مصر

شترستوك

رأي

الأغيار الذين قتلتهم عجلات القطار

الموت صار عادياً لا قداسة له، لأن قيمة الروح لا تساوي شيئاً في هذا البلد
3.3.19

صباح عادي في عام 2006
استيقظتُ فيه من أجل الاستعداد للذهاب لجامعة القاهرة للانتهاء من بعض الأوراق، مستقلًا القطار الذي يتحرك من مدينة المنصورة بدلتا مصر(شمالًا)، مُتجهاً للقاهرة. الرحلة تستغرق حوالي ساعتين ونصف، دخلتْ أمي الغرفة وقالت لي: ماتروحش النهارده، خليك أي يوم تاني. ساعات قليلة مرت بعد أن استغرقتُ في النوم مرة ثانية..استيقظتُ على صوت نشرة أخبار الظهيرة يقول فيها المذيع إن قطارين اصطدما مما أسفر عن مقتل العشرات. أصابني الوجوم للحظات، ثم قلتُ لأمي: أنا كنت رايح أركب القطار ده.

إعلان

منذ 15 عاماً بدأت رحلتي في دنيا القطار، يوم دخلتُ الجامعة، يوم رأيتُ المصريين بكل أطيافهم يحومون داخل عربات القطار المتهالك، منهم من لا يـ/تستطيع دفع ثمن تذكرة القطار، ومنهم من يـ/تحمل كل هموم العالم على وجهه/ا، ومنهم من ينتظر الوصول لرصيف المحطة بفارغ الصبر للحاق بموظف كسول لا يعمل، داخل مجمع التحرير، كي يضع له ختم النسر على ورقة تبدو أهم قيمة من قيمته شخصياً. في القطار يمكنك أن تَشتَّمَ رائحة الموت والحياة في نفس اللحظة، لحظة مواجهة السلطة أو الهروب منها عندما يحاول كمسري القطار أن يلحق بك كي تدفع أموال الدولة، فيقوم بتسليمك للشرطة العسكرية إن لم تكن قادرًا على دفع تذكرة ثمنها جنيه مصري واحد. في القطار قد تجلس أو تقف عند باب العربة، وبدون مقدمات تُقذف حجرة (زلطة) في وجهك من بعض الصبية الذين يلعبون في الغيطان المتقاطعة مع قضبان القطار، فتنتهي حياتك في لحظات.

الفاجعة الأكبر أن الحادثة وقعت فقط لجرار القطار الذي دخل وحده للرصيف وكأنه يود تفجير نفسه انتقاماً من كونه موجودًا في مصر، مرحلة متقدمة من الخيال حول مرحلة نهاية العالم

في عالم القطارات تعلم جيدًا أن حادثة قطار وموت العشرات ليس كارثة أو معضلة كبرى بالنسبة لمن يركب القطار أو من يدير السكة الحديد، فالمصريون كثيرون، ولا مشكلة في أن يرحل بعضهم للعالم الآخر حتى يقل الضغط السكاني، إنها مُزحة شديدة الجدية تتردد على ألسنة بعض المصريين. في عالم القطارات، يعلم العاملون داخل السكك الحديدية أن وزير النقل "ديته قطار/آخرته قطار" إذا لم يكن على هوى العاملين، فالقطار سيودي به وبمنصبه في لحظة -وتظل منظومة القطارات كما هي. في عالم القطار، "المُضطر يركب الصعب،" مَثل شعبي دارج، نردده يومياً احتى ترتاح نفوسنا من الواقع اليومي البائس الذي نتنفسه في أرجاء مصر، ثم يتحول ذلك البؤس إلى كوميديا سوداء.. ملهاة فرعونية سوداء.

إن الموت في الحضارة المصرية القديمة له قدسية خاصة، لأنه يأخذ المصري لعالم الخلود والأبدية، لكنه إما خلود في النعيم أو أبدية في الجحيم. ففي كتاب الموتى الفرعوني، تكون لحظة الحساب في الحياة الأخرى بعد الموت مقرونة بالقلب والريشة، وزن قلبك يرتبط بوزن الريشة التي ترمز للعدالة والحق، إذا كان أخف من الريشة، فقد كانت ذنوبك أقل، فتدخل الجنة، وإذا كان قلبك أثقل من الريشة، فقد أثقلته الذنوب، فليتهم قلبك الإله (أمت) إلهة أكل الموتى. هذه الحالة من التجلي في الموت تظهر بشكل فلسفي شاعري من خلال بردية شهيرة تعتبر إحدى التحف الأدبية الفرعونية، وقد تُرجمت للغات عدة حول العالم وعنوانها حوار بين رجل وروحه، والتي يعود تاريخها للأسرة الثانية عشر في الدولة الفرعونية الوسطى، ويتحدث فيها الرجل إلى رُوحِه قائلًا:

إعلان

إن الموت في عيني اليوم مثل رجل مريض يتماثل للشفاء، مثل الخروج للعالم بعد الحِداد
إن الموت في عيني اليوم مثل رائحة شجر المُر، مثل الجلوس تحت شراع القارب في يوم عاصف
إن الموت في عيني اليوم مثل رائحة زهور اللوتس، مثل الجلوس على ضفاف النشوة
إن الموت في عيني اليوم مثل هدوء الفيضان، مثل عودة الرجل لمنزله بعد رحلة طويلة
إن الموت في عيني اليوم مثل السماء في صفائها، مثل الرجل الذي انغمس في عالم لا يعرفه
إن الموت في عيني اليوم مثل رجل يشتاق لرؤية وطنه/بيته بعد أن قضى سنين طويلة في الأسر.

إلا أن هذه الحالة الفريدة من تقديس الموت والتعامل معه بشاعرية تتلاشى تماماً في الواقع المصري المعاصر فتتحول لصورة مقيتة دموية، فالموت صار عادياً لا قداسة له، لأن قيمة الروح لا تساوي شيئاً في هذا البلد. في دراسة نُشرت عام 2015 ذُكر أن سكك حديد مصر تخدم أكثر من مليون مواطن يوميـًا، من خلال حركة قطارات تصل لـ 1,300 في أنحاء البلاد، مما يجعل هامش فقد الأرواح مرتفعـًا في ظل انخفاض مستويات السلامة والأمان في ثاني أقدم السكك الحديدية حول العالم. وقد أشار الباحثون إلى إن عدد ضحايا حوادث القطارات في الفترة من عام 1992 وحتى عام 2013 وصل لـ 1076 قتيلاً و 806 جريحاً.

صباح آخر عادي في فبراير 2019
أصحو على خبر حادث في محطة رمسيس يوم الأربعاء 27 فبراير، الخبر لم ينتشر بسرعة، أتوجه لمقر عملي الذي يقترب بشدة من محطة سكك حديد مصر. السماء مكسوة بسواد كاسح قادم من داخل المحطة. سواد طغت رائحته على بعض النسمات الباردة في الجو كلما زاد عدد القتلى والجرحى أو انتشرت صور وفيديوهات الضحايا على منصات التواصل الاجتماعي. في هذا اليوم من فبراير الأسود، على رصيف نمرة 6، الذي انفجر فيه جرار القطار وأودى بحياة أكثر من 20 شخصاً وإصابة أكثر من 40، رأيتُ نفسي بين هؤلاء الضحايا فوق ذلك الرصيف الذي استقل قطاري من عليه دوماً. لقد رأيتُ تفاصيل محطة مصر التي تبدو من ساحتها الخارجية، قاعة فرعونية بهية، حتى تطأ قدميك أرصفة القطارات فتشاهد البشاعة في أقسى صورها.

أربع سنوات فقط تفصلنا عن هذا العالم اليوتوبي الذي لا أجد فيه أي اختلاف عن الواقع الحالي سوى أن الأغنياء لا يقتلون الفقراء بدافع التسلية، بل يقتلهم النظام الحاكم والفقر والفساد والاستبداد وعجلات القطار

لقد كان يوماً كئيباً، شعور اجتاحني بالارتباط مع كل شخص اقترب من هذا القطار، وكأنه أحد أقاربي، أحد أصدقائي، كأنه أنا. لقد ظننتُ للحظة أن الحادث وقع لقطار كامل بعرباته وركابه، كما اعتدنا لعقود، لكن الفاجعة الأكبر أن الحادثة وقعت فقط لجرار القطار الذي دخل وحده للرصيف وكأنه يود تفجير نفسه انتقاماً من كونه موجودًا في مصر، مرحلة متقدمة من الخيال حول مرحلة نهاية العالم. اتصلتْ بي أمي في نهاية اليوم، كان صوتها يحمل في موجاته الخوف ألا أرد على الهاتف، فتبدو كل الاحتمالات الأخرى قائمة. هدأ صوتها مع نهاية المكالمة لكنه كان مكتوماً، ربما من رائحة الموت التي عبأت السماوات.

في الوقت الذي يحاول أهالي الضحايا البحث والتعرف على أجساد ذويهم المتفحمة، يخرج المتحدث باسم البرلمان المصري قائلًا: يكفي المصريين أن رئيس الدولة المصرية، الرئيس عبد الفتاح السيسي، يتابع هذا الحادث بنفسه على مدار الساعة. وفي الوقت الذي يموت عشرات المصريين الذين لا قيمة لهم، ويُصرف لأهالي الموتى 30 ألف جنيه مصري (أقل من 2،000 دولار أمريكي)، يتم إنشاء قطار العاصمة الإدارية الجديدة في مصر بتكلفة يصل قدرها مليار و200 مليون دولار أمريكي.

إعلان

في رواية "يوتوبيا" للراحل أحمد خالد توفيق التي تقع أحداثها في عام 2023 يعيش الأغنياء حالة من الملل الشديد بعد أن ذاقوا كل المتع في الحياة. الشيء الوحيد الذي لا يعرفونه هو متعة الخطر والموت. كانوا يتسللون ليلًا خارج أسوار يوتوبيا الحصينة من أجل أن يقوموا باصطياد الأغيار الفقراء المقرفين، ثم يقومون بمطاردتهم بالسيارات داخل ساحات يوتوبيا الواسعة بقصورها الفارهة وشوارعها الواسعة ثم ينتهي الأمر بدهس هذا الشخص المنتمي للأغيار.

سوف نرى خلال شهور قليلة قادمة المسؤولين في الدولة يرحلون للعاصمة الإدارية الجديدة، بعيدًا عن القاهرة وصخبها، تاركين وراءهم ميدان التحرير وميدان رمسيس وميدان الجيزة بمشاكلهم، ليجلسوا في عاصمتهم الحصينة

أربع سنوات فقط تفصلنا عن هذا العالم اليوتوبي الذي لا أجد فيه أي اختلاف عن الواقع الحالي سوى أن الأغنياء لا يقتلون الفقراء بدافع التسلية، بل يقتلهم النظام الحاكم والفقر والفساد والاستبداد وعجلات القطار كبديل حتى تأتي اللحظة التي يُقتل فيها الفقراء كما يَقتل جنود الجيش العقارب والثعابين في الصحراء بسبب الملل الشديد.

سوف نرى خلال شهور قليلة قادمة المسؤولين في الدولة يرحلون للعاصمة الإدارية الجديدة، بعيدًا عن القاهرة وصخبها، بعيدًا عن العوام الذين يزعجون أصحاب النفوذ والسلطة، تاركين وراءهم ميدان التحرير وميدان رمسيس وميدان الجيزة بمشاكلهم، ليجلسوا في عاصمتهم الحصينة التي استشرفها توفيق في روايته قائلًا "… المستعمرة المنعزلة التي كونها الأثرياء على الساحل الشمالي ليحموا أنفسهم من بحر الفقر الغاضب بالخارج، والتي صارت تحوي كل شيء يريدونه.. يمكنك أن ترى معي معالمها.. البوابات العملاقة.. السلك المكهرب.. دوريات الحراسة التي تقوم بها شركة (سيفكو) التي يتكون أكثر العاملين فيها من (مارينز) متقاعدين.. أحياناً يحاول أحد الفقراء التسلل للداخل من دون تصريح، فتلاحقه طائرة الهليكوبتر وتقتله."

العاصمة/ المستعمرة قد تحميهم من أي غضب شعبي محتمل في يوم ما في تحدٍ يفرض السؤال: مَنْ سيموت أكثر مِن الفريقين يوم تقع هذه المواجهة؟ الأغيار الذين دهستهم عجلات القطار أم قاطني المستعمرة الإدارية والعوالم التي لا نرى منها سوى الأسوار الشاهقة التي تحتاج للمنجنيق لهدمها؟