سينما

جيلان عوف مخرجة فيلم "لما جات 10": النساء قادرات على تقرير مصيرهن

لا يوجد شرير في القصة، لكن صراع ما نشأ عليه الأبطال وما يريده المجتمع من جانب وقناعاتهم الشخصية على الجانب الآخر
16.6.19
OK8_8947
جيلان عوف

"الفيلم ليس عن الختان بقدر إنه يُخاطب القوة الكامنة داخل كل إمراة، من خلال رصد علاقة بين أم وابنتها وكيف تؤثر الأم في حياة الطفلة واتخاذها قرارات مصيرية في حياتها"، تقول المخرجة المصرية جيلان عوف في مقابلتها مع VICE عربية. "لما جات 10" أو "Turning Ten هو الفيلم الثاني القصير للمخرجة جيلان عوف. يرصد الفيلم لحظات الانتظار لمدة عشر دقائق في إحدى العيادات حيث تنتظر العائلة دورها لختان ابنتها البالغة من العمر عشر سنوات، تاركة لمياء بضع دقائق لتغيير مسار حياة ابنتها. الفيلم من بطولة سارة عبد الرحمن، صدقي صخر.

إعلان

"لما جات 10" هو الفيلم المصري الوحيد الذي شارك في مهرجان مهرجان كليرمونت فيران - Clermont Ferrand في دورته رقم 41، الأشهر والأعرق فى فرنسا والعالم والمعني بالأفلام القصيرة، بالإضافة إلى عدة مهرجانات أخرى منها Tampere International film festival (فنلندا)، Fastnet film festival (أيرلندا) وNewport Beach Film Festival (كاليفورنيا). كما حصل الفيلم مؤخرًا على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان Breakthrough Film Festival في نسخته الثامنة لعام 2019 بكندا.

1560687301225-Screen-Shot-2019-06-16-at-41428-PM

مشهد من فيلم "لما جات 10"

جيلان عوف(32 عامًا) مخرجة سينمائية مستقلة ومنتجة ميدانية، تخرجت من الجامعة الأمريكية بالقاهرة بشهادة البكالوريوس في العلوم السياسية مع تخصص موازي في السينما والمسرح. حصلت جيلان على دبلوم في كتابة السيناريو والإنتاج من جامعة جنوب كاليفورنيا USC، وعملت كمخرج مساعد في عدد من الأفلام الروائية المصرية منها "لا مؤخذة"، "ديكور"، "قدرات غير عادية" و"القط ماوس". وشاركت فى مسابقة الأفلام القصيرة بمهرجان الجونة السينمائى فى دورته الأولى بفيلمها الأول "مهرجاني" عام 2017 .

VICE عربية: فلنبدأ بخبر حصول الفيلم على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان Breakthrough Film Festival بكندا؟
(تضحك) كانت مفاجأة غير متوقعة، استيقظنا في الصباح على خبر الجائزة، للاسف لم يحضر أحد من فريق الفيلم المهرجان لأسباب لوجيستية بحته، ولكننا سعداء جدًا بالجائزة، والأهم من الجائزة هو سفر الفيلم ومشاهدته من جمهور مختلف، ويصل لهم وينال إعجابهم وتقديرهم، ويعود الفضل لأهمية اللغة السينمائية كوسيلة لمخاطبة الجميع. وفي النهاية الجائزة هى لكل فريق العمل الذين شاركوا بحماس وثقة لصناعة هذا الفيلم حتى خروجه للنور. وأنا في غاية الحماس لعرض "لماجات عشرة" في مصر سواء داخل مهرجان أو خارجه، ونتحدث عن هذه التجربة مع الجمهور المصري.

إعلان

إذًا حدثينا عن أسباب اختيارك "ختان الإناث" موضوعًا لفيلمك الثاني القصير؟
اهتمامي بقضية الختان الذي اعتبره "تشويه للأعضاء التناسلية الأنثوية" يعود لزمن بعيد، كان عمري 15 عامًا، عند سماعي لأول مرة عن هذه الظاهرة، وبدأت من وقتها القراءة والمعرفة، حتى عملت في سنواتي الأخيرة بمجال الأفلام التسجيلية والبرامج الإخبارية، وأتاحت لي هذه الفرصة مقابلة سيدات من أعمار وأماكن مختلفة والتعرف على قصصهن، ولفت انتباهي إحدى السيدات وكانت قاهرية ليست من محافظة نائية، وتُشبه قصتها شخصية " لمياء" بطلة الفيلم، تعرضت للختان في الصغر وحُرمت من التعليم في طفولتها، ولكنها علمت نفسها بنفسها، وشَعرت أن الختان شَوه حياتها بطرق مختلفة، لذا قررت عدم ختان بناتها، وكان موقفها جرىء جدًا منها في مواجهة زوجها وحماتها حتى مدرسة بناتها التي كانت تعرف الفتيات التي أجُريت لهن" الطهارة" دون غيرهن! وظلت قصة هذه السيدة تشغل عقلي لمدة طويلة. ولكن دعينى اؤكد أن فيلم "لما جات 10"، "ليس عن الختان".

هل هناك قراءة موازية لوجود العائلة في العيادة لإجراء عملية الختان لابنتهم؟
بالفعل، الفيلم يُركز على عشر دقائق محورية في حياة الأم والأب والابنة، وكيف تُبلور هذه الدقائق القليلة صورة العلاقة بينه. الفيلم يُخاطب القوة الكامنة داخل كل امراة سواء كانت أم أو طفلة صغيرة أو فتاة، هذا التضامن النسائي القادر على تجاوز الصراعات والقضايا المسكوت عنها سواء العنف أو كما كانت حدوته فيلمنا "الختان" عندما عقدت الأم اتفاق مع إبنتها بدون حوار طويل واكتفت بنظرات معبرة. "لما جات 10" يرصد علاقة بين أم وابنتها وكيف تؤثر الأم في حياة الطفلة واتخاذها قرارات مصيرية في حياتها، وفكرته تقوم على أن "الستات قادرة على تقرير مصيرها".

إعلان

ولكن الفيلم ركز على مأساة الأم مع الختان وذهبنا في عالمها بعيدًا عن العيادة؟
هذا ماقصدته، التركيز على قصة الأم، واستمرار التأثير السلبي لتجربة ختانها وهي صغيرة حتى بعد زواجها وانجابها، فنجد الأم غير قادرة على فتح حوار مع إبنتها، ولا تستطيع الحديث معها وتقوم بتوعيتها بأنه وصلت لسن البلوغ وأن أحد ملامحه هو الدورة الشهرية، نجدها تهرب من كل التساؤلات وتلقى اللوم على الفتاة وركوبها العجلة وأنها تسببت لها في هذه الدماء. كم نرى علاقتها بزوجها أيضًا متوترة، والحوار غائب بينهم، رغم إنهم عائلة صغيرة. وأعلم جيدًا أن البعض يرى الفيلم بإنه يقدم رسالة توعوية لمنع ختان الإناث، وبلا شك هي جريمة بشعة تتعرض لها الفتيات، ولكن أردت أيضًا التركيز على الحالة النفسية للأم التي تتعرض لهذه التجربة، وكيف أثرت في تكوينها وحياتها، وهذه كانت بذرة الفيلم، أن يكون فيلم إنساني عن أم وإبنتها وليس عن الختان، نُتابع فيه هذه السيدة وقرارها تجاه إبنتها بعدما تحولت مشكلتها الخاصة إلى العام في عيادة طبيب مع زوجها ، وكيف تجاوزت هذا الموقف وعادت علاقتها بإبنتها بشكل إيجابي .

لماذا اخترتي عائلة مسيحية تجلس فى الجهة المقابلة لعائلة "لمياء" بالعيادة؟
كان مقصود، أن هذه العائلة تُحضرإبنتهم لتجري لها عملية الختان، والتأكيد أن الجميع مسيحيين/ مسلمين يمارسون هذه العادة التي ليس لها علاقة بالدين بقدر ما هي عادة فرعونية وإحدى التقاليد الأفريقية البدائية التي توارثتها الأجيال.

تناولتِ زاوية جديدة في فيلمك ألا وهي "تطبيب الختان" رغم العقوبات التي تصل للشطب من نقابة الأطباء؟
ظاهرة تطبيب الختان، تؤكد أن الأزمة في العقليات وليس الحل في تغليظ العقوبات بالقوانين، بالإضافة إلى تجريم جميع المؤسسات الدينية من دار الإفتاء والأزهر لهذه العادة، الإ أن هناك أطباء رغم مستواهم العلمي، لديهم قناعة أن هذه العملية هامة ويجب إجراءها للإناث، وبعض الأطباء يُمارسها من أجل المال، وهو مايؤكد في النهاية أن تجريم الختان ليس بالقانون وحده ولكن بالتعليم وإجراء حوار مفتوح مع السيدات، لأن العادة تأصلت كتقليد يحتاج مجهودات كبيرة لتغييرها، وخاصة مع النساء المسؤولة بشكل أساسي عن إجراء الختان لبناتهن.

1560687566283-Screen-Shot-2019-06-16-at-41755-PM

فريق عمل الفيلم خلال عرضه بمهرجان كليرمونت فيران

في رأيك كيف لأم ذاقت قسوة تجربة الختان، أن تُكرر التجربة لإبنتها؟
الأم ليست بمفردها المسؤولة ولكن الرجال والمجتمع أيضًا يدفعها للقيام بذلك، كثير من الأمهات يعتقدن أن الفتاة غير المُختنة سُمعتها ستكون سيئة ولن تتزوج، وما إلى ذلك، والأم تعيش في حالة من الصراع الداخلي، لترى أن هذا القرار أفضل شيء لإبنتها ولكنها لاتُنكر في ذات الوقت أنه سيضيرها، فلا يوجد أم تريد أن تؤذي إبنتها، وفيلم "لماجات 10" قصد أن تكون الأم صغيرة ثلاثينية العمر، لأنه يُعول على الأجيال الجديدة القادرة على المعرفة والنقاش ورؤية العادات بطريقة مختلفة. لا أحد بالفيلم سواء الأب أو الأم يريد إيذاء الطفلة، لا يوجد شرير بالقصة، الاثنان يعيشان صراع بين مانشأَن عليه من عادات وتقاليد ومايريده المجتمع وبين قناعتهم الشخصية الرافضة لكل ذلك.

ولكن مشهد اجتماع نساء العائلة لإجراء الختان لبناتهن في الفيلم.. كما لو كان يؤكد بصريًا أن النساء بمفردهن يتحملن مسؤولية استمراره؟
لأن عادة الأمهات كما تلعب دور أساسي في كل شىء بالعائلة، تقوم أيضًا بختان بناتها، بلاشك أن الرجل والمجتمع له تأثير ويحفز على اجراءه، لكن فى النهاية الأم هي الأساس، لذا من الضروري فتح حوار مجتمعي مع النساء، خاصة الطبقات التي تنتشرن تلك العادة بينهن،، لتوضيح أضراره وأسباب منعه، لأن الختان كقضايا أخرى تعتبرها النساء خاصة جدًا، ولا ينبغى الحديث عنها. ولكن آن الآوان مخاطبة الأجيال الجديدة والنقاش معها.

إعلان

على ذكر حديثك حول فتح حوار مع السيدات حول رفض الختان.. الدولة تتبنى برامج توعوية لمكافحة الختان منذ 20 عامًا لكن الأرقام لاتزال مرتفعة حتى الآن؟
لست متخصصة بدور المؤسسات وطبيعة عملها، ولكن اظن أن مشاهدة الأفلام التي تناقش قضايا كالختان، ربما تلعب دورًا في كسر التابوهات حول مناقشة أضرار الختان، ولماذا يتوجب تجريم ممارسته، ربما يكون الفيلم فرصة ليعرف أحد المشاهدين أن هناك قانون صادر منذ 2008 يجرم الختان بعقوبات غليظة!

هل رسالة الفيلم سلبية في مواجهة النساء اللاتي يقمن بختان بناتهن؟
"الفيلم يعطى قوة للستات"، لا انتقد التقاليد ولا الستات التي تمارس الختان لبناتها، على العكس الفيلم إيجابي ويؤكد على قوة المرأة، وأن كل سيدة قادرة على اتخاذ القرار والتفكير خارج الصندوق، حتى لو كان هناك شباك صغير، " استخدميه وهتخرجي وهتحرري نفسك وبنتك".

ماذا عن كواليس التحضير للفيلم؟
استغرق تصوير الفيلم يومين، ولكن قبل التصوير، عقدنا ورش تمثيل لمدة أسبوعين بين الممثلين صدقي صخر وسارة عبد الرحمن، وركز التدريب على أهمية توصيل الأفكار والانفعالات الداخلية بدون كلام ، والاعتماد على نظرات العيون وتعبيرها. الممثلون تمتعوا بقدر عالي من الالتزام والانضباط وأعطوا قصة الفيلم أقصى طاقتهم من الحب والعمل، والطفلة"مريم" التي لعبت دور الفتاة" نور" هي ممثلة موهوبة وذكية وسيكون لها مستقبل كبير.

أحد تحديات مخرجي الأفلام القصيرة والمستقلة بشكل عام هي الإنتاج.. كيف كانت تجربتك؟
كنت محظوظة لمقابلة المنتجة الإنجليزية من أصل مصري "هدى اشوافني"، أثناء مشاركة فيلمي القصيرالأول "مهرجاني" بالمسابقة الرسمية في مهرجان الجونة 2017، وأعُجبت بالفيلم وبالكتابة وستايل الإخراج، وسألتني "هل لديك مشروع جديد؟"، وأتذكر أن حديثنا كان وسط زحام حفل ختام المهرجان، وأصَرت على معرفة قصة فيلم "لما جات 10" وتحمست جدًا للفكرة وأعربت عن رغبتها في إنتاجه. وحقيقي "هدي" كانت مُنتِجة واعية ومُحبه جدًا للسينما، وليست منتج تقليدي يُمول الفيلم فقط، وتعاوني معها أكسبني خبرة كبيرة جدًا، لأنه من الصعب العثور على منتج فني، يدعم الفكرة ويطورها معك، وهذا ماحدث، جمعتنا مراسلات عديدة لتطوير نسخ السيناريو، حتى استقرينا على النسخة النهائية.

إعلان

ماهو رهانك على اختيار الممثلة الكوميدية "سارة عبد الرحمن" لهذا الدور المركب؟
فكرت كثيرًا من أجل اختيار الشخصية الرئيسية، هو دور صعب، يعتمد في تمثيله على نظرة العين والانفعالات الداخلية أكثر من الحوار، وكان يحتاج لمواصفات معينة، وبحثي كان عن فتاة صغيرة في السن ولديها إحساس بالأمومة في ذات الوقت، وتستطيع عندما ترجع بذاكرتها في مشهد "الحلم" تعود لملامحها كطفلة. وشاهدت أدوار سارة الكوميدية، ولكن شعرت أن لديها مساحات تمثيل أخرى لم تخرج بعد. وهي ممثلة موهوبة، وجلسنا معًا كثيرًا قبل قراءة السيناريو، وشعرت بأن هناك توافق يجمعنا، وعندما قرأَت السيناريو، اندهشت جدًا بأرائها وأسئلتها حول تفاصيل صغيرة وهامة للشخصية، وهنا أدركت إنها ستلعب شخصية "لمياء" المركبة التي تريد أن تبوح بكلام ولكن لا تقوله في أول الفيلم، ثم نرى علاقتها الجافة مع إبنتها التي تلين فيما بعد، وكأن هناك بركان يتصاعد داخل الشخصية، وهذا مالمسته في "سارة " تتشابه في أشياء كثيرة مع الشخصية.

1560687396395-Turning_Ten_Still_1

سارة عبد الرحمن (يمين)

"لما جات 10" كان الفيلم المصري الوحيد المشارك في مهرجان كليرمونت فيران Clermont Ferrand بفرنسا عام 2019.. ماذا يمثل لك هذا الاختيار؟
لم أتوقع قبول الفيلم ومشاركته في المسابقة الرسمية بهذا المهرجان العريق في دورته 41، والذي يُعد من أهم مهرجانات العالم المعني بالأفلام القصيرة، حتى أن مخاوفي والشك في عدم القبول، جعلتني أشُارك قبل ساعة من غلق باب التقديم!. واختيار الفيلم أسعدني جدًا، خاصة أنه الفيلم المصري الوحيد الذي تم اختياره من بين 9200 فيلم على مستوى العالم، وكانت التجربة مميزة جدًا، حيث تحولت المدينة لساحة عرض سينمائي كبير، هناك اهتمام وإقبال جماهيري لمشاهدة الأفلام، رغم برودة طقس شهر فبراير، إلا أن المشاهدين كانوا يتمتعوا بشغف سينمائي كبير ويقفوا في طوابير طويلة لحجز مقاعدهم. وحظى فيلمنا بفرصة للعرض لثماني مرات خلال أيام المهرجان، في قاعات ترواحت مقاعدها بين 600 إلى 1000 مقعد للمشاهدين؛ الذين حرصوا على طرح أسئلتهم في ندوات مابعد العرض، عن أسباب استمرار عادة الختان في مصر وغياب الحوار بين الأم وبنتها.

ما هو مشروعك القادم؟
مازالت جولة فيلم "لما جات 10" في المهرجانات مستمرة، حيث يسافر خلال الفترة القادمة إلى كرواتيا، كندا، وفرنسا مرة أخرى، ونتلقى عروض توزيع من عدة شركات. أما عن مشروعي القادم هو أول أفلامي الروائية الطويلة، تأليف وإخراج، يدور حول رحلة فتاة تبحث مع صديقتها قبل يوم من فرحها عن فستان زفاف بديل عن فستانها الذي احترق، في إطار دراما كوميدي ينتمي لأفلام الرحلة، حيث نتابع خلال يوم رحلة بحث الصديقتين من شرق إلى غرب القاهرة وما يتعرضن له من مواقف وأحداث.