حياة

أطبّاء يتحدثون عن تجربتهم الأولى في اخبار العائلة عن وفاة أحباءهم

قدّرت قيمة العودة الى منزلي، لأنني أرى مرضى أمنيتهم الوحيدة هي الخروج من المستشفى
8.8.18
death

iStock

عندما تدرس لتكون طبيبًا، تركز كل تفكيرك وطاقتك ووقتك للحفاظ على الحياة والصحة وشفاء الأمراض. ولكن ماذا عن الأمور التي لا يمكنك أن "تصلحها" كالأمراض المزمنة، التقدّم في العمر، نهاية الحياة؟ يصعب التأقلم مع موت فرد واحد، فكيف إذا كنت مضطرا الى التأقلم مع موت أفراد بشكل دائم؟ منهم من تتعلّق بهم ومنهم من يؤثر بك ومنهم من تتأثر بحالتهم ومنهم من لا تعرفهم. أتساءل كيف يتحمّل الطبيب شحنة المشاعر هذه في يوم واحد: بين فرحه بنجاح خطة علاجية لمرض من جهة وموت آخر في غرفة مجاورة والتفاعل مع الحادثتين؟ والاصعب ربما، هو نقل خبر وفاة المريض للأهل؟ تحدثت مع عدة أطباء عن تجربتهم الأولى مع الموت.

دكتور ويليام، 28، متخصص في جراحة الجهاز الهضمي

VICE عربية: أخبرنا عن أول مرة حدث وتوفي مريض بين يديك؟
دكتور ويليام: كنت في قسم الطوارئ عندما أتى مريض مصاب بسكتة قلبية منذ نصف ساعة الى الطوارئ. عادة، نقوم بالانعاش لمدّة 30 دقيقة، الا انني أرغمت الفريق على التمديد لفترة نصف ساعة إضافية محاولين من دون نفع انقاذه. أعلم أن النصف ساعة الزائدة لم تكن نافعة ولكنني رفضت أن يموت المريض بين يدي. كانت أول عملية انقاذ فاشلة.

كيف كان شعورك. وكيف كانت ردة فعل العائلة؟
بعد موت المريض، خرجت متعبًا لا دموع على وجهي، قلبي ينعصر. قلت للعائلة: "العوض بسلامتكم…فعلنا ما بوسعنا". ثم خرجت الى الحديقة. أتذكر أنني شاهدت فيلم حياتي في ذاكرتي، وأحسست كم أنني تافه أمام موقف كهذا. بعدها قررت أن أعود وأشرح للعائلة المجريات الطبية التي حصلت. إلا أنني لم أستطع لأنهم كانوا في حالة هيستيريا. اخبار العائلة عن الموت ليس سهلًا، ومهما شعرت أنني اعتدت القيام به يبقى حمله ثقيل. فأنا أقف أمام تحديين: الأوّل، أنني فشلت بعملي (على الرغم من أنني لا يجب أن أفكر بهذه الطريقة لأن الانسان سوف يموت أصلًا…)، والثاني أنني أتخيل نفسي مكان هذا المريض يومًا، أو مكان عائلته. بعد أن أدركت صعوبة الموقف وشدة تأثيره علي، قررت أن أبحث عن طريقة للتعامل مع الموضوع. وحوّلت الشعور بالفشل واللوم والذنب، إلى الشعور بالفرح لأنني أرافق روحًا بشرية تنتقل من مرحلة إلى أخرى. هذه الروح قبل أن تموت، ستشعر أنني انعشها وأساعدها على البقاء. هذا التفكير بدأ يعزّيني ومكّنني من التعبير بشكل أفضل عند إخبار الأهل والأقرباء.

دكتورة برناديت، 28، متخصصة في الطب النفسي

كيف شعرت في أول مرة توفي فيه أحد مرضاك. وكيف تمكنت من نقل الخبر لعائلته؟
قبل أن أتخصص في الطب النفسي كنت أعاين مريضة لديها قصور حاد في القلب، ومشاكل رئوية معقّدة، وتوفّيت فجأة بسكتة قلبية. رفضت العائلة التسليم بالخبر، وطلبوا من ابنها الذي يعمل في المستشفى أن يحاول القيام بأي شيء… تلبّكت كثيرًا عندما أخبرتهم "يخليكن لبعض والله يرحمها" كان كل ما قلته. شعرت أنني مسؤولة تجاه المريضة وعائلتها حتى لو لم أكن الطبيبة التي تعاينها.. كانت أول حالة وفاة تحصل معي وبكيت من شدة التأثر. كما أنني شعرت بالذنب: ربما لو استبقت الأمور كنت قد غيّرت شيئًا… ربما كان يجب أن أفعل المزيد. شعرت كم أنني محدودة، وفكّرت بالأفراد الذين سأحاول انقاذهم من دون أن أستطع فعل أي شيء لتغيير حتمية الموت. صعب أن أكون في مركز يتوقع الناس مني الكثير وأنا لا أملك هذه المقدرة فعليًا. كيف تتعاملين مع الموت الآن؟
بت أعي محدودية مهنتنا، ليس من ناحية قدرة الأطباء بل بسبب أنواع المرض وحالة المريض. أصبحت حاضرة بانتقاء كلماتي مع الأهل والأقرباء، وتعلّمت أن أؤكد لهم أنهم فعلوا ما بوسعهم، كي لا يشعروا بالذنب. أرى نفسي ألجأ الى الشرح الطبي لأبتعد عاطفيًا عن وطأة الوضع، ثمّ أتقدّم بالعزاء. أحيانا مجرّد سلام باليد وترتيب على الكتف يكفي.

دكتور ايلي، 49، متخصص في الطب الباطني

ترافق مرضاك في المراحل الأخيرة والحميمة من حياتهم، هل تتعلّق بهم؟
بطبيعة عملي، يصبح المريض فردًا من عائلتي وأتعلق به، وكل غياب يؤثر عليّ بطريقة مختلفة، والوداع قاسٍ. لا زلت حتى اليوم بعد كل سنوات الخبرة، أشعر كأنها المرة الأولى على الرغم من أن الموت أصبح واقعًا أعيشه كل لحظة في مهنتي. أتذكّر أن المرّة الأولى التي أخبرت فيها العائلة عن موت مريضها، كانت حملًا كبيرًا وصعبًا علي، تذكرت أبي والأشخاص الذين خسرتهم… وبدأت أفهم معنى خسارة شخص عزيز.

هل يوجد طريقة صحيحة لأخبار العائلة بموت أحد أفراد الأسرة؟
يظنّ الناس بخاصة في حالات الموت الفجائية أن المريض مات بسببنا، ونتفهّم ذلك، لأنّهم تحت الصدمة. لذلك أسعى أحيانًا الى أن أجمعهم في الصالون، بعيدًا عن كل الموجودين في المستشفى، وأن أكون مع طبيب آخر لنتقاسم المسؤوليات ولئلا أكون محور غضبهم أو حزنهم ولنتساعد في الشرح والتخفيف من وطأة الألم. وأفضّل دائمًا أن يرافق الطبيب، مساعد اجتماعي ومساعد نفسي لئلا يتحمل وحده عبء الفشل، والذنب والحزن. تعلّمت أن ألجأ الى سلوكين، الأول هو الشرح الطبي المفصّل والمتسلسل: القلب كان ضعيفاً، أنعشناه عدة مرات تجاوب معنا للحظة ثم توقّف… وكل هذا ليعرف الأهل ويقتنعوا بالحقائق الطبية، وبالتالي يتحضرون نفسيًا. والثاني، أجعلهم يتخيلون واقعًا أسوأ: إذا تجاوب القلب ولم يتجاوب الدماغ، كان سيدخل بحالة غيبوبة وسيتعذّب، وأنتم أيضًا.

دكتورة ميرابيل، 26، طبيبة طوارئ

ماذا فعلت عندما اضطررت لأخبار العائلة عن موت مريض/ةها؟
كنت أعتني بمريضة بحالة الموت الدماغي، وكان زوجها يزورها كل يوم ويقبّل أصابعها ويخبرني عن حياتهما. قال لي أن الرجال يغارون منه لانها كانت أجمل امرأة في العالم. توفيت في الرابعة بعد منتصف الليل وكان علي أن أخبر زوجها على الهاتف، أخبرته وصوتي يرتجف، مترددة. بدأ يبكي، ورفض أن يراها للمرة الاخيرة… صراحةً ارتحت لأنني لم اضطر الى النظر في عينيه هذه الليلة. لكنني لست دائما محظوظة. هل يكون هناك سيناريو في رأسك قبل مقابلة الأهل واخبارهم بالوفاة؟
اتذكر أنني أخبرت عائلة امرأة أربعينية كانت مليئة بالحياة، أنها توفيت. أجّلت لقاء العائلة لـ 20 دقيقة وتجنّبت التحدث معهم. رحت أدخل واخرج من الغرفة أعيد السيناريو في رأسي: هل أغمرهم؟ هل أدخل مع ابتسامة طبيعية أو مع نظرة تعيسة على وجهي؟ هل أشرح لهم عن الأسباب الطبية أو أعزيهم؟… لحسن حظي للمرة الثانية، أن وجهي أخبرهم بكل شيء قبل أن أتفوه بكلمة. انهار الزوج في البكاء وغمره أطفاله. ولم أجد نفسي إلا جالسة معهم لمدة ساعتين، من دون كلام. يجعلني عملي أغفو مبتسمة لأنني أنقذ بعض الارواح، وفي الوقت نفسه يبقيني في حيرة وغضب تجاه الحياة متسائلة لماذا هناك أشخاص محظوظون وآخرون لا.

دكتور فادي، 27، متخصص في الأورام السرطانية وأمراض الدم

هل تأثرت أوّل مرّة أخبرت عائلة ما أن مريضها توفي؟
اخبار العائلة أن مريضهم توفي كان شعور غريب، محزن ومؤثر لكنه غريب. ركزت بقولي على التالي: "هذه مشيئة الله، المهم أنه لم يتعذب وكان مرتاحًا وأنتم ونحن فعلنا كل ما بوسعنا لانقاذه." لم أنزعج، ولم أبك، ولم أحزن، ولم أتأثّر. تعاطفت مع العائلة لخسارتها. واليوم بعد أن قمت بنقل خبر الوفاة لأكثر من 40 حالة، صرت أعرف كيف أحضّر الأهل نفسيًا وكيف ادعمهم لتحمل الصدمة. لا يزعجني هذا الأمر واعتدت أن أفصل مشاعري عن الحدث.

أنت تتعامل مع الموت يوميًا خاصة أنك اخترت التخصص في الأمراض السرطانية؟
العمل في هذا القسم غيّر نظرتي للإنسان والحياة والموت. قدّرت قيمة العودة الى منزلي، لأنني أرى مرضى أمنيتهم الوحيدة هي الخروج من المستشفى. أدركت أن كل الاشياء البديهية، ليست بديهية، وكم هو ضروري ألا أضيع ثواني من حياتي فعل أشياء لا أريدها. يقول لي الجميع: "هذا الاختصاص قاس، ستخسر كل مرضاك وتضطر الى التعامل مع الموت على مدار الساعة" أما أنا فأجيبهم :"بعد 10 سنوات من اليوم، سيصبح مرض السرطان كالسكري، يتعايش الناس معه."

دكتورة روزماري، 28، متخصصة في أمراض الكلى والضغط

ماذا حصل عندما أخبرت العائلة أن مريضها توفّي؟
كالعادة في لبنان، أتى المريض المصاب بجلطة مع كل عائلته التي وضعت آمالًا عالية بالشفاء. في الرواق، أبلغت الجميع بخبر الوفاة وخرجت. أتذكّر أنني سمعتهم يقولون "أنتم قتلتموه"، "مبارح ما كان صايرلو شي"… عدت الى المنزل، أحسست أنني شخص آخر، كنت متوتّرة كثيرًا ورحت أفكر: ما كانت أفضل طريقة لاخبارهم، ماذا كان يجب أن أقول، هل أبلغتهم بطريقة خاطئة؟ هل كان يجب أن أخبر فردًا واحدًا وهو يبلغ الآخرين؟ نتعب نفسيًا، ونبقى دائمًا أسرى لسؤال: هل ما قمت به صح أو خطأ؟

لا زال نقل خبر الوفاة ثقيلًا كالمرّة الأولى؟
لم اعتد على القيام بهذا الأمر حتى اليوم، وإذا كان لدي خيار سأترك المسؤولية تقع على أحد غيري. نحن فقط نصبح قاسيين ونجد طرق لنتعامل مع الموت، لأننا في النهار التالي نريد أن نبتسم لمرضى آخرين ونحيطهم بالحب والاهتمام، بالتالي لا يمكننا أن ننقل إليهم كل الحزن الذي نحمله من اليوم السابق. وأعتقد أننا كأطباء بفعل ضيق وقتنا وكثرة مهماتنا، لا نعطي المريض وعائلته الوقت الكافي ونحضّرهم نفسيًا ونتكلّم ونتحاور معهم ونشرح لهم، وهذا يحزننا أيضًا. ربما لأننا نريد أن نقول الخبر السيء ونذهب لنتخطى الأمر بسرعة. اليوم مات مريض كنت أعانيه وأراه كل يوم، خرجت من الباب الآخر للغرفة ولم أستطع التكلم مع أحد من العائلة أو حتى رؤيتهم.

دكتور طاهر، 33، متخصص في الطب العام

هل اعتدت على فكرة الموت؟
صراحة أنا غيّرت اختصاصي (من طبيب طوارئ الى طب عام) لأنني كنت اتعامل مع الموت كل يوم: مرضى يموتون وأهل ينهارون، وكان الأمر يرهقني ويبقيني في حالة حزن مستمرة. المرة الأولى التي أخبرت فيها الأهل عن موت مريضهم كانت مربكة جدًا لأنها كانت المرة الأولى التي أرى جثّة أمامي، حاولنا أن ننعشها بدون أمل. كنت مغمورًا بالمشاعر ولم أستطع أن أخفي حزني وارتباكي أمام الأهل.

كيف تعلّمت أن توصل الخبر السيء؟
ما زلت لا أعرف ما هي الكلمة المناسبة والأكثر حساسية وفعالية في هذه المواقف، أنا أقول "البقاء لله" وأتركهم مع بعضهم. الخبرة تفرض عليك هدوء أكبر، فأحيانًا يغضب الأهل ويحمّلوننا مسؤولية الموت وعلينا أن نتفهم ونواسيهم. بت أعلم أن مشاعر الأهل والأقرباء أهم من مشاعري وتفكيري خلال هذه اللحظات، لذلك على الرغم من صعوبة الوضع علي أن أفكر بهم، وأشرح لهم كل ما يمكن أن يسألوه. أتأثر بشدة عندما يطلب الأهل رؤية مريضهم للمرة الأخيرة.