مراجعة

ستة شبابيك للدراما والسينما السعودية على نتفليكس

ستة أفلام قصيرة، تفتح آفاقًا جديدة للتعرف على الثقافة السعودية بعيدًا عن الصور النمطية
16.11.20
Predicament-in-Sight

من فيلم "ومن كآبة المنظر" للمخرج فارس قدس. نتفليكس.

تعرض نتفليكس على منصتها منذ فترة، ستة أفلام قصيرة من إنتاج شركة تلفاز ١١ السعودية بعنوان Six Windows in the Desert. المُنتَج المعروض ليس حديثـًا، فهذه الأفلام منتجة في سنوات سابقة، ولكن هذه الأفلام فتحت نافذة في الحقيقة للتعرف أكثر على الثقافة السعودية بعيدًا عن الصور النمطية التي نشاهدها في بعض وسائل الإعلام.

ورغم حصول مجموعة الأفلام على تقييم ضعيف على موقع IMDB، إلا أن جودة الأفلام كانت جميلة ومعقولة جدًا مقارنة بأعمال أخرى أنتجتها نتفليكس من السعودية مثل مسلسل "وساوس" الذي كان نجح باعتبار أنه تجربة نسائية متكاملة  وإن كان عاديـًا للغاية في حبكته وبنائه. هذه الأفلام الستة تتميز بمسحة كوميدية تساعد المشاهد الذي لا يفهم الثقافة السعودية أن يقترب أكثر من تفاصيل الحياة اليومية. ولابد من توجيه كل الدعم لتلفاز ١١ الذي نجحت في صناعة محتوى سعودي محلي مختلف منذ بداياتها في ٢٠١١. ما تقدمه تلفاز هو خطوة في محاولة استنهاض روح الإبداع وصناعة الفنون في المملكة التي وضعت كثيرًا من القيود التي تكبل المبدعين.  

إعلان

ستة شابيك في الصحراء أظهرت قدرة صناع السينما الجدد في السعودية على إثبات أنفسهم في عالم السينما سواء على مستوى تقديم الصورة أو الموضوع أو التقنيات التي يمتلكونها، ولا شك أن الأسماء الشابة التي ظهرت من خلال الأفلام الستة مثل علي الكلثمي ومشعل الجاسر ومحمد السلمان، سيكون لها مستقبل في صناعة أفلام قريبة من الواقع السعودي المتغير.

الأفلام الستة ممتعة، في فيلم "سومياتي بتدخل النار؟" يتحدث المخرج مشعل الجاسر، عن حياة خادمة أندونيسية تعيش مع عائلة خليجية، الجاسر تناول الموضوع دون خطابة أو افتعال معتاد في الدراما والسينما العربية. وكان اختيارًا ذكيـًا من فريق عمل الفيلم أن نشاهد القصة من وجهة نظر طفلة صغيرة، تسأل كل الأسئلة البديهية التي تُعد تابوهات بالنسبة للبالغين. 

فيلم "٢٧ شعبان" و"ستارة" فناقشا موضوعـًا غير جديد، يتعلق بعلاقة الرجل والمرأة في مجتمعاتنا الشرقية، لكن الفيلمين حاولا أن يفتحا لنا نافذة لنشاهد كيف يفكر الجيل الجديد في السعودية، وأن خيالات الرجال عن النساء هناك لا تختلف عن أي بلد عربي آخر، كذلك فرغبة المرأة في التحرر من قيود المجتمع مازالت هي نفسها، فيكون حل المرأة دومـًا هو التخفي وراء النقاب الذي لا يُظهر شكلها أو أفكارها للمجتمع الذي يشتهيها، ويريد في نفس الوقت أن يضعها في قفص ذهبي ويمتلك مفتاحه.

فيلم "ومن كآبة المنظر" الذي أخرجه فارس قدس يحكي قصة تقترب من الخيال العلمي، حيث يجب على مجموعة من الناجين، من حادث تحطم طائرة في منطقة صحراوية نائية، التعايش بعد عدة محاولات فاشلة للتواصل مع الآخرين. الفيلم يحاول أن يسير على خطى أفلام سابقة تحدثت عن تجارب الانعزال عن العالم. ومع نهاية الحكاية نكتشف معها أن الأبطال عاشوا عقودًا وكأنهم أهل الكهف، حتى وجدوا أنفسهم في زمن آخر، Twist لطيف لكنه لم يكن منطقيـًا إلى حد كبير. أما فيلم "الجرذي" لفيصل العامر يناقش موضوع دوامة الخوف من العائلة، فتستمر الأحداث بالتكرار في دائرة لا نهاية لها. ربما يكون هذا أضعف أفلام السلسلة، فقد أغرق في استخدام الرموز حتى شعرت بفقد الرابط بين الأحداث وفهم رسالة الفيلم.  

إعلان

ضحكت كثيراً في فيلم "وسطي" للمخرج علي الكلثمي من المواقف التي تحدث لبطل الفيلم، الذي أصيب بفقد البصر في سن كبيرة وبدأ رحلته في التأقلم مع الوضع الجديد، من خلال اكتساب المعرفة والتصالح مع الذات. أكثر ما ميز هذا الفيلم من ناحية السرد أنه لم يضعنا في الشكل للتقليدي حيث محاولة جذب المشاهد للتعاطف مع البطل، لكنه تحرك بنا في أفق جديد مرتبط بشغف هذا الإنسان نحو المعرفة.

وما يلفت النظر في هذا الفيلم وغيره أن المحتوى المقدم يحاول أن يرسل لنا رسالة مفادها أن الثقافة السعودية فيها تطور وتغير متنامي. فالسينما والدراما السعودية ليست مألوفة للعالم خاصة بعد أن اختفى الإنتاج السينمائي السعودي أثناء حقبة نهاية السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ثم بدأت العودة ببطء شديد خلال الألفية الجديدة وكانت البداية مع فيلم "وجدة" للمخرجة السعودية هيفاء المنصور والذي شارك في الكثير من المهرجانات ورشح لجوائز عالمية، وآخرها فيلم "شمس المعارف" للأخوين فارس وصهيب قدس والذي حقق نجاحاً كبيراً عند عرضه في السعودية.

ويظهر من خلال هذه الأفلام الستة أن صناعها يجتهدون للغاية في التعرف على أنواع السينما المختلفة على مستوى البلاد الأخرى، وكذلك تقديم أشكال فنية منها ما هو كوميدي اجتماعي أو فانتازيا أو حتى محاولة بدائية للاقتراب من الخيال العلمي. بطبيعة الحال من الصعب أن نتوقع إنتاجات فنية تقدم رؤية معارضة لما يحدث في الداخل السعودي مثلًا.

الجيد في هذه الأفلام وعرضها على نتفليكس أنها ستساعد في نقل صورة أكثر وضوحـًا عن الثقافة والحياة في المملكة السعودية، فيصبح المشاهد العربي والغربي قادرين على معرفة معلومات أكثر عمقًا، بعيدًا عن صورة السعودية الموجودة في الأخبار، وهنا تأتي أهمية الفن في نقل صورة أكثر اتساعًا عن الواقع. تجربة تلفاز ١١ والنوافذ الست واعدة جدًا، واستمرارها ودعمها وانتشارها سيمنح السينما والإنتاج البصري السعودي دَفعة قوية تساعد الجيل الجديد من صناع السينما أن يتحرر من القيود ويقدم أفكارًا غير اعتيادية، حتى لو لم يسمح السياق المجتمعي.. نجاح التجربة يحتاج الكثير من الصبر.