محمد محمود علاوي 15 عاماً في الوسط مع شقيقيه الاصغر منه سناً تصوير سيباستيان كاستيلر

محمد محمود علاوي، 15 عاماً، في الوسط مع شقيقيه الاصغر منه سناً. تصوير سيباستيان كاستيلر

مجتمع

في الموصل، مدارس مُدمرة وأطفال بلا تعليم

"أثناء البحث عن العلب المعدنية بين ركام المباني التي دمرتها الحرب، نجد بقايا جثث متحللة لها رائحة كريهة"
7.5.19

"لقد نسيت حكومتنا أن الجهل هو من أتى بداعش الى مدينة الموصل،" يقول ذو الـ55 عاماً، قحطان احمد يونس، والد الطفل محمد، 12 عاماً. "لقد ترك ابني الدراسة لمدة أربع أعوام بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، والآن أخشى أن يكون ابني فريسة سهلة لأي جماعة مسلحة قد تنشط من جديد وبأسم جديد غير داعش." في بيت نصف مهدّم دكته صواريخ الحرب يعيش يونس مع أفراد عائلته، بصوت مرتفع يقول يونس: "أنا عاطل عن العمل، ولا يمكنني تغطية تكاليف احتياجات المدرسة لأبني محمد أو حتى دفع أجور باص المدرسة له."

إعلان

بعد مرور أكثر من عامين على تحرير الموصل من سيطرة تنظيم داعش لم يعد بمقدرة عدد كبير من الأطفال إكمال تعليمهم بسبب الظروف الاقتصادية التي تمر بها هذه المدينة، او لظروف اجتماعية بسبب فقدان العديد من الطلبة لذويهم، أو أن عمرهم تجاوز السن القانوني المسموح به للدراسة، ما أدى بالكثير من الأطفال أن يتركوا مدارسهم والانشغال في أعمال شاقة. بعد أن كانت تبعد المدارس فقط أمتار قليلة من بيوت الأهالي، أصبحت المسافة بالكيلومترات ويعود ذلك الى الضرر الكبير الذي لحق بالمدارس جراء القصف منذ انطلاق عملية تحرير مدينة الموصل في 17 اكتوبر عام 2016 حتى تحريرها من داعش بالكامل يوليو 2017.

1555507480607-

ينتظر الاباء اطفالهم عند باب مدرسة العراقية للبنات. تصوير أزهر الربيعي

غيرّ داعش المناهج الدراسية في كل المدارس التي كانت تحت سيطرتهم، فقد استبدل التنظيم مادة الفن والموسيقى بالشريعة الإسلامية مع إضافة دروس تحثُ الأطفال للالتحاقِ في صفوفِ التنظيم، ومواد تعليمية أخرى عن كيفية استخدام الاسلحة، اضافة الى دروس تعليم الرمي أو التفخيخ. وعندما دخل داعش مدينة الموصل في يونيو 2014 قام العديد من الآباء في الموصل بإبقاء أبناءهم في المنزل، على حد قول الآباء الذين التقتهم VICE عربية، إن التعليم الذي فرضه تنظيم داعش يرسخ ثقافة القتل والتطرف والعداء في أذهان أبنائهم، ولكي يتجنبوا ذلك، لم يرسلوا ابناءهم الى المدارس.

في الصف الواحد 63 تلميذاً وهو عدد كبير جداً، يجب أن يكون في الصف الواحد 30 طالباً لضمان جودة تعليم جيدة

ولكن اليوم بعد طرد داعش من العراق، لا تزال المشاكل قائمة أولها إعادة ترميم المدارس التي دمرت خلال الحرب، حيث يشير تقرير صدر عن المجلس النرويجي للاجئين العام الماضي الى تدمير 62 مدرسة بشكل كامل وتضرر أكثر من 200 مدرسة أخرى. "الاحتياجات هائلة،" تقول زينة عواد، مديرة الاتصالات في منظمة الأمم المتحدة للطفولة في العراق: "في الموصل، لقد ساعدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة في اعادة تأهيل 315 مدرسة حتى الآن، ونعمل حالياً على تأهيل 38 مدرسة اخرى. نحن ملزمون بالقيام بالمزيد، وخاصة في منطقة غرب الموصل ولكننا نشهد نقصاً في التمويل."

1555506887505-

اطفال من الموصل وهم يلعبون في بركة ماء في منطقة غرب الموصل - البركة هي في الحقيقة اساس لبناء قيد الانشاء. تصوير أزهر الربيعي

يشير تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفل (اليونيسيف) إلى أن حوالي 3.5 مليون طفل في عموم العراق خارج التعليم، أو جزء منهم يذهبون الى المدرسة بشكل غير منتظم، بينما أكثر من 600,000 طفل نازح حرموا من مدارسهم لعام دراسي كامل. الآباء الذين تحدثوا لـ VICE عربية قالوا انهم كانوا يخشون أن يُستغل أبنائهم من قبل الجماعات المتطرفة. لمعرفة ما الذي تغير بالنسبة لهذه العائلات، توجه فريق VICE عربية الى منطقة الأمل في غرب الموصل وزار المدرسة العراقية للبنات. دخلنا صف المدرسة الذي يكتظ بالطلبة، والتقينا بالمعلمة هدى قاسم سلطان والتي أشارت الى أنها تشعر بكثير من الضغط بسبب أعداد الطلبة الكبيرة: "في الصف الواحد 63 تلميذاً وهو عدد كبير جداً، يجب أن يكون في الصف الواحد 30 طالباً لضمان جودة تعليم جيدة."

حاولت تسجيل بناتي في المدرسة ولكن طلبات التسجيل تم رفضها بسبب تجاوزهن السن القانوني المسموح به

على مسافة بضعة امتار من المدرسة، التقينا بالمواطن مخيبر حمدون، 51 عامًا يتحدث لنا وهو يتمنى أن يرى ابنتيه طيبة، ذات الـ 13 عامًا وسدرى، 16 عاماً، ان تحصلان على فرصة للدراسة في مدرسة العراقية للبنات، يقول حمدون: "أشعر بالحزن، حاولت تسجيل بناتي في المدرسة ولكن طلبات التسجيل تم رفضها بسبب تجاوزهن السن القانوني المسموح به. لقد أصدرت وزارة التربية تعليمات معينة تسمح للأطفال الذين تركوا المدرسة بسبب ظروف قاهرة خلال سيطرة داعش أن يكملوا تعليمهم بعد أن يجتازوا إختبار سريع يؤهلهم من الانتقال الى مرحلة دراسية اخرى، ولكنني لم أتمكن من تسجيل بناتي في هذا الاختبار. لم أسمع بتلك التعليمات من قبل، ولم ينصحني أحد عن كيفية التقديم. ليش صديقاتنا يروحن للمدرسة واحنه مانروح؟ كل يوم يسألوني بناتي هذا السؤال وليس لدي جواب على سؤالهنّ،" يقول حمدون وهو يشعر بالأسف.

1555506686189-

مخيبر حمدون في الوسط مع ابنيته طيبة على اليمين وسدرى على اليسار. تصوير سيباستيان كاستيلر

في منطقة الأمل غرب الموصل، التقينا مع السيدة هالة هلال، 37 عامًا، التي نزحت إلى إقليم كردستان العراق مع زوجها وأطفالها، وتمكنت من تسجيل أطفالها هناك، ولكن بعد أن عادوا الى مدينتهم بعد تحريرها من عناصر داعش، لم تتمكن هالة هلال من إصدار الوثائق المدرسية التي تثبت أن أبناءها درسوا هناك في مدارس الاقليم. "ثلاثة من أطفالي بلغوا سن الدراسة ولكن مدير المدرسة القريبة من بيتنا رفض تسجيلهم، قائلاً أن سجلهم المدرسي وأوراقهم غير مكتملة ويجب أن أقدم وثائق تثبت تسجيلهم في المدرسة للأعوام 2015، 2016، 2017. لسوء الحظ، ليس لدي مثل هذه الوثائق،" تقول هلال وهي تنظر إلى أطفالها السبعة: "ليس هناك مستقبل لأولادي."

1555506995860-

اطفال السيدة هالة هلال في منطقة الامل الذين لم يلتحقوا بمدارسهم. تصوير أزهر الربيعي

في محاولة لفهم سبب عدم قبول بعض المدارس تسجيل الأطفال والتبريرات المقدمة التي لا تبدو منطقية لهم، ذهبنا لزيارة سامي الفضلي في مكتبه الخاص في نينوى. الفضلي هو مدير العلاقات العامة في مديرية تربية محافظة نينوى-التي تتبعها الموصل. وعندما سألناه عن كيفية التحاق الطلبة الذين لم يتمكنوا من العودة الى مدارسهم، حَمل المسؤولية لما وصفهم "بالآباء الجاهلين الذين ليس لديهم فكرة عن الاجراءات الادارية، هم المسؤولون عن ترك أطفالهم للتعليم." وأكمل الفضلي حديثه عن ما يعانيه قطاع التعليم في العراق: "الموصل بحاجة ماسة إلى 5،000 معلم إضافي وأكثر من 100 مدرسة. التمويل الذي تقدمه المنظمات غير الحكومية للموصل تكفي فقط للمشاريع المؤقتة مثل الإصلاحات المدرسية، مثل الذي قامت به منظمة الأمم المتحدة للطفولة في مشروع تأهيل المدارس."

"إذا لم نعمل، من سيساعدنا؟ الحكومة؟ الحكومة لم تفكر بنا اطلاقاً، بل نسيتنا تماماً

تركنا الفضلي ومشينا في أحد شوارع المدينة القديمة، حيث شاهدنا محمد محمود علاوي البالغ من العمر 15 عامًا وهو يبحث بين النفايات مع أخوته أحمد 13 عامًا وصالح 11 عامًا. تحدثنا مع علاوي قليلاً وحدثنا عن رغبته بالعودة للدراسة، ولكن ذلك ليس خياراً: "أتمنى العودة الى المدرسة كما يفعل بقية الاولاد ولكن لا يمكنني ذلك، فأنا أعمل حالياً من أجل مساعدة أهلي العاطلين عن العمل."

1555507135290-

محمد محمود علاوي. تصوير أزهر الربيعي

يقول علاوي أنه وإخوته يجمعون من عملهم هذا (جمع العلب المعدنية من النفايات) حوالي 80 دولار في الشهر، ولكن "أحياناً لا نحصل على هذا المبلغ عندما يمنعنا الأهالي من البحث في النفايات خوفاً من وجود متفجرات،" يخبرني بحماسة الأطفال ويضيف: "أثناء البحث عن العلب المعدنية بين ركام المباني التي دمرتها الحرب ضد داعش، نجد بقايا جثث متحللة لها رائحة كريهة، ولكنها لا تخيفنا، لقد تعودنا عليها. كل ما أقوم به هو وضع قطعة قماش على أنفي كي أتمكن من الاستمرار في العمل بدون شم هذه الروائح."

1555507311268-mosullll

محمد محمود علاوي مع اخيه الاصغر يبحثون عن العلب المعدنية بين الركام في الموصل. تصوير أزهر الربيعي

على الرغم من أن ظروف التعليم دون المستوى المطلوب، فمازال الكثير من الأطفال الذين تركوا مدارسهم يحلمون بالعودة اليها من جديد ويلتقوا زملائهم الذين غابوا عن رؤيتهم منذ دخول تنظيم داعش الى الموصل، أما الآباء، فهم يكافحون من أجل عودة الحياة من جديد وأن يذهب أبناءهم الى المدرسة فهم بصيص الأمل والمستقبل المشرق الذي ينتظره الأهالي في مدينة الموصل.

"لست أنا فقط من يعمل في البحث عن النفايات، بل هناك أكثر من 15 طفلاً يعملون نفس عملنا هذا،" يقول علاوي ويتساءل: "إذا لم نعمل، من سيساعدنا؟ الحكومة؟ الحكومة لم تفكر بنا اطلاقاً، بل نسيتنا تماماً. "