رأي

إنفجار بيروت لم يقتلني جسديًا، ولكنه قتلني معنويًا

كنت أظن أننا قد وصلنا إلى الحضيض، ولكن كان بانتظارنا ما هو أسوأ بكثير
18.8.20
IMG_20200806_171901 copy
تصوير: تشارلي حكيّم

الرابع من أغسطس 2020، الساعة سادسة مساءً: كنت على شرفة منزلي في منطقة الأشرفية (الهادئة نسبياً) أقوم بسقي نباتاتي عندما بدأت الأبنية من حولي تهتز بعنف. لأول وهلة، ظننت أنه زلزال قوي، ولكن علمت بأنه ليس زلزال عندما نظرت الى السماء ورأيت سحابة بيضاء كبيرة تتحرك بسرعة فائقة، وكأنها غيوم تتبخر من السماء. ما رأيته كان أشبه بمشهد من فيلم عن نهاية العالم… ولكن حتى تلك اللحظة لم أعرف أنه سيكون كذلك.

لم يكن يكن لدي الوقت لأفكر بسبب تشكل هذه السحابة، لأن خلال أجزاء من الثانية انتهى كل شيء، وتحول كل ما حولي إلى جحيم. بنايات مدمرة، زجاج مكسّر في كل مكان، أصوات بكاء الجيران، أصوات أجهزة إنذار السيارات التي لم يعد أصحابها… كل ما حولي كان عبارة أصوات وصرخات ودمار ورعب ودماء، وهذا قد يختصر الفوضى الناتجة عن الإنفجار الذي تبع مشاهدتي لتلك السحابة القاتلة.

20200818_133226 (1).jpg

السحابة الحمراء التي ظهرت قبل ثوانٍ قليلة من الانفجار. كنا نقف على الشرفة عندما أخذت أختي هذه الصورة.

يقال أن الجحيم يأتي بعد الموت، ولكن بالنسبة لي، الجحيم موجود على الأرض، وتجسّد يومها على شكل انفجار وسط مدينتي، بيروت. بعد حرائق العام الماضي، وكوفيد-19 وإنهيار الإقتصاد اللبناني (خسارة الليرة اللبنانية لأكثر من 70% من قيمتها)، كنت أظن أننا قد وصلنا إلى الحضيض، ولكن كان بانتظارنا ما هو أسوأ بكثير. آخر شيء كنت أتوقعه هو أن نعيش آثار ما يشبه القنبلة الذرية دمرت القلب النابض للبنان، وأدت لوفاة المئات وجرح الآلاف وخسارة أكثر من 300,000 شخص لمنازلهم، بينما تستمرّ عمليات البحث عن مفقودين بين الأنقاض. ماذا فعلنا لنستحق كل ذلك؟

كل ما حولي كان مدمراً، منزل صديقتي ساره تدمّر، صديقي جان كلود تعرض لارتجاج في المخ وبُترت أوتار يديه وقدميه وتدمر بيته، منزلي تكسّر كل الزجاج الذي فيه، لائحة الخسارات لا تنتهي. إلا أن المنازل يمكن إصلاحها (ولكن الأمر يصبح أصعب عندما بالكاد يمكنك شراء الطعام في هذا البلد)، ولكن ما لا يمكن إصلاحه هو الأرواح التي خسرناها. ما لا يمكن إصلاحه هو الأم التي خسرت ولدها. ما لا يمكن إصلاحه هو الأهل الذين ينتظرون خبراً عن أولادهم المفقودين. ما لا يمكن إصلاحه هو كل الذين خسروا "مصدر رزقهم." ما لا يمكن إصلاحه هو الصدمة النفسية التي تعرضنا لها، ولا نستطيع أن نوقف صور وفيديوهات الإنفجار من أن تعيد نفسها في رؤوسنا إلى الأبد. ما لا يمكن إصلاحه هو الضرر النفسي طويل الأمد الذي طال كل شخص عاش هذه المحنة.

إعلان

على الرغم من مرور أكثر من أسبوعين على الانفجار، إلا أنني لا أزال أعيش في حالة خوف دائم، ويرافقني هذا الشعور بأن مصيبة أخرى على وشك أن تقع. صارت جميع الأصوات تخيفني، صوت تكسر الزجاج، صوت باب غرفتي يغلق بقوة، صوت الألعاب النارية، أو حتى صوت بوق سيارة. كل هذه الأصوات تعيدني إلى الرابع من أغسطس.

لا ألوم أحداً سوى والديّ، ولا يسعني إلا أن ألعن الساعة التي ولدت فيها في هذه المقبرة

لقد تغيرت، كما تغيرت مدينتي. أنا لم أعد أفكر بمستقبلي، أو أرغب بتحقيق أياً من أهدافي وأحلامي، لا أرغب حتى تضييع الوقت في السهرات واللقاءات والضحك مع أصدقائي. لم أعد أستطيع فعل أي شيء دون الشعور بالذنب، الذنب من أنني حي فيما هناك مئات من الموتى وآخرين ما زالوا مفقودين تحت الردم.  أشعر وكأنني أعيش من أجل العيش فقط، survival mode ولا أعرف ما ينتظرني بعد دقيقة أو ساعة أو أسبوع.

صحيح أنني أحب أفلام الرعب والإثارة، ولكن آخر شيء كنت أتوقعه هو أن تتحول حياتي نفسها إلى فيلم رعب، وأن تصبح "الإثارة "جزءاً من يومياتي- يعني Hunger Games النسخة اللبنانية. إلا أن الفارق كبير بين الأفلام والحقيقة، لأنني ببساطة لا أستطيع أن أتحكم بحجم الرعب الذي يسيطر على حياتي في هذه الفترة.

الموت أمر محتوم وطبيعي، ولكنه أصبح يسيطر على كل تفكيري، في كل لحظة، أصبح هاجساً، كل ما أفكر به هو إمكانية خسارة أي شخص مقرب مني: والدتي وإخوتي وأصدقائي وقططي. الموت أصبح قريبًا. قريباً جداً. إنفجار بيروت لم يقتلني جسدياً، إلا أنني أموت معنويًا ونفسياً يوماً بعد يوم، والحياة تخسر قيمتها تدريجياً بالنسبة لي، لأنني أعيش في مقبرة للأحلام والطموح إسمها لبنان، ورعاة هذه المقبرة هي الدولة المجرمة وكل شخصٍ يدافع عنها. لا ألوم أحداً سوى والديّ، ولا يسعني إلا أن ألعن الساعة التي ولدت فيها في هذه المقبرة.