فيروس كورونا

أطباء يتحدثون عن ظروف العمل مع ارتفاع حالات المصابين بفيروس كورونا في مصر

"يتم اعطائنا كمامة واحدة فقط لمدة 24 ساعة بسبب العجز في مستلزمات مكافحة العدوى"
5.4.20
ashkan-forouzani-zz6lJNQI4h0-unsplash

الشوارع فارغة بمعظمها، الجميع يشعر بالقلق والدعوات للبقاء بالمنزل لا تتوقف. ولكن على الرغم من إلتزام قطاع كبير من المصريين بالحجر المنزلي، هناك تخوف من عدم قدرة المنظومة الصحية في مصر على تحمل أي إرتفاع كبير في عدد الإصابات في فيروس كورونا (كوفيد-19) بعد تسجيل 52 حالة وفاة، وحوالي 779 حالة إصابة خلال الأيام الماضية، وبعد إغلاق المعهد القومي للأورام في مصر بعد اكتشاف 15 حالة إصابة بفيروس كورونا من الطاقم الطبي للمعهد.

إعلان

منذ الإعلان عن حالات إصابة بالفيروس، تم إعلان حالة الطوارئ في القطاع الصحي في مصر، بما يعني أنه تم رفض جميع الإجازات وتمديد عدد المناوبات للتكيف مع الوضع الحالي. أنا أعمل في القطاع الطبي، وأعلم كم من الصعب العمل في ظل هذه الحالة من عدم اليقين. تحدثت مع عدد من الأطباء الذين يتعاملون مع حالات الإصابة بالفيروس، ولكن جميعهم فضلوا التحدث معي، بأسماء مستعارة.

يخبرني، الدكتور علي*، طبيب أمراض القلب بجامعة أسيوط أن الوضع الحالي يجعله يتعامل مع جميع الحالات التي تصله باعتبارها مصابة بفيروس كورونا ويضيف: "الحالات التي يظهر عليها ارتفاع في درجة الحرارة وكحة جافة يتم تصنيفها كمصابة بالفيروس، فليس لدينا اختبارات للفيروس متاحة للجميع، كما الحال في الكثير من البلدان في العالم. هناك توصيات دقيقة حول من هم الأشخاص الذين يجب عليهم إجراء فحوصات فيروس كورونا الطبية. إذا كانت الأعراض بسيطة نقوم بوصف خافض للحرارة والمسكنات وننصح بالعزل المنزلي، أما في حالة زيادة الأعراض نقوم بإرسال المريض إلى المستشفى الخاص بالحجر."

بالنسبة للأمان الشخصي، فيشير الدكتور علي، أنه من المفترض أن يقوم الأطباء بلبس كمامات من النوع N95 ولكنها "أصبحت من الرفاهيات في الوقت الحالي بسبب زيادة الاستهلاك، لهذا نستخدم أي كمامات متاحة." ولكن المشكلة الحالية ليست بنقص الكمامات، كما يؤكد الدكتور علي بل في إلتزام الناس بالحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي: "الصعوبة في الوقت الحالي هي عدم التزام الناس بالتعليمات، ولو استمر الوضع كما هو عليه سنفقد الكثيرين، إلا لو حدثت معجزة."

سحبنا العينة من شخص ظهر عليه أعراض الكورونا وانتظرنا 48 ساعة حتى تظهر النتيجة، عشت رعباً لم أشهده طوال حياتي، فأنا حامل في الشهر الخامس، وكنت أفكر طوال الوقت، هل سينتقل هذا الوباء لابني؟ هل سأفقد حياتي؟

ووفق تقرير منظمة الصحة العالمية، الصادر العام الماضي فإن الرعاية الصحية في البدان العربية بشكل عام، تأتي في ذيل الترتيب عالميًا. ويشمل ذلك ضعف مهارات الإطار الطبي وكفاءته، وعدم توفر التجهيزات والطرق الحديثة في التشخيص والعلاج. وقد اشتكى عدد من الأطباء من مصر، من غياب وسائل الحماية الكافية من كمامات طبية ومعقمات داخل المستشفيات، والمراكز الصحية الحكومية- في الوقت الذي تم إرسال مليون كمامة إلى إيطاليا كمساعدة إنساية عاجلة. ويفضل الأطباء عدم الحديث لأي جهة إعلامية أو الكشف عن تفاصيل ما يحدث داخل المستشفيات على وسائل التواصل الإجتماعي.

وعن الوضع العام للتعامل مع المصابين بفيروس كورونا، يقول الدكتور آسر، والذي يعمل في مستشفى خاص: "للأسف الموضوع اجتهاد شخصي بحت. في البداية لم يكن هناك بروتوكول واضح من وزارة الصحة، وكل طبيب كان يعمل باجتهاده لكي يعرف هل الحالة التي أمامنا مصابة بالفيروس أم لا. كنا نتابع الحالات التي جاءت للمستشفى من خلال التواصل مع المرضى المحجورين في بيوتهم، لعدم وجود توثيق في الوزارة للحالات السلبية. التوثيق مهم لنا كطاقم طبي، لأنه لو تحولت نتيجة التحليل من سلبية إلى إيجابية يجب أن نعزل أنفسنا حتى لا نقوم بنقل العدوى. كما أن هناك نقص في مواد الوقاية، يتم اعطائنا كمامة واحدة فقط لمدة 24 ساعة بسبب العجز في مستلزمات مكافحة العدوى."

إعلان

يقول الدكتور أسر أن المرض أثر على حياته الشخصية بشكل كبير جداً: "أصبحت موسوسًا بسبب خوفي على أهلي، لأنني يمكن أن أكون حاملاً للمرض ولا أعرف بسبب عدم ظهور أعراض. كان من المفترض أن يكون حفل زفافي الشهر الماضي، واضطرت للتأجيل، فقد تم إغلاق جميع قاعات الاحتفالات، وتم رفض الإجازات في القطاع الطبي."

الدكتورة دلال، والتي تعمل كطبيبة مقيمة جراحة أنف وأذن وحنجرة في مستشفى الهرم في محافظة الجيزة، تخبرني عن وصول حالة تشتكي من أعراض كورونا، مما أدى لإصابة المستشفى بالكامل بالذعر لأنها غير مجهزة لحالات الكورونا: "سحبنا العينة وانتظرنا 48 ساعة حتى تظهر النتيجة، عشت رعباً لم أشهده طوال حياتي، أنا حامل في الشهر الخامس، وكنت أفكر طوال الوقت، هل سينتقل هذا الوباء لابني؟ هل سأفقد حياتي؟ لحسن الحظ، جاءت نتيجة التحليل بالسلب فتنفست الصعداء وحمدت الله على حياتي."

في ظل الوضع الحالي يحتم علينا أن نعامل جميع الحالات المشتبه بها وكأنها مصابة بالكورونا حتى يحدث العكس

الدكتور رفعت، طبيب عناية في مستشفى بولاق الدكرور في محافظة الجيزة كذلك، يقول أنه على الرغم من أن يعمل في مستشفى ليست مخصصة للعزل وغير متخصصة بأمراض الصدر، إلا أنه تم تحويل حالة لمريض من مستشفى خاص إلى مستشفى بولاق الدكرور مصابة بالتهاب رئوي: "الوضع الحالي يحتم علينا أن نعامل جميع الحالات المشتبه بها وكأنها مصابة بالكورونا حتى يحدث العكس. اتصلنا بمستشفى حميات العباسية في القاهرة (الحميات، جمع حمى، وهي المستشفيات التي يتم فيها علاج الحالات المعدية) لأننا كنا نريد التأكد من الاشتباه لنأخذ احتياطنا اللازمة في التعامل مع الحالة." ويضيف: "في بداية الأمر حدث تعنت من مستشفى الحميات إلا أنه بعد الضغط من وكيل الوزارة تم التعامل مع الأمر، والموافقة على عمل اختبار للحالة وأتت النتيجة بالإيجاب. أصابنا بالذعر جميعًا في المستشفى، أطباء وعمال وممرضين. وقررنا البقاء جميعًا في المستشفى، ولم نعد إلى منازلنا، فقد تملكنا الخوف من أن ننقل العدوى لأهلنا. إلا أنه تم عمل مسحات لجميع العاملين في المستشفى وجاءت النتيجة بالسلب."

هذا "التعنت" يرجع لأن الحالة لا ينطبق عليها البروتوكول الذي وضعته وزارة الصحة لعمل اختبارات فحص فيروس الكورونا، حيث كان البروتوكول القديم يسمح بأخذ العينات من الأشخاص الذين عادوا من السفر بالخارج أو خالطوا أحد المصابين فقط، لكن بعد مشكلة مستشفى بولاق الدكرور تم إضافة عناصر إكلينيكية للبروتوكول لفحص المرضى الذين يعانون من الأعراض التالية: الحمى أو مشاكل في الجهاز التنفسي، أو أن تحتوي أشعة الصدر (اكس أو أشعة مقطعية) على خصائص تظهر وجود التهاب رئوي، وفي حال وجود إنخفاض في خلايا الدم البيضاء أو في الخلايا الليمفاوية.

هناك خوف دائم من التواصل مع شخص مريض في الصيدلية، لهذا لا ألمس أمي أبداً بعد رجوعي من العمل، كل ما أريده حقاً أن ينتهي الأمر لكي أتمكن من احتضان أمي

محمد، والذي يعمل ممرض في مستشفى أبو خليفة في الاسماعيلية، والتي أصبحت مخصصة للعزل ضمن الخطة الجديدة التي وضعتها وزارة الصحة والسكان - بحيث يكون هناك في كل محافظة مستشفى مخصصة للعزل - فيخبرني أن هناك حالة من الخوف بسبب المجهول: "لا أحد يعرف متى ينتهي الوضع الراهن. نحن نعمل في ظروف سيئة بسبب قلة الموارد، ليس هناك عدد كاف من القفازات والكمامات، لكننا نضطر للتعامل مع الموقف، لأن طبيعة العمل تفرض علينا ذلك، حتى تنتهي الأزمة وتعود إلينا حياتنا الطبيعية."

يارا، والتي تعمل كطبيبة صيدلانية في وزارة الصحة وتعمل أيضًا في صيدلية خاصة، تضيف بأن الضغط على العاملين في مجال الصيدلة يهدد حياتهم: "في مصر، الجميع يأتي إلى الصيدلية بدلًا من الذهاب إلى المستشفى عند الاشتباه بأي أعراض، أو يتصلون على الارقام التليفونية للصيدليات يشتكون من أعراض الكورونا وهم في حالة هلع تامة. هناك خوف دائم من التواصل مع شخص مريض في الصيدلية، لهذا لا ألمس أمي أبداً بعد رجوعي من العمل، كل ما أريده حقاً أن ينتهي الأمر لكي أتمكن من احتضان أمي."

الوضع الآن في مصر حرج، ويقف الأطباء في الخط الأول في مواجهة المرض، في ظروف عصيبة من ضعف إمكانية النظام الصحي في مصر وعدم وجود مستلزمات مكافحة العدوى بشكل كاف، معظمهم مصابون بالإرهاق والتعب بسبب ساعات العمل الطويلة، ومنهم من فقد حياته (توفي أول طبيب بالفيروس في مصر الشهر الماضي). ما هو المتوقع في الأيام القادمة؟ بحسب توقعات المكتب القُطري لمنظمة الصحة العالمية فإن مصر أمامها سيناريوهين إما أن يلتزم الناس بالإجراءات الوقائية والاحترازية أو سنشهد ارتفاع في حالات الوفيات وهو السيناريو الأسوأ مثل إيطاليا وإيران.

*جميع الأسماء مستعارة- بما في ذلك إسم الكاتب.