عقوبات

أيام معدودة قبل سيزر: تجويع السوريين بدأ بالفعل

لا يمكن للقوانين والعقوبات الأمريكية القادمة من النصف الآخر للكرة الأرضية أن تصب في صالح الشعب السوري مهما اتسعت قاعدة المبادئ الإنسانية التي تنادي بها وتهدف إليها
14.6.20
Caesar Act' sanctions
Photo by Sushil Nash on Unsplash


كنت في البداية كتابة مقال مفصل يحلل ويتتبع حرب الفيديوهات التي شنها "رجل الأعمال" السوري رامي مخلوف ضد ابن خاله، الرئيس السوري بشار الأسد. كان الأخير قد قرر مع أجهزته الأمنية، وبتعليمات ممن يوجهه من جهات خارجية "وداخلية كزوجته أسماء الأسد" وضع يده على استثمارات وشركات مخلوف ونقل إدارتها إلى الحكومة السورية بحجة التهرب الضريبي، وعلى رأسها "سيرياتيل" شركة الاتصالات الأكبر في سوريا. مخلوف تجرأ على ما لم يسبقه إليه أحد، وخرج عبر عدد من الفيديوهات العلنية، لينقل إلى الشعب "بكل التواضع والتباكي والتذلل الممكن" تفاصيل المعركة التي بدأها النظام بتكتمه وسريته المعهودين. في فيديوهاته أكد مخلوف أن شركاته نظامية الأوراق، ولا شأن للضرائب بما يجري، وأنه محض تبلي على مملكة أعماله التي سيؤدي التعدي عليها إلى أذى متعمد للاقتصاد السوري كله.

حمل الحدث في بدايته عناصر المفاجأة من جهة، والتسلية والضحك والشماتة من جهة أخرى، بشخص تسلّى بما يكفي بالاقتصاد السوري خلال العشرين سنة الأخيرة، متضمنة تسع سنوات الحرب. توجب في النهاية العودة إلى الواقع، وتذكر ما لم ننسه، بأن لا مساحة للتسلية مع النظام الحالي، وأن الحرب التي بدت كحرب ثروات بين أبناء الخال امتدت آثارها ليأكلها الشعب في أجنابه. يتزامن هذا الخلاف العائلي على تقاسم الشركات ذات رأس المال الأكبر، مع محاولة البلاد الخروج من الركود الاقتصادي الذي تلا أزمة كورونا، ومع اقتراب دخول قانون سيزر حيز التنفيذ. يجتمع كل هذا، مع استمرار إغلاق الحدود السورية اللبنانية، وتداعيات فوضى الاقتصاد اللبناني على سوريا، لتسجل الليرة السورية في الأسبوع الأخير التدهور الأكبر في تاريخها، وبتسارع مرعب، تجاوز في الأيام الأخيرة إلى 2،700 ليرة مقابل الدولار الأمريكي. لهذا قررت تغيير التوجه من مخلوف لما أكبر منه ومن رئيسه، وهو العقوبات الاقتصادية التي أقرتها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية ضد النظام السوري - وطبعاً اللي رح ياكلها هو الشعب.

قانون على مين؟
تعود بدايات قانون سيزر أو قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين إلى العام 2016. وقع عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهايةً في العام 2019، ليدخل حيز التنفيذ في 17 يونيو الحالي. سيزر أو قيصر هو الاسم الرمزي لمصور عسكري سابق عمل مع الشرطة العسكرية للنظام السوري، كشف في صوره عن جرائم قتل وعمليات تعذيب منظمة أقدمت عليها حكومة نظام الأسد. يدعي هذا القانون الأمريكي بحماية المدنيين السوريين، من خلال فرض عقوبات مشددة تشمل الأشخاص والمؤسّسات التي تعاونت مع النظام في شتّى المجالات، إضافة إلى عقوبات على مصرف سوريا المركزي، وعقوبات تطال قطاع الطاقة في البلاد، إلى جانب إيقاف مساعدات إعادة الإعمار. بعيدًا عن التأثير المباشر لقانون العقوبات، يرى مؤيدوه أنه سيكون المحرك الأكبر للغضب الشعبي داخل سوريا، مما قد يسبب ضغطًا داخليًا إضافيًا على النظام الحاكم قد تقنعه نهاية بالتسليم، خاصة مع اقتراب انتهاء الدورة الرئاسية الحالية، وتزايد الإشاعات حول الغضب الروسي على شخص الرئيس الحالي.

إعلان

لكن ذلك قد يكون فعالًا في حال كانت السلطة الحالية تلقي بالًا لما يمر به ما تبقى من الشعب السوري اليوم، أو لو أنها لم تكن مفصومةً بالكامل عنه في خططها وتطلعاتها وسياستها. إذ يبدو أن الصمود في وجه الإرهاب - القضية التي نصبها النظام الحالي في وجه العالم من تسع سنوات- كانت غطاءً لتأمين الوقت الكافي لبناء سفينة نوح تحمل على متنها بضعة شخصيات قبل أن يبدأ الطوفان.

أزمات عائلية
لا يمكن للقوانين والعقوبات الأمريكية القادمة من النصف الآخر للكرة الأرضية أن تصب في صالح الشعب السوري، مهما اتسعت قاعدة المبادئ الإنسانية التي تنادي بها وتهدف إليها. هذا ما حفظناه غيبًا منذ وقت طويل ومن تجارب شعوب مختلفة. لم تكن في صالح دول أكبر وأغنى من سوريا، كفنزويلا وإيران وغيرها، وحتمًا لن يكون أثرها أفضل على سوريا التي قضت الحرب على بناها التحتية وصناعاتها الوطنية. لكن ما لم يكن متوقعًا هو أن تنهار الليرة السورية إلى هذا الحد قبل دخول القانون حد التنفيذ حتى، متجاوزةً الـ 2،500 ليرة سورية مقابل الدولار، فيما لم تكن قد تجاوزت الـ 1،000 ليرة سورية مقابل الدولار في نهاية شهر فبراير الماضي وقبل بداية التدابير التي فرضها انتشار فيروس كورونا (47 ليرة سورية مقابل الدولار الأمريكي بداية العام 2011). إلا أن التسارع الغير منطقي في تغير أسعار الصرف كان قد بدأ بالفعل بعد التهديدات المباشرة التي وجهها رامي مخلوف إلى بشار الأسد بانهيار الاقتصاد في حال استمرار التضييق على شركاته في البلاد.

ستجد نفسك تقف في سوبرماركت الحي، تشتري علبتي معجون أسنان، وعلبة شامبو، وعلبتي سجائر، وظرف قهوة بن مطحون سيكفيك بالكاد لثلاثة أيام، مقابل ثمانية عشر ألف ليرة سورية (أقل من عشر دولارات) أي بالضبط نصف راتب الموظف الحكومي في البلاد حسب سعر الصرف اليوم

نظريات كثيرة ترفض نسب الأزمة الاقتصادية الحالية بحجمها المهول إلى قرار شخص واحد، بل ترجح أن يكون خلاف النظام مع رامي مخلوف "القريب قرابة الدم" قد جعل أثرياء الحرب يتلمسون رؤوسهم في علاقتهم مع النظام وضماناته لهم في الفترة التي تسبق تنفيذ العقوبات. الأمر الذي دفع المؤثرين الأكبر في الاقتصاد السوري من أصحاب الثروات إلى شراء الدولار بأسعار مضاربة وذات قفزات غير منطقية وغير مبالية. ولكن، مهما تشعبت التحليلات، فالحقيقة أنه ليس باستطاعة أي يكن في الداخل السوري، أن يحرك ساكنًا ومن تلقاء نفسه في دولة الأنظمة الأمنية هذه، وأنه كان من الصعب "وشبه المستحيل" أن تتم عمليات الشراء هذه دون توجيهات واضحة من "سيادته" ودون أن تصب نهاية في "جيبة سيادته." خاصةً وأن ما تبقى من عمر سيادته قبل الانتخابات الرئاسية القادمة، هو عام على الأكثر، ويتوجب عليه تحصيل رواتبه التقاعدية بذاته خاصة مع تكاثر الإشاعات عن عدم رضا روسيا عن أدائه في الآونة الأخيرة.

رفاهية الدواء
في النهاية، كل النظريات حول ما تقوم به وما تنوي عليه الأسرة الحاكمة في سوريا اليوم تبقى مجرد تكهنات، إذ يستمر النظام الحالي بمفاجأتنا في تصريحاته وتبريراته، وخلافاته العائلية المتتابعة جيلًا بعد جيل، والتغيرات المستمرة في علاقات التحالف والعداوة التي يشكلها. يبقى الثابت الوحيد هو الشعب، الأضحية الدائمة. في الأسبوعين الأخيرين، وجد السوريون أنفسهم يتعاملون مع واقع جديد فرضه تدهور الليرة السورية، وامتداد تأثيراته إلى كافة جوانب حياتهم اليومية.

وصول المزيد من قوانين العقوبات من الخارج لن تؤدي إلا ترك ملايين السوريين في الداخل يواجهون جوعًا لم يعرفوه حتى في السنوات الماضية، حين لم يهطل من السماء سوى القذائف والصواريخ

إلى جانب تأثير سعر صرف الليرة على أسعار استيراد المواد المختلفة، فهو يؤثر كذلك على أسعار مستلزمات الإنتاج لما تبقى من صناعات وطنية، وعلى رأسها الصناعات الدوائية. في الأسبوعين الأخيرين، بدأت أزمة نقص الدواء في الظهور ومن ثم التفاقم. بادر أصحاب المعامل بالاحتجاج على قرار الحكومة باستمرار بيع الدواء بحسب أسعار الصرف التي يحددها المصرف المركزي السوري (يستمر المصرف المركزي بتحديد سعر الصرف الرسمي بأقل من ثلث قيمته الفعلية في السوق السوداء). تلا الأمر بدء معظم أصحاب الصيدليات في العاصمة دمشق والمدن الأخرى بإغلاق صيدلياتهم، وبشكل جماعي، في خطوة اعتبرها كثيرون احتكارًا للدواء مع توقعات استمرار تدهور الليرة، فيما يصر الصيادلة على اعتبارها إضرابًا عن بيع الدواء في ظل الاقتصاد المتدهور مما سيقود إلى ضرر حتمي في قطاع الصناعات الدوائية.

جوع بالجملة
سرعان ما انضم إلى عملية الإقفال الجماعي أصحاب البقاليات ومحلات بيع المواد الغذائية، معلنين استحالة استمرار عملية البيع، وتبديل أسعار بيع بضائعهم للمواطن أكثر من مرة في اليوم الواحد، بالتزامن مع سرعة تبدل أسعار الصرف. إذ يبدو أنه بات شرطًا لازمًا على كل تاجر وكل مشترٍ في سوريا اليوم متابعة حياته اليومية حاملًا الآلة الحاسبة في يده، مغيرًا حساباته وإمكانياته على البيع والشراء بمرور الدقائق. إقفال البقاليات ولو جزئيًا على امتداد يومين كان كفيلًا بخلق حالة فزع لدى العامة من بدء عمليات الاحتكار، أو تعسر الوصول إلى المواد الغذائية، خاصة مع حرج التوقيت، بعد أن مرت البلاد بحالة إقفال عام تجاوزت الشهرين بسبب فيروس كورونا، انتظر خلالها السوريون بفارغ الصبر العودة إلى أعمالهم وحياتهم الطبيعية قبل وصول هذه الأزمة الجديدة.

في ظل هذه الفوضى اليوم، لا تحتاج الحكومة السورية إلى مزيد من المعتقلات. لقد أصبح الجميع في معتقل واحد كبير

لذا فمجرد التفكير بإمكانية المواطن العادي أن يخزن بعض المنتجات والمواد الغذائية للأيام القادمة إلى حين أن تهدأ هذه الفوضى، بات امتيازًا أكبر من القدرة المادية لمعظم العائلات التي بات ينهكها شراء مستلزمات الوجبة اليومية. في النهايةً أصدرت وزارة التجارة الداخلية قرارًا يمنع المحلات التجارية من الإغلاق تحت طائلة إحالة أصحابها للقضاء. هكذا، ما بين حيرة التجار، وعجز النظام، تجد نفسك تقف في سوبرماركت الحي، تشتري علبتي معجون أسنان، وعلبة شامبو، وعلبتي سجائر، وظرف قهوة بن مطحون سيكفيك بالكاد لثلاثة أيام، مقابل ثمانية عشر ألف ليرة سورية (أقل من عشر دولارات) أي بالضبط نصف راتب الموظف الحكومي في البلاد حسب سعر الصرف اليوم.

في ظل هذه الفوضى اليوم، لا تحتاج الحكومة السورية إلى مزيد من المعتقلات. لقد أصبح الجميع في معتقل واحد كبير يعجز فيه عن الاعتراض أو الرفض أو إبداء أي رد فعل تجاه المتغيرات الجديدة المفروضة. يتوجب على الجميع مجبرًا الالتزام بالتعليمات، فيما تتابع عمليات النهب العلنية في الداخل قبل "وحتمًا بعد" وصول المزيد من قوانين العقوبات من الخارج التي لن تؤدي إلا ترك ملايين السوريين في الداخل يواجهون جوعًا لم يعرفوه حتى في السنوات الماضية، حين لم يهطل من السماء سوى القذائف والصواريخ. المساحة الوحيدة المتبقية لدى السوري للتحرك أو للفعل، هي توقيع عريضة الكترونية تطالب بوقف تنفيذ قانون سيزر، وإلغاء العقوبات الأمريكية (التي لم تساهم سوى في تسابق النظام وحلفائه على نهب ما تبقى من البلاد)، وإنشائهم بضعة مجموعات وصفحات نشطة على السوشيال ميديا يتبادل عبرها البعض صورًا لمخزونهم الشخصي من الأدوية في منازلهم، للتبرع لمن يمكن أن يستفيد منها أو مبادلتها مع دواء آخر.