما الأشخاص الذين قدموا لي المساعدة فهم كثر، لدرجة أني أخشى ذكرهم واغفال أحد.