مجتمع

في العراق... كتاباتك على فيسبوك قد تتسبب في إحالتك للتحقيق

مثل هكذا دعاوى تفتح الأبواب لتحجيم حُرية الرأي والتعبير
2017 ديسمبر 17, 1:33pm
26405895567_48c8abb8ba_k

لم يتوقع أحمد الحُسيني (37 عاماً) مُدرس في تربية محافظة كربلاء، جنوب العراق أن يتسبب انتقاده لمديرية التربية على فيسبوك في إحالته للتحقيق، ولكن هذا ما حصل. بعد أيام من كتابة تعليق عن وجود عمليات نقل غير قانونية للمعلمين في مديرية تربية محافظة كربلاء (شملت معلماً متوفياً)، تم ابلاغ الحُسيني بإحالته إلى لجنة تحقيقية بسبب ما كتبه. "لستُ متهجماً أو مُتهماً في تعليقي، بل انتقدت نقداً بناءً من أجل تصحيح مسار التعليم في المحافظة،" يقول أحمد مضيفاً وتظهر في نبرة صوته وملامح وجهه إيماءات الاستغراب بأن "اللجنة التحقيقية باطلة قانوناً ولا يوجد في قانون انضباط موظفي الدولة أي بند يُقيد حُرية التعبير أو يمنع الإنتقاد."

في السابق، كانت الدعاوى القضائية التي تُرفع تُركز على المدونين والناشطين أو حتى الصحافيين الذين يمتلكون مُتابعين بأعداد كبيرة، أو يُمكنهم التأثير على الرأي العام، مثل ما حدث في بداية العام الحالي مع مجموعة ناشطين في محافظة ذي قار عندما إنتقدوا عضو الحكومة المحلية علي الغالبي على فيسبوك، مما دفعه لإقامة دعاوى قضائية عليهم ومطالبتهم بتعويض يصل إلى 800 ألف دولار. لكن هذه المرة الأولى التي يشمل فيها الأمر أشخاص عاديين ليس لديهم أعداد كبيرة من المُتابعين في مواقع التواصل الإجتماعي.

ما حصل مع أحمد ليس حالة وحيدة، محمد عصمت (19 عاماً) وهو طالب في كلية الطب بجامعة كركوك تم فصله من الجامعة في تموز 2017 بسبب منشور له على فيسبوك انتقد فيه "الجروبات الطبية" على فيسبوك والتي تضم أطباء من جميع محافظات العراق، ووصفها بأنها في قمة الضحالة العلمية والأخلاقية. وينص كتاب الفصل الصادر من جامعة كركوك والتي اطلعت عليه VICE عربية على فصل محمد لمدة سنة واحدة، وهذا يعني أنه سيبقى في المرحلة الثانية، كما نص على إحالته للجنة طبية نفسية لبيان مدى أهليته كطبيب مستقبلاً كونه ذو شخصية عدوانية، بحسب الكتاب الصادر من الجامعة في 10 يوليو 2017.

حاول محمد اتباع الآليات الإدارية وتقدم بطلب تظلم عن ما تعرض له، لكنه لم ينجح في ذلك، مما اضطره للإعلان عن قضيته في وسائل الإعلام بُغية الضغط على الجامعة والتراجع عن قرار فصله. وبعد انتشار خبر الفصل في وسائل الإعلام، ردّت جامعة كركوك في بيان صحافي في 3 أكتوبر، على خبر الفصل متهمتاً محمد بـ"تحريف" الآية القرآنية (إقرأ وربك الأكرم) بطريقة أخرى بحسب بيان الجامعة، دون أن تذكر تلك الطريقة. ولا يزال محمد بانتظار البت في قضية الفصل من قبل القضاء.

قانون حُرية التعبير والتظاهر، لم يُقر حتى الآن في مجلس النواب العراقي، ولا يوجد هناك أي سند قانوني يُنظم حرية التعبير

وتكررت حالة انتقاد الكوادر الطبية من قبل رنا الحسني وهي مذيعة سابقة في قناة هُنا بغداد المحلية، عندما كتبت في 22 يوليو 2017 تعليقاً على فيسبوك انتقدت فيه "عدم كفاءة" بعض الأطباء وكتبت: أن "بعض الأطباء صاروا في المهنة نتيجة استخدامهم السحر والشعوذة،" لتواجه بعد ذلك دعوى قضائية ضدها من قبل نقابة الأطباء العراقية في أكتوبر 2017.

ومثل محمد عصمت، أٌخفي تعليق رنا الحسني (38) عاماً من فيسبوك، لكننا نحتفظ بنسخة مصورة عنه وعن تعليق محمد قبل أن يُحذف. واطلعت VICE عربية على كتاب الدعوى المُقدمة من قبل نقيب الأطباء في بغداد جواد عبد الكاظم محمد والتي رُفعت في 10 أكتوبر 2017، حيث تتهم رنا الحسني بـ"الإساءة والتشهير" كما تضمنت الدعوى المطالبة باتخاذ الإجراءات القانونية بشقيها المدني والجزائي.

وتعليقاً على هذه القرارات، قالت الحسني: "إن مثل هكذا دعاوى تفتح الأبواب لتحجيم حُرية الرأي والتعبير، لكن هذا لا يمنعنا من توجيه الانتقاد لمؤسسات الدولة أو شخوصها الذين يُخطئون." وبحسب الحسني، أنها التقت نقيب الأطباء قبل أيام وهي بانتظار نتائج الدعوى، إما تُسحب أو تسير نحو تطورات أخرى، لا تُعرف، سلبية أم إيجابية.

ويعلق إبراهيم كريم، وهو ناشط مدني في المرصد العراقي لحقوق الإنسان على هذه الحالات بالقول أن: "مُحاولات رفع دعاوى قضائية ضد كل من ينتقد مؤسسة تابعة للدولة أو موظفي خدمة فيها، لن تكون سوى حلقات تُكمل سلسلة تقييد الحُريات التي يُراد لها أن تُفرض من قبل الكُتل السياسية في العراق، عبر قوانين أو من دونها."

يشار إلى أن قانون حُرية التعبير والتظاهر، لم يُقر حتى الآن في مجلس النواب العراقي، ولا يوجد هناك أي سند قانوني يُنظم حرية التعبير التي كفلها الدستور العراقي والإعلانات والمواثيق الدولية، لكن القضاء العراقي ينظر في بعض هذه القضايا وفق قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 الذي يُعاقب من يُشهر ويقذف ويسب الآخر، وليس المُنتقد. وتعتمد الدعاوى التي تُرفع ضد الصحافيين الذين يُبدون آرائهم على فيسبوك على هذا القانون الذي يُعتبر من القوانين المُجحفة والمُقيدة لحرية التعبير، لكنه مازال مُعتمداً حتى الآن في المحاكم العراقية، والذي يُستخدم أيضاً حتى في قضايا الإعلام والنشر.

ويشير عضو مجلس المفوضية العليا لحقوق الإنسان هيمن باجلان لـ VICE عربية أن: "الإجراءات المتبعة على شكل دعاوى قضائية ضد أشخاص انتقدوا سلوكيات لدى بعض الأطباء أو الذين انتقدوا عمل بعض مؤسسات الدولة، يدخل ضمن إطار تقييد حُرية التعبير التي نص عليها الدستور العراقي في مادته الثامنة والثلاثين والتي تنص في فقرتها الأولى على أن: "الدستور يكفل حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل."
على الجانب الآخر، وبعد اطلاعه علِى هذه القضايا، يقول المُحامي إسماعيل الفتلاوي أنه ليس من المعيب أن "تلجأ الجهات التي تعتقد بأنها تضررت من تلك المنشورات للقضاء، فهذه حالة صحية، وليس فيها أية شائبة." لكنه يشير بنفس الوقت إلى أن ما حدث مع محمد عصمت، يُعد إنتهاكاً لحقه في التعليم، فهو بحسب الفتلاوي لم يكتب منشوره بصفته طالباً بكلية الطب، بل مواطناً لديه حساب فيسبوك، لذا فإن أمر فصله غير قانوني ويبدو أن بعض المزاجيات الشخصية تدخلت به."

قانون الجرائم المعلوماتية يُريد تحييد وتقويض حُرية الرأي والتعبير عنه في الفضاء الإلكتروني، وفقراته ليست سوى أفكار رجال سلطة يُريدون تشريع القانون بعقلية بوليسية

ويُحاول البرلمان العراقي تشريع قانون "الجرائم المعلوماتية" الذي يُواجه إنتقادات ورفض كبيرين من قبل المجتمع المدني العراقي، باعتباره قانوناً يُقيد حرية التعبير عن الرأي في وسائل التواصل الإجتماعي والمواقع الإلكترونية الخاصة بمقالات الرأي. الاعتراض على قانون "الجرائم المعلوماتية" من قبل المجتمع المدني العراقي ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، كان يُشير إلى وجود مصطلحات "فضفاضة" في القانون ومن دون تعريفات مُحددة. على سبيل المثال، فإن المادة 3 من مشروع القانون تُنزل عقوبة السجن المؤبد وغرامة مالية ضخمة على من يستخدم "عمداً" أجهزة الحاسب وشبكة المعلومات في "المساس" بمصالح البلاد "الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية أو الأمنية العليا" دون أن يُعرف القانون تلك المصالح. ويُعلق إبراهيم كريم على قانون الجرائم المعلوماتي بالقول أن هذا "القانون يُريد تحييد وتقويض حُرية الرأي والتعبير عنه في الفضاء الإلكتروني، وفقراته ليست سوى أفكار رجال سلطة يُريدون تشريع القانون بعقلية بوليسية."

في 13 ديسمبر الحالي وصلت اللجنة التحقيقية لأحمد الحُسيني في كربلاء، لكنها لم تخرج بنتائج التحقيق حتى اللحظة. لا يعرف أحمد بحسب قوله عن ماذا يُمكن أن تكتب اللجنة في تقريرها النهائي، لكنه يؤكد إصراره على المضي بقضيته التي تحدث عنها في منشوره على فيسبوك بخصوص "فضح" بعض "الفاسدين."