selfcare
لايف ستايل

الحقائق المظلمة والخطيرة وراء هوسنا بالرعاية الذاتية

هذا الاتجاه المتزايد يكشف عن أوجه الخلل في نظام رعاية الصحة النفسية
29.10.19

كانت "سارة بابا" تستقل الحافلة المحلية عندما أصابتها نوبة من الهلع، حيث تسارعت أنفاسها وشعرت بالدوار، واحتاجت إلى النزول من الحافلة على الفور، خرجت إلى شارع مزدحم في بريكستون، في جنوب لندن، ومشيت في حالة ذهول والدموع تنهمر على وجهها. تم تشخيص سارة بأنها مصابة بالاكتئاب قبل 10 سنوات، عندما كانت في منتصف العشرينات من عمرها، فقد كانت تعاني من اضطرابات النوم، الرغبة في تجنب أشخاص آخرين، والانفجار في البكاء دون أي سبب. لقد جلب الاكتئاب لها أيضاً القلق والخوف من نوبات الهلع الشديدة.

إعلان

تم وضع سارة على قائمة انتظار للعلاج المتخصص والمكثف من هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة NHS، وذلك لأن عملها لا يشتمل على تغطية علاج أمراض الصحة النفسية، وبينما هي تنتظر، قررت سارة إلى الإطلاع على سبل الرعاية الصحية الذاتية. قرأت كتبًا عن الاكتئاب والقلق، وحاولت اتباع النصائح التي يتحدث عنها الجميع. قيل لها أن الرياضة علاج للقلق، وبدأت تذهب للنادي الرياضي بشكل أسبوعي، كما نصحتها أختها بالتأمل الذهني؛ لذا قامت بتنزيل تطبيق إلكتروني، حاولت تسجيل يومياتها من أجل تفريغ الأفكار المرهقة من رأسها. ولكن في كثير من الأحيان، لم تكن لديها الطاقة في كثير من الأحيان لالتقاط قلم للكتابة، ناهيك عن وصف مشاعرها. المشكلة الأكبر التي كانت تواجهها كما وصفتها لي هي الشعور بـ"كراهية الذات، وبالذنب، والضغط، وعدم الثقة بالنفس" وهي مشاعر ظلت كما هي.

لا يمكنك في الواقع علاج اضطراب القلق بحمام مليء بالفقاعات أو تطبيق إلكتروني خاص بالتأمل، والافتراض القائل بـ "أنك تستطيع" هو شيء خطير

توضّح قصة سارة اتجاهين متقاربين؛ أولهما عدم قدرة الرعاية الصحية المؤسسية على معالجة أزمة الصحة النفسية بين الشباب اليوم، وصعود صناعة تعمل على بيع وعود الصحة النفسية. تشير التقديرات إلى أن 275 مليون شخص في العالم تعرضوا في عام 2016 لاضطراب القلق وحوالي 268 مليون شخص يعانون من الاكتئاب. وفي السنة نفسها، أفاد المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة أن 16.2 مليون من البالغين الأمريكيين - غالبيتهم، من سن 18 إلى 25 سنة - قد تعرضوا لحادثة اكتئاب رئيسية واحدة على الأقل.

من خلال هذه الأعباء الصحة النفسية المتزايدة ظهر الحل العصري، حل "انستجرامي" وهو الرعاية الذاتية، واضطررنا نحن الشباب إلى تحمل مسؤولية العناية بأنفسنا. الرعاية الذاتية هي اسم غامض لمجموعة من السلوكيات التي يجب أن يكون لها تعريف بسيط: "الاعتناء بنفسك." لكن هذا التعريف لم يعد يعني مجرد التأمل وكتابة ما تشعر به؛ كل شيء يمكن أن يكون الآن #selfcare، فمثلا: تناول الطعام بشكل صحي أو قضاء الوقت بمفردك أو رؤية أصدقاء العمل أو الحصول على يوم راحة، وضع المكياج أو عدم وضعه. كلها تأتي ضمن عالم "الاعتناء بنفسك."

إعلان

في الوقت الذي تم فيه كتابة هذا المقال، كان هناك 9.5 مليون مشاركة على انستغرام حول الرعاية الذاتية #selfcare، هناك سوق كامل لعناصر الرعاية الذاتية التي تستفيد من ضغوطنا، منها: مكياج العناية الذاتية، أظافر العناية الذاتية، أقنعة الوجه للعناية الذاتية، تدليك الرعاية الذاتية، شاي التخلص من السموم للرعاية الذاتية. وذكر مقال عن الرعاية الذاتية في مجلة نيويوركر أنه يمكنك الآن شراء مخططيين للرعاية الذاتية و"الوشم المؤقت للرعاية الذاتية" والذي يحمل عبارات مثل "هذا الأمر سيمر" وغيرها.

هذه الأنشطة والمنتجات ليست سيئة في حد ذاتها، فالحياة يجب أن تتضمن بعض الترفيه والتسلية، وقضاء الوقت المناسب مع الأحباب وممارسة الرياضة. لكن الرعاية الذاتية قد استولت عليها الشركات وتحول هاشتاج #selfcare كبديل للرعاية الصحية التي نفتقدها ونحن في أمس الحاجة إليها. تقول سارة أنه لا يمكنك في الواقع علاج اضطراب القلق مع حمام مليء بالفقاعات أو تطبيق إلكتروني خاص بالتأمل، والافتراض القائل بـ "أنك تستطيع" هو شيء خطير. إذا كنا نعيش في عالم يعتني بقضايا الصحة النفسية بشكل مناسب، فهل سيكون للرعاية الذاتية نفس الأهمية؟ هل الرعاية الذاتية هي رمز لجيل يريد أن يعتني بنفسه، أم أنه يكشف كيف فشل مجتمعنا في الاعتناء بشبابنا؟

1572341149902-greenjuice

قبل ثلاثة عشر عامًا في مدينة نيويورك، أخذت "ناتاليا بيترزيلا" جلسة تدريب في اللياقة الجسدية النفسية في صالة الألعاب الرياضية، كان هذا قبل أن تصبح هذه الجلسات موضة. وأخبرتني نتاليا في ذلك الوقت، أن الأمر بالنسبة لها كان مثيراً للغاية. "كنا نهتف خلال الجلسة تدريبية بعدد من التأكيدات الإيجابية وكان هناك تركيز على الرعاية الذاتية والتفكير الإيجابي،"تقول بيترزيلا.

بيترزيلا، هي مؤرخة لتاريخ الولايات المتحدة المعاصر، كانت تدرس السياسة الأمريكية والمجتمع والثقافة، وكانت تعاني من اضطرابات بسبب هذا المجال. "كان هناك اعتقاد بأن كل ما احتاجه هو التفكير في الأمور السعيدة وأن أكون إيجابية، وأنه اذا قمت بعشر تمارين إضافية، يمكن أن تختفي مشاكلي، هذه إيديولوجية خطيرة وخاصة إذا اقتنع الشخص أنه يمكنه حل مشاكله بنفسه."

هناك إصرار على أننا يمكن أن نعيش بشكل أفضل إذا حافظنا على النظرة الإيجابية، السعي وراء السعادة، والقيام ببعض التمارين في الوقت الذي يحترق فيه الكوكب

هذا التفكير "الايجابي" ألقى بظله على صحتنا الحالية التي تركز على الفرد، حيث هناك الكثير من الأشياء التي يتم تصنيفها تحت الرعاية الذاتية وتشمل: الأكل النظيف، والحياة الصحية، وحب الذات، وجلسات اللياقة البدنية. وكتبت لوري بيني في مقال حول الرعاية الذاتية في مجلة Baffler في عام 2016: "هناك إصرار على أننا يمكن أن نعيش بشكل أفضل إذا حافظنا على النظرة الإيجابية، السعي وراء السعادة، والقيام ببعض التمارين في الوقت الذي يحترق فيه الكوكب."

لدينا جميعاً رغبة إنسانية أساسية مُلحة لتطوير أنفسنا، لكن حركة الرعاية الذاتية المتضخمة لا تهتم بذلك فقط، كما يوضح كارل سيدرستروم، الأستاذ المشارك في دراسات المنظمات في جامعة ستوكهولم؛ والذي يقول: "هناك أسباب للتأمل في سبب شيوع مثل هذه الأمور اليوم، إنه جزئياً انعكاس للمجتمع الذي نعيش فيه، والذي هو مجتمع مجزأ، حيث تكون عناصر التضافر والتضامن مهددة إلى حد كبير، هناك خطاب فردي قوي للغاية وراء الرعاية الذاتية، والذي أعتقد أنه يحظى بشعبية لدى الكثير من الناس اليوم، خاصة بالنسبة للحكومات والدول الذين يجدونها أنها طريقة لرمي مسؤوليتهم بالعناية بمواطنيهم."

إعلان

في الولايات المتحدة، ذكرت دراسة نُشرت في عام 2015 في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA) أن أكثر من نصف المصابين بمرض نفسي لا يتلقون أي خدمات للصحة النفسية، وأن الموارد المالية هي واحدة من أبرز الأسباب. كما يقول سيديرستروم: "نحن حقًا نريد أن نؤمن بالحلم الأمريكي أو بأن كل شيء يمكن أن يُحل من خلال التدابير الفردية، من خلال الرعاية الذاتية، من خلال قوة التفكير الإيجابي…"

العمل على تحسين الذات أمر جيد ولكن عندما يتم تسليع هذه الممارسات وتسويقها، وتصبح فجأة باهظة الثمن ومُكلفة، هل تكون حينها ما زالت "رعاية ذاتية" أم أنها تتحول إلى شيء آخر؟

يشبه هذا الأمر عندما اقترح بول ريان "أن يرى الفقراء مدربًا نفسياً" كمتطلب للحصول على مساعدات حكومية، وذلك من أجل "تصميم خطة حياة مُخصصة لتوفير خارطة طريق مُنظمة للخروج من الفقر." المفارقة المحزنة هي أن الكثير من تاريخ الرعاية الذاتية يأتي من النشطاء كرد فعل على أوجه القصور المؤسسية نحو النساء، والأشخاص الملونين، والمجتمعات المثلية. فقد كانت الرعاية الذاتية نوعًا من الاحتجاج، وكانت طريقة لرعاية الأجساد والعقول عندما لا يكترث بهم أحد. توجد مقولة شهيرة للكاتبة أودري لورد: "إن العناية بنفسي ليست من منطلق التسامح مع ذاتي، بل هي للحفاظ على الذات، وهذا عمل سياسي."

يقول سيديرستروم، أن العمل على تحسين الذات أمر جيد ولكن عندما يتم تسليع هذه الممارسات وتسويقها، وتصبح فجأة باهظة الثمن ومُكلفة، هل تكون حينها ما زالت "رعاية ذاتية" أم أنها تتحول إلى شيء آخر؟

1572341177683-guidedmeditation

دعونا نتحدث عن السياسة العامة، في نهاية المطاف، ظاهرة الرعاية الذاتية هي تحذير لمخاطر أكبر خاصة بتغطية الرعاية الصحية النفسية، فلماذا لا نستطيع أن نحصل على الرعاية التي نحتاجها، وبدلاً من ذلك علينا أن نقوم بتمارين التأمل، ونأمل في أن تؤثر على صحتنا النفسية؟

يقول بول جيونفريدو، الرئيس التنفيذي لمنظمة الصحة النفسية الأمريكية، وهي منظمة غير ربحية تنادي باحتياجات وصحة الأشخاص المصابين بمرض نفسي، انه لم يتم دعم الأشخاص الذين يعانون من مشكلات تتعلق بالصحة السلوكية بشكل كاف منذ عقود. تقدم منظمة الصحة النفسية الأمريكية برنامج فحص لمجهولي الهوية عبر الإنترنت لمجموعة من الحالات الشائعة، مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة والفصام والذهان واضطرابات الأكل، والمزيد من الحالات الأخرى.

نحن نعرف أن هناك أمور يمكننا القيام بها للحفاظ على صحتنا.. بغض النظر عن حالتنا.. لكن لا يمكننا مطالبة الناس بتشخيص ومعالجة أنفسهم

بول يفعل هذا منذ حوالي أربع سنوات، ويقول أن حوالي 3،000 شخص في اليوم يقومون بهذا الاختبار، ويضيف: الغالبية العظمى من الأشخاص الذين يملؤون هذه الاستبيانات لديهم نتائج إيجابية لتشخيص معتدل إلى شديد وفقاً للحالة التي اختاروا اختبارها ذاتيًا (حوالي ثلاثة أرباع)، ويشير إلى أن ثلثا هؤلاء الأشخاص قالوا إنه لم يتم تشخيصهم من قبل. "لدينا عدد كبير من الناس الذين يبحثون عن المساعدة وغير مشخصين.. ثلث هؤلاء المرضى تتراوح أعمارهم بين 11 و 17 سنة. إذن، هناك مجموعة كبيرةمن الشباب الباحثين عن المساعدة، والذين لم يتم تشخيصهم."

وعندما سُئل عن الخدمات التي يريدها هؤلاء، قال بول أن الناس يبحثون عمومًا عن أربعة أشياء: الإحالات إلى الرعاية والعلاج، ومعلومات عن حالتهم، وكيفية تعامل الآخرين مع حالتهم، وأدوات الرعاية الذاتية. ويضيف: "تواجد الاهتمام بالرعاية الذاتية كمطلب رابع هو أمر منطقي، خاصةً عندما لا يمكنك العثور على المطالب الثلاثة الأخرى بسهولة. نحن نعرف أن هناك أمور يمكننا القيام بها للحفاظ على صحتنا.. بغض النظر عن حالتنا.. لكن لا يمكننا مطالبة الناس بتشخيص ومعالجة أنفسهم."

إعلان

يعاني تيم، ابن جيونفريدو، من انفصام في الشخصية وظل بلا مأوى طوال حياته، ويعيش في شوارع سان فرانسيسكو، حاول بول وزوجته مراراً وتكراراً أن يحصلوا على العلاج المناسب لابنهم، والسكن، والدعم، لكن دون جدوى. كان هناك العديد من الإخفاقات المؤسسية على طول الطريق، مع التأمين، والتعليم، وتطبيق القانون، والرعاية الطبية. وكتب بول في مقال يشتكي من ذلك: "هذا هو نظام الصحة النفسية الذي ساعدت في بنائه. تبدأ المشكلة عندما نتجنب احتياجات أطفالنا وننتهي عندما نعزلهم بعد أن يصبحوا بالغين."

مشاكلنا متجذرة في نظام طبي يعالج الصحة النفسية والجسدية بشكل مختلف لفترة طويلة، فعندما تم تأسيس ميديكيد، في الستينيات، شرح لي بول، أنه تم استثناء خزمات الرعاية النفسية. وكتب ريتشارد فرانك، أستاذ اقتصاديات الصحة في جامعة هارفارد، في مراجعة عام 2000 عن برنامجي Medicaid و Medicare في الولايات المتحدة انه تم الاستشهاد بحجج ضد تمويل الرعاية الصحية النفسية ومنها: "صعوبة تحديد المرض النفسي، وعدم وجود أدلة على العلاجات الفعالة، وارتفاع تكلفة تغطية الرعاية الصحية النفسية، وعدم القدرة على وضع تقديرات حسابية محددة للتكاليف."

وأضاف فرانك: "تم الاستشهاد بكل هذه النقاط كأسباب للحد من تغطية الإنفاق الخارجي على الصحة النفسية. وحتى اليوم، كثيراً ما يُسمع أصداء هذه الحجج أمام الكونغرس والمجالس التشريعية، حيث إن فكرة "الشفاء" من مشكلة صحية نفسية أمر يصعب فهمه؛ بسبب أوضاع المصابين بأمراض نفسية، فلا يوجد هناك عظم مكسور لإصلاحه، أو خلية سرطانية لاستهدافها."

كيف يمكن لشخص يعاني من اضطراب خطير في الأكل أن يتحسن فقط عن طريق ارتداء عمامة بيضاء وترديد ترانيم اليوجا

ومع ذلك، في عام 1996، أقر الكونجرس قانون التكافؤ في الصحة النفسية، والذي كان من المفترض أن يضمن التعامل مع التغطية الخاصة بنفقات أمراض الصحة النفسية مثلها مثل الأمراض الجسدية، وذلك وفقا لبول أبلباوم، أستاذ الطب النفسي بجامعة كولومبيا، والرئيس السابق لجمعية الطب النفسي الأمريكي. ولكن وجدت الاستطلاعات الوطنية حول الأمراض النفسية التي تم نشرها في عام 2015 أن احتمال حرمان شركات التأمين الخاصة من التأمين الخاص بالرعاية الصحية النفسية ضعف احتمال تعرضها له في مجال الرعاية الطبية العامة.

ما يفضي إليه كل هذا الفشل في السياسة والفوارق المالية هو قضية أكبر بكثير، حيث يمكن القول إننا نواجه الآن نقصًا في الأطباء النفسيين وعلماء النفس، حيث تعاني ثلاثة أرباع المقاطعات في الولايات المتحدة من نقص في الأطباء النفسيين، ويرجع ذلك إلى حد كبير لمشكلات التأمين؛ نظرًا لأن عددًا أقل من الأشخاص يختارون أن يكونوا أطباء نفسيين وعلماء نفس. تبدو هذه المشاكل وكأنها تزداد سوءًا، فقرابة نصف القوى العاملة في مجال الطب النفسي تبلغ 65 عامًا فأكثر، ويتناقص عدد الأشخاص الذين يتخرجون من برامج الإقامة للطب النفسي، حيث أن متوسط الأجر للأطباء النفسيين هو الثالث من بين 30 تخصص طبي؛ فيتخرج الطلاب بكثير من الديون ولا يختارون مجالا طبيًا يدفع لهم أقل من المجالات الطبية الأخرى.

إعلان

هذا الوضع يترك المرضى والمعالجين مع أكوام من المعاملات الورقية والفواتير الكبيرة، بحثًا عن حلول أخرى أقل بيروقراطية، مثل الرعاية الذاتية. وتقول أبلباوم: "الرعاية الذاتية جيدة للأشخاص الذين يعانون من درجة ما من الإجهاد الخفيف، أو من ينظرون إليها كطريقة لتحسين رضائهم عن الحياة. ولكن بالنسبة للأشخاص الذين يعانون بالفعل من أعراض اضطراب نفسي يجب أن تتوفر لهم علاجات فعالة، لذلك فإن طلب أو توقع أو تشجيعهم على الاعتناء بأنفسهم في هذه الظروف هو يعني تحويل عبء هذه الظروف من النظام، الذي ينبغي أن يتعامل معها إلى قضية فردية. وصراحة، الحصول على المساعدة من شخص آخر أمر ضروري للتعافي."

1572341214804-moreselflove

على الرغم من كل ما فعلته من محاولات للرعاية الذاتية بنفسي من مرض الوسواس القهري، إلا أنه استنزف الكثير من حياتي حتى حصلت على مساعدة خارجية. لفترة طويلة، ظننت أنني لن أتمكن من الحصول على وظيفة مكتبية لأن ضغوطها كانت أكثر من اللازم بالنسبة لي، فلدي هواجس وطقوس حول النظافة، والأكل، والصحة، وأخيرًا، تلك المخاوف من أن الآخرين يشاهدونني ويحاكمونني على القيام بهذه السلوكيات.

وجدت نفسي ذات مرة في جلسة "يوجا كونداليني" محاطة بالنساء اللواتي يرتدين عمائم بيضاء، حيث أنني كنت أبحث عن نوع من الممارسة التأملية لتهدئة أفكاري. بعد 45 دقيقة من الترانيم والتنفس شهيقًا وزفيراً، غادرت الجلسة في حالة من الغضب العارم عندما قال المعلم إن التنفس الذي قمنا به للتو يمكنه أن يعالج اضطرابات الأكل. كيف يمكن لشخص يعاني من اضطراب خطير في الأكل - والذي يعتبر من أعلى معدلات الوفيات أكثر من أي اضطراب نفسي - أن يتحسن فقط عن طريق ارتداء عمامة بيضاء وترديد ترانيم اليوجا.

إعلان

كنت بحاجة إلى سنوات من العلاج لإحداث أي مؤشرات ذات مغزى لمتاعبي الصحية النفسية، وللقيام بذلك، واجهت نفس الحواجز التي واجهها العديد من الشباب في محاولة العثور على معالج نفسي. لم أبدأ بجدية في البحث عن معالج نفسي حتى أصبح لم يبق لدي سوى بضع سنوات على خطة التأمين الخاصة بوالدي. بعد ذلك، لم يكن هناك أي شخص كنت أرغب في رؤيته داخل شبكة التأمين، حيث أقوم بإجراء الاتصال بالمعالجين بتكلفة تتراوح بين 200 و 400 دولار لكل جلسة، عندما أردت رؤية شخص متخصص في اضطراب الوسواس القهري، تضاءلت قائمة الممارسين المتاحين بشكل أكبر، وأخبرني أحد المعالجين، الذي كان خبيراً في علاج الهوس، أن العلاج سيتكلف 2،500 دولار.

كيف يمكنك ممارسة الرعاية الذاتية إذا كنت من الأساس لا تعتقد أنك تستحق الاهتمام؟

إن الاعتناء بنفسك بشكل أفضل، مثل: النوم أكثر، تناول المزيد من الطعام، تناول الطعام بشكل أفضل، كل ذلك - هو جزء مهم من لغز الصحة النفسية. لكن الأمر المثير للسخرية، لقد اضطررت في كثير من الأحيان لتقديم التضحيات في الرعاية الذاتية من أجل توفير الرعاية الصحية النفسية. مثلاً يجب أن أختار العلاج النفسي بدلاً من تناول الطعام خارج المنزل أو أخذ دروس اللياقة البدنية أو شراء المنتجات العضوية.

من السهل انتقاد اتجاهات الرعاية الذاتية، والتي أراها كطريقة لتقليل الإحباط في نظام لا يعمل، لكن الحقيقة هي أنني أقوم أيضًا بمجموعة من الأمور للحفاظ على نفسي، وهذا مفيد، أعمل من المنزل عند الحاجة، أذهب إلى دروس اليوجا، وأتبع حمية نباتية، وأشاهد التلفاز، ولقد قمت بشراء حصتي من المجلات الترفيهية. هذه هي الأنشطة التي تجعلني أقل ذعرًا، وهي حالة عند بعض الناس الذين يعانون من اضطرابات القلق والتي تلازمهم طوال الوقت.

إعلان

كما أجد أنه من المثير للإزعاج أيضاً أننا بحاجة إلى استخدام مصطلح الرعاية الذاتية لتبرير السلوكيات العادية، فأنا أرى أن إجراء مكالمة أثناء التنزه في الخارج أو أثناء استراحة الغداء، أو شرب قهوتك الصباحية دون التحقق من بريدك الإلكتروني، أو الاتصال بصديق لم تتحدث إليه منذ فترة: كل ذلك هو أيضاً من ضمن نطاق الرعاية الذاتية، ولكن بدون دفع أي مال لجهة ما.

عندما سألت سيدرستروم إذا كان يمارس أي رعاية ذاتية، أجاب: "لدي طفل عمره عام واحد، وغيرت حفاضاته اليوم. هل يمكن أن يكون ذلك رعاية ذاتية؟ّ في بعض الأحيان، أقضي وقتًا إضافيًا في طهي وجبة، والتنظيف، والذهاب إلى دروس اليوجا، أو الراحة لأنني أشعر بالقلق والإجهاد، أو لأن أعراض الوسواس القهري تكون سيئة بشكل خاص."

1572341249612-trophie

في شهر ديسمبر الماضي، عندما كانت الأفكار الانتحارية لـ سارة قوية، بدأت تشعر بالخوف الشديد على سلامتها، وقالت إنها بحثت على غوغل عن "أماكن آمنة للذهاب إليها عندما تتفاقم الميول نحو الانتحار" ووجدت مكانًا يسمى مركز مايتري لمعالجة الافكار الانتحارية في لندن، كان مكانًا مجانيًا، مع دعم وإشراف على مدار الساعة. وقالت: "لقد ساعدني لطف وتعاطف الذين في المركز على فهم ما هي الرعاية الذاتية حقا.ً عندما تعاني من مرض نفسي، غالباً ما تكون لديك حالة من انخفاض قيمة الذات، تعيش في دوامة من الإحساس بالذنب حول كيفية تأثير مرضك على الآخرين، وفي النهاية تخسر ثقتك بنفسك وذاتك."

عندما تشعر بهذه الأمر، من المستحيل عمليًا أن تكون رحيماً ولطيفاً مع نفسك، وهو في الواقع ما تكون عليه الرعاية الذاتية، كيف يمكنك ممارسة الرعاية الذاتية إذا كنت من الأساس لا تعتقد أنك تستحق الاهتمام؟

تعتقد سارة أنه قبل إقامتها في مركز مايتري، كانت تخوض وتمر عبر مراحل الرعاية الذاتية كما لو كانت بنودًا يجب وضعها في قائمة المهام، وقالت: "كانت البنود آلية، ولم تكن هناك أي رعاية حقيقية، فإذا كنت ضائعا تمامًا، وتقوم بالسباحة في مياه الاكتئاب، فإن الرعاية الذاتية في هذه الحالة يمكن أن تكون نشاطًا عديم الجدوى."

شارة تشعر أن مركز مايتري كان نقطة التحول بالنسبة لها؛ لأنها حصلت في النهاية على الرعاية من الآخرين وهو ما كانت في حاجة إليه. ظلت سارة في المركز لمدة خمسة أيام فقط ، لكنه ساعد في إخراجها من الحالة الخطيرة التي كانت فيها، والآن تغيرت علاقتها مع الرعاية الذاتية لأنها تمكنت من الوصول إلى ذلك اللطف والتعاطف مع نفسها، من خلال رعاية الآخرين.

وتقول: "الآن عندما أذهب للجري، أنظر إلى الأمر وكأنني أفعله من أجل الاعتناء بجسدي، استمتع بأشعة الشمس، أنظر حولي وأستمتع بالقدرة على التحرك، وعندما أكتب، أرى أنني أعزز الجزء الإبداعي في ذهني، وليس مجرد إلقاء ما في ذهني من كلمات."

لكن هذه ليست نهاية سعيدة تمامًا، تقول سارة إنها لا تزال في قائمة انتظار الرعاية الصحية النفسية، في نفس الوقت كانت تدفع من جيبها الشخصي من أجل مساعد نفسي، وهو الشيء الذي لا يمكن أن تستمر في فعله للأبد. وقالت: "مازلت انتظر تلقي إخطارًا بموعد التقييم، فما بالك بموعد بدء العلاج" وأضافت: "يكلفني ذلك 140 جنيهًا استرلينيًا ما يعادل [181 دولارًا أمريكيًا] للجلسة الواحدة، ومن الواضح أنني لا أستطيع الإبقاء على هذا العلاج طوال المدة التي سأحتاج إليها."

1572341271304-garbagemask-copy

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE UK