صحافة

الحديث عن حرية الصحافة في بلداننا أمر مثير للسخرية

صحفيات عربيات يتحدثن عن العمل في بلدان تحتل أسوأ المراتب في التصنيف العالمي لحرية الصحافة
3.5.19
حرية الصحافة
هادية عزقالي.

يحتفل العالم في الثالث من مايو من كل سنة باليوم العالمي لحرية الصحافة باعتبارها ضمانة هامة لاستمرار مهنة المتاعب كسلطة فعالة تسلط الضوء على الحقيقة في أي مكان وفي أي زمان وبحق أي كان مهما علا شأنه. بشكل عام، يمكن القول إن مناخ عمل الصحفيين شهد تدهورًا في جميع أنحاء العالم خلال العام السابق، حيث أشار التقرير الأخير لمنظمة "مراسلون بلا حدود" إلى ارتفاع حوادث الاعتداءات الجسدية والتحرش اللفظي ضد الصحفيين في العالم.

إعلان

في العالم العربي، تعرض الصحفيين للاستهداف والقتل، فيما يقبع غيرهم في الزنازين والسجون في مصر، بينما يحاول آخرون محاربة الجهات الساعية لتقييدهم وتحويلهم إلى أصوات تلوك ذات الخطاب الذي لا يعلن إلا الولاء والطاعة. وفي خضم هذا الوضع المرتبك لواقع حرية الصحافة، لا سيما عربيًا، تجد المرأة الصحافية نفسها في مواجهة تحديات مضاعفة في ظل نشاطها داخل أطر مازالت تؤمن باستئثار الرجل بهذه. وإن نجحت المرأة في طرح نفسها كشريك قوي في عالم الصحافة والإعلام وأثبت حضورها حتى في أكثر الأماكن خطورة بما فيها مناطق الحروب والنزاعات، إلا أنها ما تزال محل استهداف من أطراف عديدة. وتقول منظمة مراسلون بلا حدود إن "الفاعلات الإعلاميات يتعرضن لشتى أساليب الترهيب والتهديد والاعتداء، بل ويصل الأمر حد القتل في بعض الأحيان." ولهذا وتزامنًا مع احتفال العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة اخترنا أن يكون الحديث عن الصحافة وأحوالها عربيًا على لسانهن.

"حرية التعبير والصحافة في البلاد من بين أبرز مكاسب الثورة التونسية التي لا يمكن التفريط فيها بأي حال من الأحوال،" تؤكد ذلك الصحافية التونسية بوكالة أخبار المرأة هادية عزقالي، 29 عامًا، وتضيف: "قبل الثورة عام 2011 كان الإعلام عبارة عن بعض الأصوات تلوك خطاباً واحد يخضع للمراقبة قبل النشر أو البث، لكن المشهد تغير تمامًا منذ أحداث الـ14 من يناير. فاليوم لا أحد مهما علت رتبته أو منصبه فوق النقد والمساءلة من الصحافة كلما اقتضت الحاجة ذلك. لم يعد الصحفي صوتًا يعكس مزاج السلطة وأهوائها بل أصبح الرقيب عليها والمراقب لأخطائها. وبعد أن كان الفساد يمر بصمت على مرأى الإعلاميين أصبحت ملفات الفساد في مختلف القطاعات تكشف على يد الصحافيين وتدفع القضاء لضرورة محاسبة المتورطين."

هذا العام، تصدرت تونس تصدر قائمة الدول العربية في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2019، حيث تقدمت بخمسة وعشرين مركزًا لتحتل المركز الـ 72. لكنها رغم ذلك تعتبر أن الديمقراطية الفتية في تونس لم تصل بعد لتشكيل حرية إعلام تامة في ظل استمرار القلق حيال تباطؤ وضع إطار تشريعي جديد لقطاع الإعلام.

إعلان

وتستحضر هادية برنامج "الحقائق الأربعة" (تقديم حمزة البلومي ويذاع على قناة التاسعة الخاصة) الذي أثار جملة من القضايا التي كانت طي الكتمان وكشف الكثير من ملفات الفساد في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية ودفع سلط الإشراف لتتبع المتورطين ومقاضاتهم. هذا عدا التحقيقات الكثيرة المكتوبة والمصورة والتي شملت مختلف الهياكل بما فيها المؤسسة الامنية والأحزاب السياسية الحاكمة وغير الحاكمة وكشفت حقائق كثيرة.

1556620667898-hadya

هادية عزقالي - الصورة مقدمة منها.

وتستدرك هادية: "يبذل الصحفي/ة في تونس جهودًا كبيرة للوصول للحقيقة ولإجبار الحكومات المتتالية على ضرورة احترام حرية الصحافة ومزاولة العمل دون ضغوط كبيرة، لكن استمرار الكثير من المؤسسات الإعلامية في عدم توفير الضمانات القانونية للصحفي على غرار تقديم رواتب ضعيفة دون ضمان اجتماعي هي أبرز التحديات الراهنة بالنسبة للصحافي في تونس." وتضيف أن الصحفيات في تونس أثبتن أنهن منافسات حقيقيات، وأصبحن في الآونة الأخيرة الأكثر حضورًا في مختلف المناصب." ولعل تكليف سبع سيدات على رأس مؤسسات إعلامية رسمية أكبر دليل على ذلك.

لبنى (اسم مستعار)، 38 عامًا، مذيعة راديو في الضفة الغربية، ترى أن حرية الصحافة في بلدها باتت مهددة في السنوات الأخيرة متأثرة بجملة من المتغيرات السياسية المتلاحقة، في الوقت الذي تحاول فيه المرأة إثبات نفسها كشريك استراتيجي للرجل في قطاع الإعلام. وتقول لبنى إن حرية الإعلام والتعبير عن الرأي مكفول بالقانون الأساسي الفلسطيني بعد تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1993 حيث "كان هامش الحرية عال جداً في ذلك الوقت." ولكن الأمور تغيرت للاسوأ: "أعتقد بعد انقلاب حركة حماس في غزة في العام 2007 اختلف هامش الحرية أو إن جاز التعبير قل لأسباب عديدة نتيجة للانقسام."

وقد دفع الصحفيون الفلسطينيون ضريبة الصراع بين فتح وحماس تهديدات واعتقالات وإجراءات للتكميم وإيقافات دون موجب واستجوابات عنيفة ومنع من تغطية بعض الأحداث. وهذا الاحتقان السياسي والإحتلال الإسرائيلي يعقّد بشدّة عمل الصحفيين ويجبر الكثير منهم على الرقابة الذاتية.

إعلان

"حافظ الإعلام الخاص على هامش أكبر من الحرية لا سيما على مستوى التعامل مع القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية،" تضيف لبنى: "لكن في الآونة الأخيرة وتحديدًا في فترة حكومة رئيس الوزراء الأسبق رامي الحمدالله تراجعت حرية الصحافة بشكل لافت وأصبحت هناك ملاحقات لصحافيين نشروا تحقيقات استقصائية حول قضايا فساد في وزارات معينة وتمت مقاضاتهم في المحاكم ومازالت بعض القضايا حتى الآن تنظر الحسم في القضاء."

اعتبرت منظمة مراسلون بلا حدود أن ممارسة الصحافة في فلسطين أمر محفوف بالمخاطر

وبالنسبة للتحديات التي تواجهها كصحفية تقول لبنى أن القضية الأساسية هي أن فرص الرجال بالترقية ومنحهم مناصب عليا أكثر من النساء، وتضيف: "في مؤسستي عدد النساء أكبر من عدد الرجال، وعلى سبيل المثال لا الحصر أعمل كمذيعة ومقدمة برامج إخبارية وسياسية وسكرتيرة تحرير، دون أن أنال ما ينال نظرائي من الرجال من ترقيات. وهذا يعود أساسًا لكوننا نعيش وسط مجتمع ذكوري يعتبر أن الرجال هم أكثر قدرة على الإدارة، كأن نقول إن النساء العاملات بالحقل هن الصبورات المخلصات في العمل وينجحن في توفير الإنتاج لكن في المحصلة يتولى الرجل بيع المحصول ليربح بالنهاية الصيت والمال."

وتعتبر الصحفية الفلسطينية أنه من الصعب الحديث عن الحرية عمومًا في بلد تحت وطأة احتلال قد يمنعك أن تمري من شارع إلى آخر. "المرأة الفلسطينية تعاني من أمرين كلاهما مر، الأول الاحتلال بحصاره الذي لا ينتهي، والثاني القيود المجتمعية التي ترهقك كإعلامية لاسيما عندما تدافعين عن قضايا النساء بل وقد تجعلك عاجزة عن الدفاع عن حقوقك كامرأة."

وقد اعتبرت منظمة مراسلون بلا حدود أن ممارسة الصحافة في فلسطين أمر محفوف بالمخاطر في ظل التوترات السياسية المتزايدة. ففي غزة قتل صحفيان فلسطينيان وجرح العشرات من قبل جيش الإحتلال الإسرائيلي خلال تغطية مسيرة العودة في مايو 2018. وفي الضفة الغربية خضع الصحفيون الفلسطينيون إلى الاستجواب والاعتقال الإداري بعد إيقافهم، وكان ذلك غالبًا دون سبب واضح. كما أغلقت وسائل إعلام فلسطينية -خلال السنوات الأخيرة- بداعي التحريض على العنف.

تقر العراقية هيفاء القره، 29 عاماً، الصحفية بوكالة عواجل برس الإخبارية غولي بأن اختيارها امتهان الصحافة لم يكن سهلاً في ظل وضع أمني لم يستقر بشكل كامل في البلاد، ووضع سياسي يكاد يكون هشًا: "الصحفي في العراق في حالة تأهب دائم لاسيما بعد عرض رأيه في موضوع ما أو قيامه بنقل واقع ما إلى أحد المسؤولين،" تقول هيفاء: "أستطيع القول أن الصحافة في بلداننا مهنة صعبة وشاقة ومتعبة لكنها مهنة الشجعان، ولا سيما المرأة لأنها اختارت ان تمتهن هذه المهنة وتجابه مخاطر مضاعفة في سبيل إيصال صوت المواطن الى الحكومات."

أتمنى أن تحصل الصحفية العراقية على مكان عمل يليق بها تحكمه المهنية والدقة لا غير

وتؤكد هيفاء أنها والكثير من الإعلاميين العراقيين يواجهون صعوبات عديدة أثناء مباشرة مهامهم لا سيما في مرحلة ما بعد نقل الحدث، فأغلب الصحافيين والصحفيات قد يتعرضون للمضايقة أو تضييق حريتهم بسبب نقل واقع معين قد يتعارض مع مصالح أو أفكار جهة سياسية معينة لا تتقبل النقد أو المحاسبة على حد تعبيرها. وتستحضر هيفاء يوم اتصلت بأحد النواب في البرلمان العراقي لأخذ تصريح بشأن محور معين وثم قامت بنشر كلامه، وفوجئت بحدوث جدال كبير بعد أن رفض النائب الصياغة واعتبرها تزييف لأقواله ما اضطرها لحذف الخبر خوفًا على سلامتها. "أتمنى أن تحصل الصحفية العراقية على مكان عمل يليق بها تحكمه المهنية والدقة لا غير وأن تحصل على حريتها الكاملة في التعبير عن رأيها دون الخشية من ردود الأفعال وآراء المجتمع."

وقد احتل العراق مرتبة متأخرة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2019 (المرتبة 156) ورغم تقدمه بأربعة مراتب أكدت منظمة مراسلون بلا حدود أن الصحفيين بالعراق هم ضحايا الهجمات المسلحة والإيقافات والاعتقالات أو التخويف من طرف ميليشيات مقربة من النظام وحتى من قوات نظامية. ويظل قتل الصحفيين بلا عقاب، وتبقى التحقيقات دون نتائج، كما يؤكد ذويهم. وتعتبر التحقيقات حول الفساد أو الاختلاس خطيرة على الصحفيين الذين يتعرضون إلى تهديدات ومتابعات قضائية.

في سوريا، تحول المشهد الصحفي بعد الحرب إلى مساحة للتصدي للرأي الآخر وأدى هذا الواقع الجديد لانعدام هوامش الحرية الضيقة التي كانت موجودة في السابق

"وضع الصحافة في سوريا في أسوأ حالاته الآن،" تقول الصحفية السورية مايا (اسم مستعار بطلب من الصحفية خوفاً على حياتها وعملها) مشيرة إلى أن الحرب قضت على مؤشرات التغيير التي انطلقت مطلع الألفينات و"أرست واقعًا جديدًا انتفت معه هوامش الحرية البسيطة التي كانت متاحة سابقًا." وتشير مايا إلى أن الصحافة بسوريا كانت تعاني الكثير من النقائص سواء على مستوى هامش الحرية أو الأسس المهنية للعمل منذ البداية، فالمواد المقروءة كانت في الغالب ذات صياغة خشبية ومليئة بالكليشيهات والحال لم يكن أفضل بالنسبة للمواد البصرية.

استمر هذا الوضع حتى مطلع سنوات الألفينات عندما بدأت تظهر محاولات للإنفتاح والتغيير اتضحت بعض ملامحها بعد دخول القطاع الخاص للمنافسة، لكن قدوم الحرب أبطل كل شيء. غابت المنافسة وأصبحت الصحافة ذات طابع ولون واتجاه واحد وآخر اهتمامات القائمين عليها هو العمل على تطويرها. وتشرح مايا: "لقد تحول المشهد الصحفي بعد الحرب إلى مساحة للتصدي للرأي الآخر أو الاجندات الأخرى اللاوطنية أو التي تهدد الكيان السوري. وأدى هذا الواقع الجديد لانعدام هوامش الحرية الضيقة التي كانت موجودة في السابق تقريبًا، ولم يعد المجال مفتوحًا لأكثر من صوت واحد وهو ما أفقد الصحفي مصداقيته. وبهذا تم تغييب دور المثقفين عموما تحت وطأة هذه التهمة وأصبحت مزاولة مهنة الصحافة أصعب بكثير في البلاد ناهيك عن تعقيدات الأخرى يطول شرحها فرضتها ظروف الحرب أيضًا."

وذكرت منظمة مراسلون بلا حدود في تقريرها السنوي أن استمرار الاعتقالات والاختطافات والاغتيالات تجعل العمل الصحفي في سوريا خطيراً وصعباً. وذكرت أنه قُتل 10 صحفيين على الأقل في 2018، ثلاثة منهم تم اغتيالهم في ظروف مريبة، كما أن التثبت في السجلات المدنية يبين أن خمسة صحفيين مساجين قتلوا في سجون بشار الأسد. وفي سياق حديثها عن المخاطر التي واجهتها في بلد يعيش على وقع الحرب لثماني سنوات، تؤكد مايا أن نجاتها من القتل قنصاً أو برصاص طائش كانت محض احتمال أو صدفة أو قدر لا أكثر.

الصحفية المصرية نينار، 33 عاماً، (صحفية بجريدة مصرية رفضت التصريح باسمها بسبب المخاوف الأمنية) أبدت استياء كبيراً مما آل إليه حال الإعلام في بلادها لا سيما مع بدء فترة حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي. وتقول نينار إن امتهان الصحافة في مصر أصبح مهمة محفوفة بالمخاطر في ظل الملاحقات الأمنية والقضائية التي باتت تواجه أي إعلامي يتجرأ على انتقاد النظام السياسي أو المؤسسة العسكرية أو ينقل شكوى الناس من غلاء المعيشة أو اتساع رقعة الفقر والفساد. وتضيف: "لقد تحول الصحافيون في البلاد إلى ببغاوات تلوك ذات العناوين الصدئة الفاقدة لأي مصداقية خوفاً من مواجهة مصير لا يحمد عقباه في أحد الزنازين أو السجون."

أجد أن احتفالنا مع دول العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة أمراً مثيراً للسخرية في ظل غياب أي مؤشرات، ولو طفيفة، عن حدوث أي تحولات حقيقية

وتكمل نينار بالقول أنه أصبح من "العبث الحديث عن حرية الصحافة في مصر اليوم، وقد أجد أن احتفالنا مع دول العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة أمراً مثيراً للسخرية في ظل غياب أي مؤشرات، ولو طفيفة، عن حدوث أي تحولات حقيقية من شأنها أن تصلح هذه المهنة في بلادي. وأتطلع لحدوث معجزة ما من شأنها أن تنقذ السلطة الرابعة من وتنتشلها من جبروت المؤسسة العسكرية الحاكمة."

وتؤيد مخاوف نينار تقارير بعض المنظمات الدولية التي تندد منذ سنوات بواقع حرية الصحافة في مصر في ظل استمرار ملاحقة الإعلاميين والزج بهم في السجون بسبب عملهم. وقالت المنظمة أن مصر أصبحت أحد أكبر سجون الصحفيين في العالم، ويقضي بعضهم سنوات في الإيقاف التحفظي دون توجيه أي تهمة ودون محاكمة، وتصدر في حق آخرين أحكام ثقيلة بالسجن تصل إلى المؤبد في إطار محاكمات جائرة. ولا يزال 30 صحفياً على الأقل رهن الحبس الاحتياطي أو تم الزج بهم في السجون بسبب عملهم الإعلامي في مصر، التي تقبع في المرتبة 161 - من أصل 180 بلدا –على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي نشرته مراسلون بلا حدود عام 2019.